لماذا علينا أن نحب البندقية؟

بين حزن لطيفة الزيات وأساطير باشلار

لطيفة الزيات  -  غاستون باشلار
لطيفة الزيات - غاستون باشلار
TT

لماذا علينا أن نحب البندقية؟

لطيفة الزيات  -  غاستون باشلار
لطيفة الزيات - غاستون باشلار

لو كانت السياحة ديناً، فمدينته المقدسة البندقية. هي المكان الذي يزور محبي السفر في أحلامهم ويناديهم، مثلما تفعل المدن المقدسة في أحلام المؤمنين.
وبمجرد أن يتحقق الحلم، لا بد من شهقة عند مصافحة المدينة، تشبه في عمقها شهقة دبة الروح في الجسد الفخار.
مغادرة غبشة أو عتمة محطة القطار إلى النور في ساحة سان ماركو بمثابة خروج مفاجئ إلى النهار؛ تتعرض الروح لصدمة مواجهة الجمال الكامل اللانهائي الذي لم يتأهل الزائر للقائه. لن تخفف من دهشته آلاف الصور التي لا بد أنه طالعها للمدينة، وعشرات الأفلام التي تجري في رحابها، فالوجود في المدينة العائمة واستنشاق هوائها شيء آخر.
لا يثير الكمال إلا أفكار الموت والعزلة الأبدية. البنايات الباذخة بقبابها المذهبة المزججة تبدو المثال الأعلى لمدينة، لكنها محاصرة بالماء. ورغم أننا نعرف أن هذه البنايات عاشت قروناً تحت هذه الظروف، لا يمكننا إلا أن نفكر في أثر الماء على جدرانها، وأن نفكر بفنائها أكثر مما نفكر بفناء أي مدينة أخرى.
ولا ينحصر مجاز الموت الذي يسكن الماء في الخوف على مصير المدينة، بل يمتد إلى مصير الزائر نفسه. وهو ليس خوفاً صِرفاً، وإلا كان رد الفعل صرخة فزع صريحة، وليس شهقة عجماء.
الماء أكثر العناصر نشاطاً وإرباكاً في اللاوعي، ليس كالنار التي تذهب في اتجاه الموت والتطهير العنيف، وليست له الأمومة المستقرة للتراب محتضن البذرة، وليست له خفة وأثيرية الهواء. هو مُطهر، وهو كذلك مصدر التلوث الأسوأ عندما يأسن، هو صانع الحياة والنماء بقدر ما هو صانع للموت، وعلى الأقل هو طريق الموت، وهو في هدوئه مفعم بالأنوثة والأمومة، لكنه يصبح ذكراً عندما يهتاج ويبتلع.
والماء في البندقية ليس ضيفاً لطيفاً ينتشر ويتحرك بحساب كضيف، كما الماء في أمستردام مثلاً، لكنه الأساس والأصل، وما تلك البناءات الكبيرة القديمة وسط الماء إلا أعجوبة صنعها جبروت الإنسان وعناده في لحظة انقضت.
يبدأ التمهيد للهوية المائية للمدينة قبل الوصول، حيث تختفي اليابسة بأشجارها التي تجري في الاتجاه المعاكس، ويجد المسافر نفسه في رفقة اللجة الرصاصية من الماء، ثم يبدأ القطار في تهدئة سرعته ليدخل حذراً إلى المحطة.
هروباً من الماء الذي تركوه خلفهم للتو، وربما فضولاً لرؤية المدينة، يتدافع حجاج البندقية لحظة مغادرتهم المحطة بابتهاج وصخب جنود عائدين من الحرب، لكنهم يجدون أنفسهم في مواجهة الماء مرة أخرى، بينما تتشبث أقدامهم بمواضعها وسط الزحام على شريط من اليابسة صغير مثل مرساة، وسيتأكدون بعد جولتهم الأولى في المدينة أن هذا الشريط الضيق المدهش هو أكبر ساحاتها.
عندما تكون بينهم في تلك اللحظة، ستشعر بأمان يعززه الحمام المطمئن بين الأقدام. وعندما ترفع عينيك عن الأرض، ترى في نظرة واحدة كنيسة القديس مرقس، بتأثيرات البذخ البيزنطي في قبابها، وخيول واجهتها المذهبة، ومقهى فلورين الشهير.
البناء الإلهي غارق في وحدته المتعالية، والدنيوي صاخب ببشر يأكلون ويشربون ويتكلمون بأيديهم وبأفواههم وعيونهم، يبدون للقادم الجديد كأنهم الكفار الذين أنكروا الله والخطر. كيف يلهون هكذا والماء لم يزل كثيفاً إلى الحد الذي يجعل خبر انحسار الطوفان غير مؤكد؟!
أول رغبة للزائر، بعد مصافحة المدينة المائية مباشرة، هي الذهاب إلى أرض؛ إلى نزل إقامته للتخلص من عبء الحقيبة، والتخلص من أثر السفر، أو بمعنى خفي: القيام بطقوس التنسيب التي تجعله منتمياً إلى المكان الجديد.
وسائل الانتقال المتاحة محدودة عائمة، مما يعزز الشك بانقضاء خطر الطوفان، الأمر الذي يخلق شكاً آخر، ولو ضئيلاً، في أن يكون النُزُل الذي حجزته حقيقياً موجوداً. وللمفاجأة السارة، ستهتدي إليه بمعاونة ملاحي المدينة، وتنعم بالمأوى. لكن، هل استمتع أحد بنوم ممتد في غرفة بالبندقية؟
عن نفسي، لم أفعل. الزمن الذي أقضيه في الغرفة بالبندقية هو الأقصر على الإطلاق. زرتها أكثر من مرة، وكان لديّ دائماً إحساس بأن شيئاً ما مثيراً أو مخيفاً، لذيذاً أو مؤلماً، يجري بالخارج، ولا بد أن أخرج لألقاه ولا أدعه يقتحمني في عزلة الغرفة.
يلهيك بذخ العمارة عن الانشداد للماء بعض الوقت. ستتكفل القناطر بحل مشكلة التنقل من ضفة إلى أخرى فوق القنوات الضيقة، وتقوم الجنادل والصنادل بحملك عبر القنوات الأوسع. ومع الوقت، تعترف بالهزيمة، وتبدأ استسلامك للعائق المائي مُخفِّضاً من حركتك، مكتفياً بالانتقالات الضرورية، حيث أدركت بشكل واضح محدودية حريتك.
عمارة البندقية ليست باذخة فحسب، بل مهرطقة.
في المدن الأخرى، يتواضع البناء البشري، ويترك للبناء المنذور للرب تفوقه من حيث الحجم واختلاف العناصر والموتيفات المعمارية من القباب والأبراج وتيجان الأعمدة وزخارف الواجهة وحجم الفضاء الذي يتمتع به البناء، كحرم يُمهِّد الزائر لإدراك عظمته، لكن تجار البندقية الأثرياء كانوا يبنون لأنفسهم بيوتاً لها من الضخامة والفخامة ما للبيوت التي يبنونها للرب.
التنافس المعماري غير المحسوم بين البشري والسماوي من جهة، والتنافس بين اليابسة والماء المحسوم لصالح السيولة المهدِدة من جهة أخرى، يجعل المدينة جميلة إلى حد مؤلم، مثيرة للتشوش إلى الحد الذي رآها عليه آشنباخ بطل توماس مان.
المطلق الذي أثار نوازع الموت لدى توماس مان في نوفيلا «الموت في البندقية» أدركته لطيفة الزيات كذلك وتوحدت معه.
تقول في مذكراتها «أوراق شخصية»: «توصلت إلى المطلق في مرحلتين مختلفتين من عمري، وفي مكانين مختلفين عن بعضهما اختلاف النهار والليل، الجمال والقبح. توصلت إلى التوحد في ميدان (سان مارك) بالبندقية لحظة غروب، وفي ظلمة بئر بيتنا القديم، وأنا أتوحد مع الموت».
لنا أن نلاحظ حضور الماء في الحالتين اللتين شعرت معهما لطيفة الزيات بتهديد المطلق، ومن المدهش أن تتوصل كذلك إلى إدراك يشبه إدراك آشنباخ، بطل توماس مان: «أدرك الآن أني سعيت العمر لما هو مطلق، وأن المطلق قرين الموت».
لكي تقاوم حزن البندقية، عليك أن تتسلح بنظرة سطحية، تضرم النار في وقتك بالتقاط الصور وشراء التذكارات وزيارة مشاغل الحرف اليدوية، أما التعمق فخطر، سواء انتبهت إلى هرطقة العمارة، أو تعمقت في الإشارات المتضاربة للماء، فالبحر أحد وجوه اللامتناهي في الكون، وكل ما لا نحيط بحدوده جميل مخيف. مع ذلك، فماء البندقية ليس بحراً تماماً، هو مستنقع آسن عكر، لا يرقى إلى صورة الخالد المطلق، ولا موج فيه يستدعي رمز القوة.
ربما عاين سكان المدينة وزوارها القدامى شيئاً من ذكورة الماء، عندما كانت أموج البحر الأدرياتيكي تغمر المدينة العائمة، لكن المصدات التي أقيمت تباعاً لتقليل أثر المد نزعت عن الماء ذكورته، مثلما تعرض النيل للإخصاء ببناء السد العالي.
صار ماء المدينة الهامد أنثى طوال العام، لكنها أنثى عاقر، فاختلاط الطين بالماء المالح يبقى عاجزاً عن صناعة حياة. يظل مجرد ممر للمماحكات المالية والجنسية في جنادل سوداء مبطنة بقطيفة طوبية كتيمة تُذكَّر بمراكب الموت. لا يحتاج زائر البندقية إلى قراءة توماس مان لكي يقع على الموت في المظهر الكئيب للجندول. لكن غاستون باشلار يضع يدنا على السر الغافي في لا وعي كل منا: «إذا أردنا حقاً أن نُعيد إلى المستوى البدائي القيم اللاشعورية المُتراكمة كلها حول جنازات مُعينة، من خلال صورة الرحيل على الماء، فسوف ندرك على نحو أفضل دلالة نهر الجحيم وجملة أساطير المأتم.
يمكن لعادات معقلنة قبلاً أن تُحسن عهدة الأموات إلى القبر أو إلى المحرقة، بينما اللاشعور الذي يسمه الماء، سوف يحلم، فيما وراء القبر، وفيما وراء المحرقة، برحيل في البحر» (باشلار، الماء والأحلام، ترجمة: د. علي نجيب إبراهيم).
أساطير الغرب المتعلقة بالماء والإبحار ليست بعيدة عن المخيال الشرقي، مركب كارون في الميثولوجيا اليونانية الذي يحمل أرواح المتوفين حديثاً، عبر نهري ستيكس وأشيرون، ليس بعيداً عن مركب الشمس التي تحمل جثة الفرعون في النيل إلى حيث يقابل روحه في البر الغربي، ويتحد معها مجدداً وإلى الأبد. ولا يمكن لصورة الملاح الذي يبدو شبحاً يمضي على الماء بضوء خفيف في ليل البندقية إلا أن تستدعي رهبة رحلات العالم السفلي.
كثافة الموت هي التي تستنهض قوى الحياة في الزائر ربما إلى حد الهذيان الحسي. آشنباخ أنفق وقته في مطاردة صبي غافل، وفي كثير من الأفلام الأميركية تذهب المرأة متوسطة العمر إلى فينسيا حالمة بمغامرة مع رجل إيطالي حار ساذج. وتجد ضالتها في بائع هدايا، ولا تفرح المسكينة بحبيب المصادفة السعيدة حتى يتشقق قناع العاشق، ويظهر من تحته وجه التاجر، وإذا بها تخرج من دكانه محملة بالإحباط، وبما لا نفع له من الأشياء غالية الثمن.
زائرة واحدة أعرفها زارت فينيسا دون أن تتألم، وذلك ببساطة لأنها لم ترها، ولم تعانِ جمالها المؤلم، ولم تتعلق بسحر رجالها المبالغ فيه. تلك الزائرة هي كوني بطلة «عشيق الليدي شاترلي» (رواية د. هـ. لورانس).
وصلت السيدة شاترلي إلى المدينة العائمة منشغلة عنها بحمل في بطنها من عامل بسيط يساعد زوجها القعيد في الصيد، ولم يكن مصاب الحرب الأرستقراطي العاجز يمانع في أن تلد له زوجته وريثاً من عشيق أرستقراطي، فذهبت إلى البندقية لتقنعه عندما يبدو تكور بطنها أن الحمل ثمرة مغامرة مع رجل يستحق قابلته في البندقية.
نجاة كوني لانشغالها بما تركته وراءها لا يهدد قاعدة النهايات الحزينة التي تمنحها البندقية لزوارها وزائراتها، خصوصاً الزائرات.
وإذا ضربنا صفحاً عن فاجعة موت آشنباخ، الرجل الذي اجتمعت عليه سوداوية توماس مان وسادية فيسكونتي في الفيلم الذي حمل عنوان النوفيلا «الموت في البندقية»، فمن بين كثير الأفلام التي صورت في البندقية من النادر أن نرى امرأة تحصل على نهاية سعيدة.

- كاتب مصري



لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».