نقد اليمين في أفلام «اليميني» كلينت إيستوود

اكتشف هوية مختلفة أكثر من مرة

من «ماغنوم فورس» إيستوود ضد المؤسسة
من «ماغنوم فورس» إيستوود ضد المؤسسة
TT

نقد اليمين في أفلام «اليميني» كلينت إيستوود

من «ماغنوم فورس» إيستوود ضد المؤسسة
من «ماغنوم فورس» إيستوود ضد المؤسسة

بينما يعمل كلينت إيستوود على مرحلة ما بعد التصوير لفيلمه التاسع والثلاثين، الذي انتهى من تصويره قبل أسبوعين تحت عنوان «رتشارد جوويل» (Richard Jewell) تتبدى خارطة أفلام هذا المخرج - الممثل - المنتج مثل بستان ثري. 62 فيلماً من تمثيله، 39 فيلماً من إخراجه، 40 فيلما من إنتاجه، 9 أفلام كتب لها الموسيقا و89 سنة تعلو قامته.
هو سينمائي من رعيل يكاد ينضب، لكنه ما زال مستمراً تتسع ابتسامته قبل التصوير وبعده وينجز الأفلام في وقتها و- في الكثير من الأحيان - تحت الميزانية. أعماله الكثيرة رائعة في مجملها. كأي سينمائي آخر شهد زلات وكبوات (ممثلاً ومخرجاً) لكنه تجاوزها وبقيت أقلية صغيرة بين مجمل السينما التي حققها في أي من خاناتها وحقولها.
رغم ذلك هناك، في الشرق وفي الغرب، من يقرأ كل أفلامه من منظور واحد وهو أن إيستوود سياسي جمهوري ويميني متعصب. إيستوود ينفي التعصب لكنه لا ينفي إنه يميني. بعض أفلامه («فايرفوكس»، 1982 و«هيرتبريك ريدج»، 1986) تؤكد ذلك، لكن ما يفوت المنتقدين أن العديد من أفلامه تنتقد اليمين وأحياناً بضراوة.
- أجندة
سنعتبر أن «ماغنوم فورس» (1973) مدخلاً مناسباً ولو أنه، في الوقت ذاته، غير نموذجي. هو الفيلم الثاني في سلسلة من الأفلام البوليسية التي بدأت قبل ذلك التاريخ بسنتين. بدأت بفيلم «ديرتي هاري» الذي أخرجه دون سيغال. ذلك الفيلم قدّم شخصية هاري كالاهان التحري في بوليس مدينة سان فرانسيسكو المشهور عنه تصدّيه للخارجين عن القانون بقوّة الماغنوم. ليس لديه نية في تسليم الجاني إلى القضاء إلا إذا استسلم تماماً ما يجعله القاضي والجلاد.
قوبل الفيلم باستحسان عام (وحقق مالا وفيراً) لكن عدداً من النقاد وجد الفيلم عاكساً لروح يمينية وفاشية. هذا دفع بإيستوود بتغيير المخرج سيغال (تشهد أفلامه بتعصبه) واستقدام تد بوست ليحل مكانه وليروي حكاية التحري كالاهان وهو يجابه شلة من رجال البوليس الذين نظموا فيما بينهم خلية تقوم باغتيال شخصيات يعتبرونها مجرمة لم تثبت عليها التهم التي كيلت ضدها.
هذه العصبة يمينية وهاري كالاهان ضدها ويقوم بكشفها وتصفيتها. وهو يختلف هنا عما عكسه سابقاً فهو أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً لذاته. أكثر من ذلك يقول ردّاً على ملاحظة زميل له حول شبان تلك العصبة «لا أكترث إذا ما كانوا مثليين أو لو كان الجهاز كله مثلي طالما ينجزون أعمالهم جيداً». هذه عبارة ليبرالية واضحة تساهم في تخفيف حدّة النقد الذي واجهه الفيلم الأول.
يمكن اعتبار حركة إيستوود هنا حركة تكتيكية أكثر منها حركة تصحيحية، لكن لاحقاً ما ستتبدى أفلام أخرى خارجة من نطاق «التكتيك» إلى المراجعة الكاملة.
في «قفاز التحدي» (The Gauntlet، إخراج إيستوود) يستبدل إيستوود شخصية رئيس البوليس الفاسد في «ماغنوم فورس» (كما أدّاه هال هولبروك) برئيس بوليس فاسد آخر (ويليام برنس) أصدر أوامره بقتل التحري بن (إيستوود) والشاهدة التي عليه أن يحميها (ساندرا لوك).
وهناك مشهداً معاديا للمثلية في «الهروب من آلكاتراز» (لدون سيغال أيضاً).
ثم تمر أعوام كثيرة قبل أن نلحظ دفعه لأجندة المساواة في «غير المسامَح» (Unforgiven): وسترن رائع ينتقم فيه إيستوود مما وقع لصديقه الأسود (مورغن فريمن) من اعتداء عنيف أدى لمقتله. في باطن هذا الانتقام واعز آخر دفاعاً عن مومسات تم ضرب إحداهن وتشويه وجهها.
