مجموعة الدعم الدولية نصحت «أركان الدولة» بإحداث صدمة سياسية

الحريري يتحرك لتسويق التعديل الوزاري: الحراك الشعبي ليس فشة خلق

TT

مجموعة الدعم الدولية نصحت «أركان الدولة» بإحداث صدمة سياسية

كشفت مصادر وزارية لبنانية أن المجموعة الدولية لدعم لبنان أبلغت أركان الدولة بأنها تؤيد بلا أي تردّد مطالبة أطراف رئيسية في الحكومة بضرورة إحداث صدمة سياسية يجب أن تتلازم مع الإسراع في إقرار الموازنة للعام 2020، وتنفيذ البنود الواردة في الخطة الإصلاحية التي تبنّاها مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة.
وقالت هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ممثلي المجموعة الدولية، وهم عدد من سفراء الدول الغربية، تجنّبوا في خلال لقاءاتهم الدخول في مضامين الصدمة المطلوبة، لكنها أشارت إلى أنه لا مانع لدى رئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة سعد الحريري ورئيس «اللقاء الديمقراطي» وليد جنبلاط بأن تأتي في إجراء تعديل وزاري شرط أن يلقى تجاوباً مع رئيس الجمهورية ميشال عون وقيادة «حزب الله».
ونقلت المصادر الوزارية عن الرئيس الحريري قوله، أمام الذين التقاهم أول من أمس ومن بين هؤلاء الوفد المشترك للحزب «التقدمي الاشتراكي» و«اللقاء الديمقراطي»، إنه مع إحداث صدمة سياسية، وهذا ما يعمل من أجله في الاتصالات والمشاورات التي يقوم بها، خصوصا أنه يتعامل مع «الحراك الشعبي» على أنه ينم عن وجود أزمة سياسية لا تحل إلا بالسياسة، وبالتالي لا مبرر لاعتماد الحل الأمني.
ومع أن المصادر نفسها أكدت أن الرئيس بري لا يعترض على أي مشروع يراد منه توفير الحلول للتأزّم السياسي، بما في ذلك إجراء تعديل دستوري شرط أن يحظى بتأييد المكوّنات الأساسية المشاركة في الحكومة، إضافة إلى الرئيس عون وقيادة «حزب الله» و«الحراك المدني»، لئلا يلجأ في حال تقرر إحداث صدمة سياسية إلى الاستقواء بها للمطالبة بمزيد من الخطوات، فإن لمعاونه السياسي وزير المال علي حسن خليل موقفا يأتي في هذا السياق قاله لدى استقبال بري وفد «التقدمي»، وخلاصته أن رئيس الجمهورية ليس في وارد الموافقة على تعديل يراد منه إخراج رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل وآخرين من الوزراء في الحكومة، وأن «حزب الله» يدعم موقفه ويصر على تصويب أداء الحكومة وتنقيته من الثغرات التي تعتريه.
لكن عدم استفاضة الوزير خليل في تسليط المزيد من الأضواء على موقفي رئيس الجمهورية وقيادة «حزب الله» لا يعني المرور بسهولة على الأسباب الكامنة لموقفيهما، وتنطلق من أن مجرد الموافقة على التضحية بباسيل سيصب في مصلحة حزب «القوات اللبنانية» المستقيل من الحكومة الذي سيبادر إلى توظيف إخراجه في شن حملة سياسية وإعلامية تستهدف الحزب، وهذا ما يؤدي إلى اهتزاز الغطاء السياسي الذي يؤمّنه له «التيار الوطني».
ولدى السؤال عن موقف الرئيس الحريري، قالت المصادر الوزارية إنه يدعم المطالبة بإحداث صدمة سياسية لا يراد منها استهداف هذا الوزير أو ذاك والتصويب عليهما بمقدار ما تؤدي إلى إحداث نقلة نوعية لا تصب في خانة الدخول في تصفية الحسابات مع أحد.
وأكدت أن الحريري يتحرّك على خطّين لا بد من أن يلتقيا، الأول سعيه الدؤوب لتهدئة الوضع مع تقديره للمطالب المرفوعة من «الحراك الشعبي»، والثاني لا يمكن استمرار الوضع على حاله، أي على ما هو عليه الآن من دون أن يواجَه بإحداث صدمة إيجابية، لأن البلد لا يتحمّل بقاء ما هو حاصل لفترة طويلة.
ورأت - كما تقول المصادر - أن الحريري يتطلع إلى إحداث هذه الصدمة على قاعدة الوصول إلى حكومة منسجمة وتعمل كفريق عمل متكامل، وتكون قادرة على تنفيذ الورقة، وإن كان يرى أن لا ضرورة لقيام حكومة جديدة لاعتبارين: الأول إن تعذُّر تشكيلها يُقحم البلد في فراغ ما لم تأت مطبوخة ومتفق عليها بكل تفاصيلها، والثاني الإبقاء على البلد بلا موازنة للعام 2020، وهذا يهدد إفادة الحكومة من مقررات مؤتمر «سيدر» لمساعدتها للنهوض من الأزمات الاقتصادية والمالية.
واعتبرت أن قول الحريري بأن لا ضرورة لقيام حكومة جديدة يلقى تناغماً من بري وجنبلاط، فيما يرفض «حزب الله» استقالتها، وأيضاً إجراء تعديل وزاري. وقالت إنه يرى بأن هناك ضرورة لإعادة تشكيل فريق وزاري من الحكومة الحالي لديه القدرة على تنفيذ ما ورد في الورقة الاقتصادية.
ورأت هذه المصادر أن الحريري وإن كان يتواصل مع الجميع للتفاهم على إحداث تعديل وزاري، فإنه في المقابل لا يصنّف على خانة بعض الأطراف التي ما زالت تراهن على عامل الوقت لاستيعاب العاصفة الشعبية وتهدئة الوضع.
وبكلام آخر، أكدت أن الحريري وبغض النظر إذا هدأت أم لا، يرى أنه لا بد من الوصول إلى صيغة حكومية متماسكة، خصوصاً أنه ليس من الفريق السياسي الذي يتعامل مع «الحراك الشعبي» على أنه مجرد فشة خلق وأن عامل الوقت لن يكون لمصلحة القيمين عليه.
ناهيك من أن الحريري - بحسب المصادر - ليس من الذين يعتمدون على الحل الأمني، ويعتبر أن مثل هذه الحلول ستزيد من منسوب التوتر السياسي، وبالتالي فهو يقف إلى جانب الحل السياسي.
ولفتت المصادر هذه إلى أنه من الظلم التعامل مع الحريري على أنه يدير ظهره لمطالب «الحراك الشعبي»، وقالت إنه ينظر إلى الثامن عشر من هذا الشهر - تاريخ انطلاقة الانتفاضة الشعبية - على أنه بمثابة منعطف جديد في الحياة السياسية في البلد، وأكدت أن مجموعة الدعم الدولية تتفهّم موقف رئيس الحكومة، ولا تحبّذ، حتى إشعار آخر، الإقدام على مغامرة غير محسوبة تؤدي إلى استقالة الحكومة من دون التفاهم بكل التفاصيل على البديل، خوفاً من أخذ البلد إلى الفراغ وإن كانت تعتبر أن كل هذه الأمور بمثابة شأن داخلي.
ورداً على سؤال، كشفت المصادر أن دعوة المطارنة ممثلي الحراك الشعبي لتشكيل فريق يحاور المعنيين في الدولة جاءت بناء لطلب نَقَلَهُ أمين سر «تكتل لبنان القوي» النائب إبراهيم كنعان إلى البطريرك الماروني بشارة الراعي، أراد أن يستبق الخطاب الذي وجهه أمس الرئيس عون إلى اللبنانيين.
على صعيد التطورات الأمنية واستمرار إقفال الطرق الدولية وتقطيع أوصال العاصمة، علمت «الشرق الأوسط» أن وفد «التقدمي» أثار مع قائد الجيش العماد جوزيف عون استمرار قطع طريق الساحل المؤدي إلى الجنوب، وأيضاً مستديرة عاليه التي تربط جبل لبنان بالبقاع باعتبار أن هذا الأمر يعنيه مباشرة ويمكن أن يترتب عليه احتكاك على خلفية استمرار إقفالها مع أن لا علاقة للحزب بهذا القرار، وأن مجموعات من «الحراك المدني» هي التي تقف وراء إقفالهما.
وتمنى «التقدّمي» على العماد عون السعي سلمياً لإعادة فتحهما لقطع الطريق على حصول أي احتكاك مع «الثنائي الشيعي» والاستعاضة عن إقفالهما بالاعتصام على أطرافهما.
وفي هذا السياق أيضاً، تبدي قيادة الجيش مرونة في تعاطيها مع الاعتصامات التي تغطي معظم الطرقات الدولية، وهي تعمل على التواصل مع المشاركين فيها لمنع إعاقة مرور الحالات الطارئة، خصوصا أن الحريري لا يزال على موقفه بتغليب الحل السياسي على الأمني لأن المشكلة سياسية.
وكان تردّد أن رئيس الجمهورية ومعه الفريق الوزاري أوعز إلى قيادة الجيش بالعمل على فتح الطرقات الممتدة على طول ساحل المتن الشمالي وكسروان - الفتوح، لكنها حاولت من خلال تواصلها مع المعتصمين إقناعهم بنقل وجودهم إلى أطراف هذه الطرقات من دون لجوئها إلى استخدام القوة.
وتردد أيضاً أن أحداً من هذا الفريق الوزاري كان نصح بالاستعانة بالسيارات التابعة لقوى الأمن والمجهّزة بخراطيم المياه لاستخدامها في تفريق المتظاهرين، لكن وزيرة الداخلية والبلديات ريا الحسن وبناء لتواصلها مع الحريري لم تبدِ حماسة، ما أدى إلى التروّي، مع أن هناك ضرورة لفتح الطرقات الدولية من دون التعرض لـ«الحراك الشعبي».



العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
TT

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)

يستهدف العراق الاستفادة من التجربة المصرية في مجال معالجة وإعادة استخدامات المياه؛ إذ بحث وفد فني عراقي نظم وتطبيقات الري الحديث المطبقة في مصر.

وأكد وزير الري المصري هاني سويلم، الاثنين، حرص بلاده على «إتاحة خبراتها وتجاربها للأشقاء في العراق، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه العراقي»، مضيفاً حسب إفادة لوزارة الري المصرية، أن «تبادل الخبرات يمثل أحد محاور التعاون المهمة مع بغداد».

وزار وفد فني رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية مصر، وضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين العراقيين. ووفق بيان «الري المصرية»، تأتي الزيارة لـ«تعزيز التعاون الفني وتبادل الخبرات بين القاهرة وبغداد، والتعرف على التجربة المصرية في إدارة الموارد المائية والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال».

الوفد العراقي يضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين (وزارة الري المصرية)

وتمتلك مصر خبرات عديدة في نظم الري الحديث، وإعادة استخدامات المياه، وفق خبراء مياه مصريين، أشاروا أيضاً إلى أن «العراق يواجه تحديات عديدة في مجال المياه خلال السنوات الأخيرة، تتعلق بعجز مائي وإشكاليات تتعلق بصعوبات في خدمات الصرف الزراعي».

وخلال الزيارة عرض مسؤولون في وزارة الري المصرية للوفد العراقي نظم وتطبيقات الري الحديث، ومشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها.

وحسب البيان المصري، زار الوفد العراقي متحف الري بالعاصمة الجديدة، والمركز القومي لبحوث المياه في القناطر الخيرية، ومحطة الدلتا الجديدة لمعالجة مياه الصرف الزراعي، ومنظومة المراقبة المركزية للتعرف على أحدث النظم المستخدمة في متابعة وتشغيل منظومات المياه.

وشدد وزير الري المصري على أن «تبادل الخبرات أحد المحاور المهمة لتعزيز التعاون» بين بلاده والعراق، وأشار إلى حرص بلاده على «إتاحة خبراتها وتجاربها الناجحة للأشقاء العرب والأفارقة، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجارب والحلول الناجحة في تطوير منظومات إدارة الموارد المائية».

وفد فني عراقي يتفقد نظم الري المصرية (وزارة الري المصرية)

ونقل البيان عن الجانب العراقي «إشادته بما حققته الدولة المصرية من نجاح كبير في مجال معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وخاصة من خلال محطات المعالجة الكبرى (الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة)»، وأكد «الرغبة في الاستفادة من هذه التجربة المصرية الناجحة ونقل الخبرات والتطبيقات المناسبة منها إلى العراق».

ويرى خبير المياه المصري ضياء القوصي أن «الخبرات المصرية يمكنها أن تساعد في مواجهة تحديات المياه التي يواجهها العراق خلال السنوات الأخيرة»، وأشار إلى أن «الجانب العراقي يبحث عن حلول لتحلية المياه وإعادة استخدامها، واستصلاح الأراضي الصحراوية في ظل إشكاليات العجز المائي».

وأوضح القوصي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر لديها خبرات في إدارة الموارد المائية، والصرف الزراعي، وإعادة استخدامات المياه»، إلى جانب «تجربة تحلية المياه واستخدامها في الزراعة»، وقال إن «الجانب العراقي في حاجة إلى أنظمة ومعدات الري الحديث إلى جانب الدعم الفني في مجال المياه، وكلها جوانب يمكن أن توفرها الخبرات المصرية».

وزار الوفد العراقي إحدى المزارع النموذجية التي تعتمد على الري الحديث، حسب «الري المصرية».

وتتشابه التحديات المائية لدى العراق مع مصر، من حيث العجز في الموارد المائية، مع وجود خلافات على منابع نهرَي دجلة والفرات، بسبب مشروعات تركية على النهرين، وفق أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي، الذي قال إن «الحكومة العراقية تريد التعرف على التجربة المصرية في التعامل مع هذه التحديات».

وأوضح شراقي أن «هناك تعاوناً قائماً بين القاهرة وبغداد في مجال المياه»، وأشار إلى أن «مصر حققت نقلات في جوانب الإدارة الذكية للمياه، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر، واستخدامها في الزراعة»، وقال إن «هذه التجارب يمكن تصديرها للجانب العراقي».


البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
TT

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

​في قلب الخريطة اليمنية، وبعيداً عن جبهات مأرب وتعز والساحل الغربي التي استحوذت طوال سنوات على الاهتمام العسكري والسياسي، تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

وتشير دراسة استراتيجية أعدَّها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» إلى أن أهمية البيضاء لا تنبع من ثقل اقتصادي ولا سكاني استثنائي، وإنما من موقعها الذي يجعلها «عقدة وصل عملياتية واجتماعية» بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه.

العميد الركن ياسر صالح، المحلل العسكري والاستراتيجي، يرى أن الأهمية الكبرى لمحافظة البيضاء تكمن في أنها تحولت إلى منصة لاستهداف الملاحة الدولية في خليج عدن والبحر العربي.

وقال صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «نحو 90 في المائة من الهجمات الحوثية باتجاه البحر العربي كانت من البيضاء، مستغلة الطبيعة الجغرافية، وبالتالي استماتة (الحرس الثوري) الإيراني على تحصين هذه المحافظة لاستمرار تهديد الملاحة الدولية في البحر العربي وخليج عدن».

وتجاور البيضاء محافظات مأرب وشبوة وأبين ولحج والضالع وإب وذمار وصنعاء، وهو وضع جغرافي نادر يجعل السيطرة عليها قادرة على التأثير في شبكة واسعة من الجبهات وخطوط الإمداد والمناورة.

ومع ارتفاع منسوب التوتر العسكري أخيراً، وعودة الحديث عن جاهزية الجبهات الحكومية لأي تصعيد محتمل، تطرح الدراسة سؤالاً يتجاوز حدود المحافظة: هل يمكن أن تصبح البيضاء إحدى ساحات الاختبار الرئيسية لأي انتقال من حالة الاستنزاف الراهنة إلى مواجهة أوسع مع الحوثيين؟

«عقدة وصل» بين 8 محافظات

حسب دراسة «مركز عناوين»، لا ينبغي النظر إلى البيضاء بوصفها مساحة جغرافية واحدة مركزها مدينة البيضاء، وإنما شبكة من المرتفعات والأودية والعقبات والطرق التي تتجه نحو محاور مختلفة.

فشمال المحافظة وشمالها الغربي يرتبطان برداع وقيفة وصولاً إلى ذمار وصنعاء، بينما يتصل شمالها الشرقي بردمان وناطع ونعمان، وصولاً إلى جنوب مأرب وبيحان في شبوة.

ومن الجنوب، يمتد محور مكيراس وعقبة ثرة باتجاه لودر في أبين، بينما يتصل جنوبها الغربي بالزاهر ويافع ولحج والضالع.

هذه الجغرافيا -وفق الدراسة- تمنح البيضاء قيمة تفوق وزنها الاقتصادي؛ إذ تستطيع القوة المسيطرة عليها تحريك الضغط العسكري بين جبهات عدة، أو منع خصومها من استخدام تلك المسارات.

ماذا تعني خسارتها للحوثيين؟

من منظور الحوثيين، توفر البيضاء عمقاً دفاعياً يحمي المداخل الجنوبية باتجاه ذمار وصنعاء، كما تسمح بنقل القوات والمعدات، والمناورة بين جبهات مأرب وشبوة والضالع وإب.

ويشير «مركز عناوين» إلى أن السيطرة على المرتفعات في ناطع ونعمان والزاهر ومكيراس تمنح الحوثيين أيضاً قدرة على الضغط على الوديان والمناطق المنخفضة المجاورة.

قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري خلال زيارة حديثة لمحور تعز العسكري (القوات المسلحة)

ولذلك ترجح الدراسة ألا يتعامل الحوثيون مع أي تهديد جدي للبيضاء بوصفه معركة محلية؛ بل قد يلجأون إلى دفاع متعدد الطبقات، مع إمكانية فتح جبهات أخرى لتشتيت خصومهم ومنعهم من تركيز قوتهم في محور واحد.

بدوره، يعتقد العميد ياسر صالح أن أي عمليات عسكرية في البيضاء من شأنها «ليس فقط تشتيت الضغط على جبهات الجماعة الحوثية؛ بل تستطيع أن تعزل المحافظات الوسطى في البلاد بالسيطرة عليها والتقدم إلى محافظة ذمار، وقد تُسقط كل ما تبقى من أيدي الجماعة في محافظة الضالع، ومحافظتي تعز وإب، دون الحاجة لعمليات عسكرية واسعة؛ لأن ذلك يقطع خطوط الإمداد تماماً»، على حد تعبيره.

وأضاف: «كذلك تؤمن المحافظات الشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية لمحافظة البيضاء ومأرب، إلى جانب فتح الطرق وخطوط الإمداد باتجاه شبوة وحضرموت».

ويمكن لاستعادة البيضاء -حسب الدراسة- أن تمنح القوات الحكومية مجموعة من المكاسب المتزامنة، من بينها تأمين بيحان وشمال أبين وأجزاء من الضالع، وإبعاد جزء من الضغط عن جنوب مأرب، وتهديد خطوط الحوثيين باتجاه ذمار وإب.

والأهم أن فتح جبهة فاعلة في البيضاء قد يجبر الحوثيين على توزيع قواتهم على نطاق أوسع، بدلاً من حشدها في جبهة رئيسية واحدة.

لكن الدراسة تحذِّر من أن وجود قوات متعددة بقيادات متوازية، أو ضعف التنسيق والإمداد والاستخبارات المحلية، يمكن أن يعيد إنتاج إخفاقات مراحل سابقة، عندما حققت القوات المناهضة للحوثيين تقدماً في أطراف المحافظة، من دون القدرة على تحويله إلى مكسب استراتيجي دائم.

نجاح أي عملية في البيضاء

وتخلص الدراسة إلى أن نجاح أي عملية محتملة في البيضاء لن يقاس بعدد المديريات التي يمكن السيطرة عليها، وإنما بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض، وتأمين خطوط الإمداد، وإيجاد قيادة عمليات موحدة، وبناء تفاهمات مع القوى المحلية، ثم إدارة المناطق وتوفير الخدمات بعد انتهاء المعارك.

تؤكد الدراسة أن نجاح أي عملية في البيضاء تقاس بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمين خطوط الإمداد وإيجاد قيادة عمليات موحدة (القوات المسلحة اليمنية)

وبذلك، قد لا تكون البيضاء «المفتاح السحري» لإنهاء الحرب، ولكنها تبقى إحدى أكثر قطع الخريطة اليمنية قدرة على تغيير اتجاهها.

وتصفها الدراسة بأنها «عقدة وصل وميزان»؛ السيطرة عليها لا تحسم الحرب وحدها، ولكنها يمكن أن تعيد توزيع الضغط على 8 محافظات، وتفرض على أطراف الصراع حسابات عسكرية مختلفة تماماً.


الحوثيون ينكِّلون بسكان ريف تعز ويحتجزونهم دروعاً بشرية

آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينكِّلون بسكان ريف تعز ويحتجزونهم دروعاً بشرية

آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)

​واصلت الجماعة الحوثية حملات الاعتقال والاستجواب بحق سكان قرى في مديرية مقبنة غرب محافظة تعز اليمنية، بالتزامن مع منع من تبقى من السكان في مديريات مقبنة وجبل حبشي والمعافر من مغادرة مناطقهم، واستخدام بعضهم دروعاً بشرية، بينما لا تزال مئات الأسر النازحة تفترش العراء بعد فرارها من مناطق المواجهات.

وقالت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تلقت شكاوى من سكان وصلوا إلى مناطق سيطرة الحكومة، أفادوا بتعرض مدنيين لعمليات انتقامية على خلفية مساندتهم الحكومة المعترف بها دولياً، أو نتيجة وشايات من خصومهم، إلى جانب نهب منازل وممتلكات من قبل عناصر حوثية، بينهم أشخاص على خلافات سابقة مع بعض السكان والتحقوا بالتشكيلات المسلحة للجماعة.

مداهمات واعتقالات حوثية غرب تعز دفعت العائلات إلى الهروب من قراها (إعلام حكومي)

وأضافت المصادر أن الحوثيين استحدثوا نقاط تفتيش عند مداخل عدد من القرى والتجمعات السكانية، بحجة البحث عن منتسبين للقوات الحكومية، ويمنعون السكان من العبور ما لم يبرزوا وثائق إثبات شخصية، وهي وثائق لا يحرص كثير من سكان الأرياف على حملها؛ خصوصاً كبار السن والمزارعين الذين نادراً ما يغادرون مناطقهم.

تفتيش وملاحقة

وحسب المصادر، شملت أساليب التضييق على المدنيين الذين حاولوا مغادرة القرى تفتيش هواتفهم المحمولة، واعتقال من يعثر عناصر الجماعة في هاتفه على رسائل أو مقاطع مصورة مؤيدة للحكومة، في حين جرى تكليف عناصر نسائية بتفتيش النساء الفارات من مناطق المواجهات.

وفي مديريتي جبل حبشي والمعافر، قال ناشطون لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين لم يكتفوا بتشريد آلاف السكان من القرى التي اقتحموها وتحويلها إلى مواقع عسكرية؛ بل أبقوا على من تبقى من المدنيين واستخدموهم دروعاً بشرية، بالتزامن مع بدء القوات الحكومية عملية عسكرية مشتركة، لتطهير المواقع التي تمركزت فيها الجماعة.

القرويون في غرب تعز جمعوا ما استطاعوا حمله للفرار من بطش الحوثيين (إعلام حكومي)

وقال ناشطون وعاملون في القطاع الإنساني، إن الحوثيين المتمركزين في قرى الطوير وشبيه بمديرية مقبنة، والرحبة والأشروح والهفار والجنان والعذير والنويهة في جبل حبشي، والحصب والكدحة والعفيرة في المعافر، فرضوا حصاراً على السكان ومنعوهم من الحركة أو فتح ممرات إنسانية.

وأضافوا أن الجماعة منعت كذلك التعامل بالطبعة الجديدة من العملة الوطنية المتداولة في مناطق سيطرة الحكومة، في وقت بدأت فيه المؤن والمواد الغذائية بالنفاد من المتاجر المحلية.

مئات الأسر بلا مأوى

ووجهت السلطة المحلية في مديرية مقبنة نداءً عاجلاً لمساعدة النازحين قسراً من المديرية، محذرة من أوضاع إنسانية بالغة القسوة نتيجة موجة النزوح الجماعي التي طالت قرى وعزلاً بأكملها، إثر تصاعد الممارسات التعسفية والاعتقالات، ما أجبر مئات الأسر على الفرار بأطفالها وترك منازلها وممتلكاتها.

وقالت السلطة المحلية إن النازحين يعيشون حالة من الضياع والشتات بعد فقدان المأوى والأمان، وإن معظمهم توجهوا إلى مدينة تعز ومناطق البيرين والنشمة وجبل حبشي، إضافة إلى قرى وأماكن آمنة داخل نطاق المديرية.

وحذَّرت من فاجعة إنسانية وصحية وشيكة، في ظل بلوغ قدرة الأسر المستضيفة على استقبال النازحين أقصى حدودها، مشيرة إلى أن بعض المنازل تستضيف ما يصل إلى 6 أسر نازحة، الأمر الذي يضاعف الأعباء المعيشية والنفسية على الأسر المستضيفة والنازحة في ظل نقص الاحتياجات الأساسية.

امرأة يمنية تحمل أمتعتها غرب تعز خلال هروبها من بطش الحوثيين (أ.ف.ب)

وطالبت السلطة المحلية بالتدخل العاجل لتغطية تكاليف النقل والنزوح الطارئة، وتأمين الإيجارات والمستلزمات الأساسية ومواد الإيواء، بما يحد من التكدس داخل منازل الأسر المستضيفة، ويحفظ للنازحين الحد الأدنى من ظروف العيش الكريم.

وفي مديرية المعافر، عقدت القوى السياسية والشخصيات الاجتماعية اجتماعاً دعت إليه قيادة السلطة المحلية، لمناقشة التطورات الميدانية عقب تسلل الحوثيين إلى بعض مناطق المديرية. وأقر الاجتماع مساندة السلطة المحلية، وحشد الجهود لمواجهة ما وصفه بـ«الغزو»، إلى جانب دعوة السكان إلى دعم الجبهات وتعزيز صمود القوات الحكومية.

ومع ازدياد أعداد النازحين ومحدودية أماكن الإيواء، أقر الاجتماع توفير الإمكانات اللازمة لاستيعاب الأسر التي فرت من مناطقها بعد اقتحام الحوثيين لها، وتحويلها إلى مواقع عسكرية تستخدم لاستهداف القوات الحكومية.

مسعى لدعم أممي

في سياق التحركات الرامية إلى التعامل مع تداعيات التصعيد، بحث محافظ تعز نبيل شمسان، مع الممثل والمنسق المقيم للشؤون الإنسانية في اليمن لوران باكيرا، الأوضاع الإنسانية الناجمة عن التصعيد الحوثي في مديريات مقبنة وجبل حبشي والمخا، وما أسفر عنه من نزوح مئات السكان وتضرر الأسر والمجتمعات المحلية.

وذكر الإعلام الرسمي أنه خلال لقاء عبر الاتصال المرئي، استعرض شمسان التطورات الميدانية والإنسانية؛ مشيراً إلى تضرر أعيان مدنية ومنشآت خدمية، بينها أحياء سكنية في مدينة تعز وكلية الطب، إلى جانب مناطق وأحياء مدنية في مدينة المخا، الأمر الذي أدى -وفق السلطة المحلية- إلى زيادة الاحتياجات الإنسانية، والضغط على الخدمات الأساسية والمجتمعات المستضيفة.

صورة تُظهر يمنياً نازحاً داخلياً بسبب تصعيد الحوثيين في غرب تعز (أ.ف.ب)

وطالب المحافظ باستجابة عاجلة ومنسَّقة من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لتوفير الاحتياجات الأساسية للنازحين والمتضررين؛ خصوصاً في مجالات الإيواء والغذاء والمياه والصحة والحماية، إلى جانب مساندة الأسر والمجتمعات التي تستضيف النازحين.

وناقش الجانبان مقترح تشكيل فريق مشترك بين السلطة المحلية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لتنسيق إيصال المساعدات وتحديد الأولويات وحشد التمويل والموارد اللازمة للاستجابة للأزمة.

من جهته، شدد باكيرا -وفق المصادر الرسمية- على ضرورة تسريع وصول المساعدات إلى النازحين والمتضررين، وتعزيز التنسيق بين الجهات المحلية والأممية والمنظمات الإنسانية، بما يتناسب مع حجم الاحتياجات الناجمة عن التصعيد والنزوح.

وقدَّمت السلطة المحلية عرضاً أولياً حول أعداد الأسر النازحة والمناطق المتضررة، مؤكدة أنها تعمل على استكمال حصر الأضرار والاحتياجات، وإعداد تقرير متكامل لمشاركته مع الأمم المتحدة والجهات المانحة، بهدف توجيه التدخلات وفق الأولويات الفعلية.