لم تنم الدوائر السياسية في واشنطن منذ تواترت أنباء مقتل أبو بكر البغدادي زعيم «داعش» في غارة ناجحة. وتبدلت المعادلة، فبعد إعلان الرئيس ترمب في مارس (آذار) الماضي القضاء بنسبة 100 في المائة على تنظيم داعش، واجه انتقادات من كل صوب وجهة حول قدرات «داعش» في إعادة تنظيم صفوفه، وأن القضاء العسكري على بعض مقاتلي «داعش» لا يعني القضاء نهائيا على التنظيم أو أفكاره الآيديولوجية.
ويأتي نجاح حملة قتل البغدادي في ليل السبت ليعيد لإدارة ترمب الكثير من الدعم والتقدير في قدرات إدارته على مواجهة التنظيم الإرهابي حيث يشكل مقتل البغدادي نقطة تحول بارزة وصفها السيناتور الأميركي ليندسي غراهام بأنه تغيير في قواعد اللعب في مسار المواجهة مع «داعش» ومع كافة التنظيمات الإرهابية بصفة عامة.
ويقول المحللون بأن مقتل البغدادي سيفرض تداعيات مباشرة سواء على تماسك التنظيم من الداخل، أو على نمط تفاعلاته مع المعطيات الجديدة التي ستنتج في مرحلة ما بعد البغدادي. وهناك أسئلة كثيرة حول توقيت الغارة الجوية والموقع الذي قتل فيه البغدادي وماذا سيحل بداعش ومقاتليه ومناصريه بعد مقتل قائده.
من جانب آخر، قارن الكثير من الخبراء والمحللين بين إعلان الرئيس السابق باراك أوباما مقتل أسامة بن لادن في غارة جوية للقوات الأميركية في أفغانستان عام 2011 وهو زعيم تنظيم القاعدة الذي نفذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وبين إعلان الرئيس دونالد ترمب مقتل أبو بكر البغدادي في غارة كوماندوز أيضا للقوات الأميركية شمال غربي سوريا وهو التنظيم الذي قام بقتل وذبح العديد من الأميركيين في مشاهد بثها عبر شاشات التلفزيون. وما بين تأثير مقتل بن لادن على إرث أوباما وسياساته الخارجية وتأثير مقتل أبو بكر على إرث ترمب وحظوظه في التغلب على الخلافات والاتهامات الداخلية التي تواجهه.
ويقول تحليل لمركز المستقبل بأن اللافت في مقتل البغدادي هو أن المكان الذي أُعلن أن البغدادي قتل فيه، وهو محافظة إدلب السورية بدا بدوره مثيراً لتساؤلات لا تقل أهمية، باعتبار أن النفوذ الأكبر في إدلب، حسب كثير من التقديرات، لا يعود إلى «داعش» وإنما إلى «جبهة النصرة» (تنظيم القاعدة) التي يمثل التنافس والتوتر سمة رئيسية في العلاقة بينهما، على نحو يوحي بأن وصول البغدادي إلى تلك المنطقة قد لا يكون منذ فترة طويلة، وربما اعتبرها التنظيم محطة انتقالية للوصول إلى مقر آخر يمكن السيطرة عليه وتعزيز إجراءات تأمينه بشكل أكبر، بعد أن فقد القسم الأكبر من المناطق التي سيطر عليها في الأعوام الخمسة الأخيرة.
ويطرح الإعلان عن مقتل زعيم تنظيم داعش في هذا التوقيت دلالات عديدة، ترتبط بالانتقادات الداخلية التي تعرض لها الرئيس دونالد ترمب بسبب قراره سحب جزء من القوات الأميركية الموجودة في سوريا، والتحذيرات التي أطلقتها اتجاهات عديدة من احتمال أن يدفع ذلك تنظيم داعش إلى محاولة ملء الفراغ الذي يمكن أن ينتج عن ذلك، بالتوازي مع تصاعد المخاوف من هروب عدد من قادة وكوادر التنظيم من مراكز الاحتجاز التي كانت تسيطر عليها ميليشيا قوات «سوريا الديمقراطية» الكردية (قسد)، على ضوء شن تركيا عمليتها العسكرية لتأسيس منطقة آمنة في شمال سوريا وإبعاد الميليشيا الكردية عن الحدود. وتتمثل أهم هذه الدلالات في:
1 - احتواء احتمالات عودة التنظيم: كان لافتاً أن عدداً ليس قليلاً من المراقبين لم يستبعد أن يحاول تنظيم داعش العودة من جديد إلى الساحة، بعد مرحلة التراجع التي مر بها، مستغلاً في هذا السياق بعض التطورات الإقليمية التي طرأت في الفترة الأخيرة. وقد استندوا في هذا السياق إلى التسجيل الصوتي للبغدادي، الذي بثه التنظيم في 16 سبتمبر الفائت، وزعم فيه الأخير أن التنظيم لا يزال موجوداً رغم الضربات التي تعرض لها في مناطق مختلفة، داعياً أتباعه إلى «القيام بأفعال»، في إشارة منه إلى عناصر التنظيم لتنفيذ عمليات إرهابية جديدة، لا سيما في الدول الغربية.