الشرير الأول في هذا الفيلم هو الشريف القاسي والعنصري والسادي (جين هاكمن) أما الليبرالي بل موني (إيستوود) فسيعدمه وكل رجاله.
في أحد المشاهد المهمة يفخر الشريف، أمام الصحافي (صول روبنك)، بمنزله الذي شيّده بنفسه. فجأة تمطر السماء فإذا بالماء يهطل داخل البيت من خلال العديد من الفجوات. إذا لم يكن ذلك نقداً للمؤسسة فهو ليس نقداً على الإطلاق إذن.
جين هاكمن كذلك هو رئيس الجمهورية الذي يرتكب جريمة قتل في «سُلطة تامة» (Absolute Power) ومورغن فريمن هو نيلسون مانديلا، محرر الأفريقيين في جنوب أفريقيا. إيستوود خفيف الحاشية في دور الصحافي الذي يندفع لتبرئة شاب أسود (إسايا واشنطن) محكوم عليه بالإعدام في «جريمة حقيقية» (1999) من بطولته وإخراجه.
- قبول بواقع جديد
وهو نصب فيلمه الرائع «رسائل من إيوو جيما» (2006) دفاعاً عن اليابانيين المحاصرين في كهوف جزيرة أيوو جيما خلال الحرب العالمية الثانية. هذا قبل أن يقدم على مراجعة موقفه الذاتي حول علاقاته مع العناصر غير البيضاء الأخرى في فيلمه الممتاز «غران تورينو» (2008) حيث نجده يكتشف ثقافات الجيران الآسيويين التي لم يكن منفتحاً عليها.
ثم نرى إيستوود يرسم صورة ديكتاتورية لليميني رقم واحد ج. إدغار هوڤر الذي تمتع برئاسة «مكتب التحريات الفيدرالية» لعقود في فيلمه «ج. إدغار» (قام بالدور ليوناردو ديكابريو).
الصورة التي يرسمها إيستوود وسيناريو دستين لانس بلاك عن هوڤر داكنة، مشغولة بنصب نفسها على سدة رئاسية تحاكم المثقفين والمشكوك بولائهم لأميركا وتتجسس عليهم. شخصية مشغولة بتنفيذ «أجندتها» ولو تحوّل مكتب التحقيقات الأميركي إلى جهاز قمع.
هذه الصرخة القوية يغلفها إيستوود، كما الحال في كل هذه الأفلام، بالسرد الهادئ في نبرته، النافذ في رؤيته والباحث عن المفاد والهوية الوطنية في نتيجته.
الحال هو كذلك في «أميركان سنايبر» (2014) أحد أكثر الأفلام التي سورع في إساءة فهمها منذ أن نطقت السينما في مطلع الثلاثينات. اتهم نقاد أجانب وعرب الفيلم بأنه معاد للعراق ومع البطل الأميركي المتمثل في القاتل كريس كايل (برادلي كوبر). لم يلتفت أحد إلى أن المخرج مهّد للفيلم بإظهار كيف أن العنف في أميركا مدان كونه ينتقل بما يشبه الوراثة، ولا لهوس بطله بالقتل (لا يمكن أن يكون ذلك تأييداً له) ولا للسخرية منه عندما يرتدي قبعة «كاوبوي» ولحقيقة إنه لم يشأ تصوير جنازته عندما مات بالسلاح الأميركي الذي حارب به. كل هذه «التمريرات» الذكية فاتت أصحاب القرارات الذاتية من النقاد الذين يرون ما يريدون رؤيته فقط.
فيلم إيستوود الأخير (2018) «البغل» (The Mule) هو فيلم آخر من تلك الأعمال الكاشفة.
حكاية رجل عجوز (يؤديه إيستوود) يشترك بتهريب المخدرات عبر الحدود المكسيكية ويجد في ذلك خلاصاً من أزمات اجتماعية وعاطفية (ومالية) متعددة. إيستوود يقف أيضاً أمام الكاميرا بعد غياب 10 أعوام منذ «غران تورينو». ومثل ذلك الفيلم يوفر شخصية تكتشف موقعها في عالم متغير لا بد من التسليم به. عالم يضم السود والبيض والمكسيكيين والآسيويين، لبنة الحياة الاجتماعية الأميركية التي لا يمكن دحضها. يحترم الآخر وينجز عمله كمهرب بعدما فشل النظام في تأمين حياته كما كان يتمنى.
هذا كله جزء من سينما إيستوود المتماوجة. سنجد بالطبع أفلاماً سابقة حملت وجهات نظر مختلفة، لكنها سبقت التقاء نظرته الواقعية على محيطه الاجتماعي مع حاجته للتعبير عما رآه يستوجب النقد حتى ولو كان ضد اليمين.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز