الانتفاضة اللبنانية تهزّ الزعامات الطائفية والحزبية

أمام خلفية تهديدات «حزب الله»

الانتفاضة اللبنانية تهزّ الزعامات الطائفية والحزبية
TT

الانتفاضة اللبنانية تهزّ الزعامات الطائفية والحزبية

الانتفاضة اللبنانية تهزّ الزعامات الطائفية والحزبية

يعتبر أحد النواب اللبنانيين الـ128 أن من تفاجأ بـ«الانتفاضة اللبنانية» التي انطلقت في السابع عشر من الشهر الحالي، إما هو قارئ فاشل للأحداث، أو أنه كان يعيش خارج البلاد، وبالتالي بعيد عن نبض الشارع وهموم اللبنانيين وشجونهم.
ويُجمع العدد الأكبر من المتظاهرين، الذين يكتسحون الساحات العامة في المناطق اللبنانية كافة، على أنهم قرروا أن يثوروا على الطبقة الحاكمة... إذ طفح الكيل بعدما أعطوا الأفرقاء السياسيين أكثر من فرصة، فإذا بهم يوصلون البلد إلى الانهيار الاقتصادي الذي تجلى بأوضح أشكاله في الأشهر والأسابيع الماضية مع ما شهدته الأسواق من أزمة في سعر صرف الليرة وما تبعها من أزمة في المحروقات والرغيف. أما القشّة التي قصمت ظهر البعير، فكانت التوجه الحكومي لفرض ضريبة على خدمة المكالمات الصوتية عبر الإنترنت، ما أدى يوم الخميس في السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إلى خروج مجموعات صغيرة معترضة في وسط بيروت، ما لبثت أن تكاثرت وعمت المناطق اللبنانية كافة.

يرفع مئات آلاف المتظاهرين في ساحات المدن اللبنانية شعاراً موحداً منذ انطلاق «الانتفاضة»، ألا وهو «كلن يعني كلن» (كلّهم يعني كلّهم)، بإشارة إلى أن الامتعاض يشمل كل الأفرقاء السياسيين من دون استثناء. وبعدما كانت المظاهرات التي شهدها لبنان على مر السنوات الماضية تحصل بإيعاز من حزب أو فريق سياسي معين، يشكل ما تشهده البلاد حالياً أشبه بظاهرة باعتبار أن اللبنانيين تداعوا إلى الشوارع في غياب أي دعوة من أي جهة كانت، وما زالوا يثابرون على ملء الساحات بغياب أي قيادة للحراك. وللمفارقة، فإن فريقي الصراع في لبنان، أي مكوّنات التكتلين اللذين كانا يُعرفان بـ8 و14 آذار، يتفقان على أن لا أيادي خارجية حرّكت الناس. وبالتالي، فإن ما يحصل ليس إلا تعبيراً واضحاً عن انفجار الشارع المكبوت منذ عشرات السنوات... الذي قرر أخيرًا الخروج عن صمته، مهدداً الزعامات الطائفية والحزبية التي يقوم عليها النظام المبني على مبدأ المحاصصة في لبنان.

ورقة الحريري
المظاهرات الشعبية دخلت أسبوعها الثاني يوم الخميس الماضي من دون أن تنجح كل المبادرات من قبل المسؤولين، على رأسهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس الحكومة سعد الحريري، بإخراج الناس من الشوارع. وعلى الرغم من تعدد المطالب، وتحولها في كثير من الأحيان إلى مطالب فردية لا ترتقي إلى مستوى المطلب الوطني الجامع، فإن اللبنانيين المعترضين نجحوا بالتوافق على مطلب أساسي وموحّد، ألا وهو استقالة الحكومة، وتشكيل حكومة مصغرة من الاختصاصيين قادرة على التصدّي للأزمة. وترافق هذا العنوان مع عناوين أخرى كالسعي لإسقاط النظام، وإلغاء الطائفية السياسية، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة وغيرها. وبعدما توقّع المعتصمون أن يخرج عليهم رئيس الحكومة بعد بضع ساعات من انطلاق حركتهم لإعلان استقالة حكومته، أمهل سعد الحريري شركاءه في الحكم 72 ساعة لإيجاد حل يقنع الشارع والشركاء الدوليين. ومع انتهاء المهلة، عاد الحريري ليتوجه إلى اللبنانيين يوم الاثنين الماضي من قصر بعبدا الرئاسي حاملاً بين يديه «ورقة إصلاحات»، قال إن كل القوى السياسية وافقت على السير بها، وموازنة عام 2020 التي وافق عليها مجلس الوزراء، والتي لحظت عجزًا بنسبة 0.6 في المائة، بعدما كان العجز في موازنة عام 2019 حدد بـ7.59 في المائة. حملت ورقة الحريري، حتى بإقرار عدد كبير من أفراد مجموعات الحراك، وعوداً وخطوات نوعية طال انتظارها، لكن نظراً إلى أن التجارب الماضية مع هذه السلطة لم تكن مشجعة على الإطلاق، وبالتحديد لناحية «الإيفاء بالوعود وتنفيذ الإصلاحات»، على حد تعبير المشاركين بالمظاهرات، تم رفض السير بالورقة كحل للأزمة.
بعدها، أقرت الحكومة في جلسة عقدتها يوم الاثنين الماضي 24 بنداً حملها إليها الحريري، هي: خفض جميع رواتب الوزراء والنواب الحاليين والسابقين بنسبة 50 في المائة، وخفض موازنات الصناديق المستقلة كـ«صندوق المهجرين» و«مجلس الجنوب»، ووضع سقف لرواتب ومخصصات اللجان كحد أقصى 10 ملايين ليرة لبنانية، وخفض رواتب جميع المديرين على ألا تتجاوز 8 ملايين ليرة، ووضع رواتب القضاة بحد أقصى 15 مليون ليرة، ووضع ضرائب على المصارف وشركات التأمين 25 في المائة، وتأمين موافقة مُسبقة من ديوان المحاسبة والتفتيش على أي مناقصة أو اتفاق يتجاوز 25 ألف دولار، على أن يحق للوزير الموافقة على 20 ألف سنوياً، أما الباقي فيخضع لموافقة مجلس الوزراء، وإلغاء جميع المخصّصات للبعثات إلى الخارج بحد أقصى للرحلة 3 آلاف دولار، مع موافقة مجلس الوزراء عليها، وإلغاء جميع ما جرى خفضه من معاشات التقاعد للجيش والقوى الأمنية، ووضع سقف لرواتب العسكريين لا يتجاوز رواتب الوزراء، وتفعيل هيئة الرقابة الاقتصادية، ودعم الصناعات المحلية، ورفع الضريبة على المستوردات للأصناف المنتجة محلياً، ومساهمة المصارف لإنشاء معامل كهرباء ومعامل فرز النفايات والمحارق الصحيّة، مع خفض الضريبة على المبالغ المساهمة بها، وتقديم مصرف لبنان وباقي المصارف 3 مليارات دولار، وتحويل معامل الكهرباء إلى غاز خلال شهر، وإلغاء وزارة الإعلام، وإقرار قانون استعادة الأموال المنهوبة، ووضع آلية واضحة لمواجهة الفساد، والامتناع عن فرض زيادات في الضرائب على القيمة المضافة والهاتف والخدمات العامة، وإلغاء كل الاقتراحات الخاصة باقتطاع جزء من تمويل سلسلة الرتب والرواتب، وإعادة العمل بالقروض السكنية، واتخاذ قرار حاسم بأن تكون موازنة عام 2020 بلا عجز بما يتطلب ضبط الواردات، وزيادة الضريبة على أرباح المصارف، واقتراح بخصخصة قطاع الهاتف المحمول قريباً جداً، وجعل قانون رفع السرية المصرفية إلزامياً على جميع الوزراء والنواب والمسؤولين في الدولة.

«هيئة تنسيق الثورة»
إذا كان المعتصمون قد أعلنوا مباشرة بعد عرض الحريري ورقته رفضهم الخروج من الشارع، مطالبين باستقالة الحكومة، فإن جواباً شبه رسمي جاء من الحراك، بعد إعلان نحو 15 مجموعة بعد 6 أيام من انطلاق الانتفاضة تشكيل «هيئة تنسيق الثورة».
وفي بيان حمل الرقم 2، أدرجت المجموعات 6 مطالب: أولاً، استقالة الحكومة فوراً، وتشكيل «حكومة إنقاذ وطني» من خارج المنظومة الحاكمة. ثانياً، استرداد الأموال المنهوبة من قِبَلْ كل الذين تولوا السلطة من 1990 حتى اليوم ومحاسبتهم، ومنهم من غادر البلاد، ونتبنى ما جاء في بيان نادي القضاة بهذا الشأن. ثالثاً، معالجة الملفات الحياتية والمالية الضاغطة وانتشال الوطن من الهاوية التي أوصلتنا إليها السلطة الفاسدة. رابعاً، العمل على إجراء انتخابات نيابية مبكّرة، وفق نظام انتخابي جديد طبقاً للمادة 22 من الدستور في مهلة أقصاها ستة أشهر. خامساً، الطلب من المواطنين الاستمرار في التظاهر والاحتجاجات في العاصمة، والمناطق، حتى تحقيق المطالب. سادساً، الطلب من القوات المسلحة، على رأسها جيشنا الوطني، حماية المتظاهرين في المناطق كافة، والأشخاص والشخصيات الذين تعرضوا للتهديد في أماكن سكنهم وعملهم. أما أبرز المجموعات التي انبثقت منها «هيئة تنسيق الثورة» فهي: حراك العسكريين المتقاعدين، والمبادرة الوطنية، والتيار النقابي المستقل، وحزب «الخضر»، وحملة «الشعب يريد إصلاح النظام»، و«اللقاء التشاوري المدني» (إقليم الخروب)، ومبادرة «وعي»، و«حركة الشعب»، و«الحركة الشبابية للتغيير»، و«المتحدّون»، و«نبض النبطية»: «حزب سبعة»، و«مجموعة الزواج المدني في لبنان» (civil marriage in Lebanon)، و«حراس المدينة - النبطية»، والحزب القومي - «الانتفاضة»، و«حركة النهضة القومية»، و«حراك صور»، و«لهون وبس»، و«الحراك المدني العكاري»، و«اللقاء الجنوبي»، و«حركة المحرومين - طرابلس»، وحملة «حلّو عنّا»، و«ثوار النبطية»، و«تجمّع شباب زحلة»، و«حراك الهرمل»، و«برلمان الدولة العادلة»، ومجموعة «لبنان إلى الأبد» (For Ever Lebanon)، و«تحالف وطني»، و«تجمع أبناء بعلبك»، و«اللقاء النقابي التشاوري»، و«لبنان اليوم»، و«حوار الشباب»، و«حراك بريتال»، والأساتذة المتقاعدون في التعليم الرسمي، و«ناشطون - مستقلة»، و«لجنة أبناء الوطن (صيدا صور بيروت طرابلس)».
واتسعت مع الأيام التي تلت المجموعات المنضوية في الهيئة، فبلغت نحو 47 مجموعة، في وقت أصر بعض المشاركين في الحراك على رفض هذا التشكيل، والمضي من دون قيادة في المرحلة الحالية؛ أقلّه بانتظار إسقاط الحكومة.
هذا، ويؤكد العميد المتقاعد جورج نادر، الذي تلا من ساحة الشهداء بوسط بيروت البيان الذي أعلن عن تشكيل الهيئة، أنهم لا يدّعون قيادة الثورة، وأن عملهم يندرج في إطار التنسيق اللوجستي وضمان عدم حصول أي تضارب في المواقف والقرارات. ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذه الهيئة «باتت تضم نحو 47 طيفاً من مختلف أطياف الحراك، وبالتالي أصبحوا القوة الأكبر».

دخول الجيش على الخط
في اليوم السادس للحراك، اتخذ الجيش اللبناني قراراً بفتح الطرقات التي أغلقها المعتصمون للضغط على السلطة السياسية وضمان استقالة الحكومة. وسُجّل أكثر من صدام بين عناصر الجيش والمحتجّين، انتهى بعد ساعات إلى نجاح هؤلاء بالإبقاء على الطرقات مقطوعة، شرط ضمان إبقاء الطرقات الفرعية مفتوحة.
وأكدت قيادة الجيش أنها «لم تألُ جهداً في الأيام الماضية في التواصل مع كل الأفرقاء المعنيين للحؤول دون حصول احتكاك أو تصادم بين المواطنين»، متمنية على المواطنين «التعاون معه من أجل إبقاء الطرق سالكة تسهيلاً لتنقل المواطنين واستقامة الدورة الحياتية». وأكدت أن «الجيش ملتزم بالدفاع عن حماية الوطن أرضاً وشعباً». وأضافت: «كلنا لبنانيون... نحن عائلة واحدة».
وحقاً، لم يكن قرار فتح الطرقات محصوراً بقيادة المؤسسة العسكرية. إذ بدا واضحاً أنه يحظى بغطاء من المسؤولين السياسيين، على رأسهم رئيس الجمهورية والحكومة. إذ أفيد عن سلسلة اتصالات بالقيادات الأمنية والعسكرية، قام بها الحريري واطلع منها على الأوضاع الأمنية في مختلف المناطق، مشدداً على «ضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار والحرص على فتح الطرق وتأمين انتقال المواطنين بين كل المناطق»، حسبما ذكر بيان صادر عن مكتبه الإعلامي.
كذلك كان للجيش موقف لافت يوم الثلاثاء، حين تصدى لمجموعة من مناصري «أمل» و«حزب الله» الذين جالوا في شوارع العاصمة بيروت على الدراجات النارية، وكان عدد منهم يحاول الوصول إلى ساحة الاعتصام الرئيسية في ساحة الشهداء. وعلى الفور أقدمت قوة من الجيش على التصدي لهم وتفريقهم، متفادية بذلك صداماً كبيراً بين الطرفين.

الحراك يقتحم الجنوب
من جهة أخرى، لعل أبرز ما توقفت عنده الجهات الغربية المتابعة، اقتحام الحراك، وبقوة، مناطق «الثنائي الشيعي»، أي «حزب الله» وحركة «أمل» جنوب لبنان. فللمرة الأولى منذ عشرات السنوات نزل العشرات والمئات في منطقتي صور والنبطية إلى الشوارع؛ حيث رُفعت ورُدّدت الشعارات التي تنتقد رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله، على حد سواء. كما جرى التعرض لمكاتب نواب ومؤسسات لشخصيات تابعة للحزبين، ما يشكل سابقة استدعت تدخّل مسلحين يناصرون «الثنائي» للتصدّي لعدد من المظاهرات.
أيضاً، انتشرت مقاطع فيديو مصوّرة على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر عدداً من المسلحين، المفترض أنهم تابعون لـ«أمل»، يهاجمون المتظاهرين داخل أحياء مدينة صور وفي مدينة النبطية. وهذا ما اعترفت به الحركة ضمناً، إذ أكدت رفضها للمظاهر المسلحة في شوارع صور، وأعلنت أنها بصدد «إجراء تحقيق لتحديد المسؤوليات واتخاذ التدابير اللازمة»، وطلبت من الأجهزة الأمنية «ممارسة دورها في حماية المواطنين، بمن فيهم المتظاهرون»، لكنها، في الوقت نفسه، مستنكرة التطاول على رموزها، على رأسهم الإمام موسى الصدر ورئيس مجلس النواب نبيه برّي.
وفي هذه الأثناء، اعتبرت مصادر سياسية أن «الانتفاضة الحاصلة جنوباً تشكل امتداداً للانتفاضة الحاصلة على صعيد الوطن ككل، لكن ما يميّزها هي أنّها كسرت كل المُحرّمات في مناطق يُمنع فيها مجرد توجيه انتقادات علنية للثنائي الشيعي». وردّت المصادر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ما يحصل لتنامي الضغوط على المجتمع الشيعي، خصوصاً بعد تشديد الولايات المتحدة الأميركية عقوباتها، التي لم تعد تقتصر على قيادات وعناصر «حزب الله»، وباتت تطال المتموّلين الشيعة، وتؤثر سلباً على المجتمع الشيعي ككل.

لا تفاوض قبل الاستقالة!
بدورها، لم تُثلِج الكلمة التي توجّه بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، إلى المعتصمين، بعد أسبوع من انطلاق الانتفاضة، قلوبهم. إذ وبعدما توقّع هؤلاء توجّه رئاسة الجمهورية لدعم مطلبهم بتغيير الحكومة، اقتصرت كلمة عون على إبداء استعداده للقاء ممثلين عن المتظاهرين، وإشارته إلى إمكانية إجراء تعديل وزاري في البلاد، وهو ما رحّب به رئيس الحكومة. وفي حين أيد البطريرك الماروني بشارة الراعي، دعوة عون، غرّد الزعيم الاشتراكي الدرزي وليد جنبلاط قائلاً إن «أفضل حلّ يكمن في الإسراع بالتعديل الحكومي، والدعوة لاحقاً إلى انتخابات نيابية وفق قانون عصري لا طائفي».
وحقاً، يبدو التعديل الوزاري ضرورياً، خصوصاً بعد قرار «القوات اللبنانية»، على وقع نبض الشارع، الانسحاب من الحكومة، ما أدى لشغور 4 مقاعد وزارية مسيحية. وتحدّث وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي - المقرب من عون - عن ثلاثة احتمالات أمام الحكومة، هي: ترميم الحكومة عبر تعيين أربعة وزراء بدلاً عن وزراء «القوات»، وإجراء تعديل حكومي، أو تشكيل حكومة جديدة.
ختاماً، يعتبر العميد المتقاعد جورج نادر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن كل ما حصل في الساعات الماضية يؤكد أن «رُكَب السلطة السياسية تهتزّ... وأن ما يؤمن صمودها حتى الساعة هو حزب الله»، مشدداً على أن «الناس لن تحاور أو تفاوض أحداً قبل سقوط الحكومة»، وهو ما أتى بإطار الردّ المباشر على دعوة عون المتظاهرين للحوار.

اعتداءات بالجملة على المراسلين.. والمرأة اللبنانية تتصدّر الحدث

> تصدّرت النساء المشهد في مظاهرات لبنان. إذ، وبعدما جرى تعميم صورة لإحدى الفتيات وهي تركل أحد المسلحين في وسط بيروت مع انطلاقة الثورة، تعرّضت اللبنانيات المتظاهرات لحملة على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل ناشطين عرب احتجوا على طريقة لبسهن وتبرّجهن خلال المشاركة في الاعتصامات.
شبكة «بي بي سي» البريطانية، اعتبرت من جانبها، أنه «بعيداً عن كل ما يطالب به اللبنانيون، من مطالب معيشية مشروعة، وبعيداً عن معاناتهم التي كانت - وفق شعاراتهم المرفوعة - سبباً أساسياً وراء خروجهم»، اختار جانب من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، من مصر وغيرها من البلدان العربية، التعليق على أشكال المحتجات ولباسهن وجمالهن، كما ورد في تعليقاتهم، عاكسين رؤية نمطية، كما يقول كثير من اللبنانيين، عن المرأة اللبنانية كامرأة «فلتانة»، كما يقولون.
وفي سابقة في تاريخ المظاهرات اللبنانية، جرى تسجيل جملة اعتداءات على مراسلين صحافيين. وكانت الحصة الأكبر من نصيب مراسلي تلفزيون «أو تي في» التابع لـ«التيار الوطني الحر» والمحسوب على العهد، إذ تعرّض مندوبوه لحملة من المقاطعة، بعدما رفض المحتجون التجاوب معهم. وجرى طردهم من مناطق عدة، وتعرّضوا لسيل من الشتائم والاعتداءات. كذلك، جرى التعرّض لمراسلي تلفزيون «أم تي في» من قبل الموسيقي سمير صفير المؤيد للرئيس عون ومن قبل مناصرين لحركة «أمل».


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».