وبمعنى آخر، فإن هذا التسجيل اعتبر بمثابة ضوء أخضر من جانب زعيم «داعش» للأفرع المختلفة التي أعلنت ولاءها له بالتحرك في المناطق التي توجد بها، سواء لتوسيع نطاق نفوذها أو لتنفيذ عمليات نوعية يحاول من خلالها التنظيم تأكيد أن الهزائم التي مني بها في الفترة الماضية لم تؤدِ إلى انهياره أو تراجعه بشكل كبير.
ويقول التقرير من هنا، تأتي أهمية الخطوة الأخيرة، التي تمثل رسالة من جانب الولايات المتحدة الأميركية بأنها معنية بمتابعة تطورات الحرب ضد التنظيم وأن إعلان الانتصار عليه لا يعني انتهاء المواجهة معه. ويتماهى ذلك، من دون شك، مع التصريحات التي أدلى بها قائد القوات المركزية الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال فرانك ماكينزي، في 13 يونيو (حزيران) 2019. التي قال فيها بأن «داعش في أفغانستان ما زال يشكل تهديداً للمصالح الأميركية»، مشيراً إلى أن «الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأميركية لمكافحة الإرهاب لم تحد بعد من طموحات «داعش» المتطرفة».
2 - مواجهة الانتقادات الداخلية: لا تستبعد اتجاهات عديدة أن تعزز خطوة مقتل البغدادي من موقع الرئيس ترمب في مواجهة الانتقادات والضغوط الداخلية التي يتعرض لها، خاصة لجهة مقارنتها بخطوات نوعية اتخذها رؤساء أميركيون سابقون فيما يتعلق بالمواجهة مع التنظيمات الإرهابية، مثل الرئيس السابق باراك أوباما الذي أعلن مقتل زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، في 2 مايو (أيار) 2011. وحظي عبر ذلك بتأييد واسع في الداخل، والرئيس الأسبق جورج دبليو بوش الذي أعلن مقتل زعيم تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» أبو مصعب الزرقاوي، في 8 يونيو 2006. حيث اعتبر ذلك «تطوراً كبيراً ونوعياً من الناحية العملانية والرمزية».
3 - تداعيات العملية التركية في شمال سوريا: ربما لا يمكن فصل توقيت الإعلان عن مقتل البغدادي عن المعطيات الجديدة التي فرضتها العملية العسكرية التركية، التي توقفت بمقتضى التفاهمات التي توصلت إليها كل من تركيا والولايات المتحدة الأميركية، في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، خلال الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى تركيا، باعتبار أن استمرار تلك العملية كان من الممكن أن ينتج تداعيات مختلفة ربما كانت ستؤثر على تنفيذ تلك الخطوة من الأساس.
وقد يكون ذلك أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت واشنطن بالفعل إلى التدخل من أجل وقف تلك العملية، التي أثارت انتقادات قوية من جانب الدول الغربية، باعتبار أنها يمكن أن تدعم مساعي «داعش» للعودة من جديد إلى الساحة وتهديد أمنها ومصالحها عبر دفع بعض العناصر التي هربت بالفعل من مراكز الاحتجاز الكردية إلى محاولة التسلل إلى الدول الأوروبية لتنفيذ عمليات إرهابية جديدة.
ويقول تقرير مركز المستقبل إن ما سبق في مجمله يشير إلى أن مقتل البغدادي سوف يفرض معطيات جديدة سواء فيما يتعلق بالمسارات التي سوف تتجه إليها الحرب على التنظيمات الإرهابية، ولا سيما تنظيم داعش، أو فيما يتصل بمدى تماسك التنظيم من الداخل، باعتبار أن غياب البغدادي يمكن أن يؤدي إلى انقسامه لمجموعات فرعية أصغر، أو ما يرتبط بنمط تفاعلاته مع التنظيمات الإرهابية الأخرى، وفي مقدمتها تنظيم «القاعدة» الذي سوف يسعى، في الغالب، إلى استغلال تلك الخطوة في تعزيز نشاطه وتصدر خريطة تلك التنظيمات خلال المرحلة القادمة.
12:21 دقيقه
دلالات مقتل البغدادي... هل تتراجع الانتقادات لإدارة ترمب؟
https://aawsat.com/home/article/1964326/%D8%AF%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8%D8%9F
دلالات مقتل البغدادي... هل تتراجع الانتقادات لإدارة ترمب؟
- واشنطن: هبة القدسي
- واشنطن: هبة القدسي
دلالات مقتل البغدادي... هل تتراجع الانتقادات لإدارة ترمب؟
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




