بيدرسن: اجتماع «الدستورية» لحظة تاريخية... والشعب السوري هو مصدر الشرعية

أكد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحل في إدلب وشرق الفرات سياسي وليس عسكرياً

غير يبدرسن (رويترز)
غير يبدرسن (رويترز)
TT

بيدرسن: اجتماع «الدستورية» لحظة تاريخية... والشعب السوري هو مصدر الشرعية

غير يبدرسن (رويترز)
غير يبدرسن (رويترز)

قال المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، الأربعاء المقبل، تشكّل «لحظة تاريخية» وتفتح الباب للوصول إلى حل شامل للأزمة السورية يتضمن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن «2254».
وأشار إلى أن تشكيل اللجنة «يشكّل بارقة أمل للشعب السوري الذي عانى طويلاً. ويأتي عقب اتفاق حكومة الجمهورية العربية السورية وهيئة المفاوضات السورية على حزمة متكاملة حول عضوية اللجنة والعناصر الأساسية للائحة الداخلية التي ستحكم عملها»، لافتاً إلى أن التشكيل هو «الاتفاق الحقيقي الأول من نوعه بين الحكومة والمعارضة من أجل البدء في تطبيق أحد العناصر الأساسية من قرار مجلس الأمن 2254»، ألا وهو تحديد جدول زمني وعملية لصياغة دستور جديد. واعتبر أن ما جرى يشكل «قبولاً ضمنياً من كل طرف بالطرف الآخر كمحاور، ويُلزم المرشحين من الطرفين بالجلوس معاً، في حوار مباشر وتفاوض، مع السماح في الوقت ذاته بإشراك ممثلي المجتمع المدني». ورأى في الاتفاق على تشكيل اللجنة «تعهُّداً مشتركاً أمام الشعب السوري بمحاولة الاتفاق تحت رعاية الأمم المتحدة على ترتيبات دستورية جديدة لسوريا، وعلى عقد اجتماعي جديد. ويمكن لهذا الاتفاق أيضاً أن يكون خطوة أولى على طريق مسار سياسي أشمل يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري».
واقترح بيدرسن أن يركز وفدا الحكومة و«هيئة التفاوض» المعارضة على القضية الأساسية، وهي الدستور المطلوب لسوريا، على أن تقوم اللجنة الدستورية بتحديد كيفية تحقيق ذلك.
وسُئل عما إذا كانت المناقشات بين ممثلي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني ستركز على صلاحيات الرئيس واللامركزية والجيش، فأجاب: «في كل الدساتير هناك عناوين معروفة. وهي ستناقَش في جنيف. وأتناقش حالياً مع رئيسي الوفدين؛ الحكومة (أحمد كزبري) وهيئة التفاوض (هادي البحرة) حول هذه الأمور»، لافتاً إلى أن دوره {كميسّر منصوص عليه بشكل واضح في القواعد الإجرائية، وهو المساعدة والتسهيل في حال كانت هناك عقبات ومآزق».
وأشار بيدرسن إلى أهمية التوصل إلى حلول سياسية في شمال غربي البلاد وشمالها الشرقي. قائلاً: «الوضع (في إدلب) معقد، ويجب الوصول إلى حل يضمن الأمن للمدنيين ويتناول في الوقت نفسه مسألة وجود مجموعات مصنَّفة إرهابية من قِبل مجلس الأمن». وأكد «أهمية تجنب عملية عسكرية شاملة لن تسهم في حل المشكلة وستكون لها تبعات إنسانية بالغة على المدنيين».
وتطرق المبعوث الأممي إلى البيان الروسي- التركي الأخير حول شرق الفرات ووجود خمسة جيوش في سوريا، إضافة إلى مساعيه لتشكيل مجموعة دولية وإقليمية لدعم جهود الأمم المتحدة لحل الأزمة. وفي ما يلي نص الحوار الذي جرى في مكتبه بمقر الأمم المتحدة في جنيف أمس:

> البيان الروسي- التركي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، أول من أمس (الثلاثاء)، أشار إلى دعم العملية الدستورية و«مسار سوتشي»، لكنه لم يشر إلى مسار جنيف والقرار «2254»... ما تفسيرك؟
- لم أكن في الاجتماع.
> لكن قرأت البيان...
- نعم قرأت البيان. عندما يتعلق الأمر بالعملية السياسية، فإنني مقتنع بأن روسيا وتركيا مؤمنتان بأن إطار العملية السياسية هو القرار 2254. هناك عناصر عدة لهذا القرار الدولي، أحدها تم التركيز عليه بشكل أكبر، وهو ما يتعلق بالمسار الدستوري. لا شك في أن عملية سوتشي وضعت أساساً لذلك. ولكن في النهاية، فإن تشكيل اللجنة الدستورية جاء نتيجة مفاوضات مكثفة. ناقشنا الأسماء والقواعد الإجرائية. وأجريت مفاوضات بنّاءة مع الحكومة في دمشق و«هيئة التفاوض السورية» المعارضة. خلال هذه العملية حصلتُ على دعم المجتمع الدولي، لذلك وصلنا إلى حل. هذا الحل كان مبنياً على القرار 2254. بصراحة ليس هناك أي خلاف حول هذا الأمر.
> حتى من روسيا وتركيا؟
- حتى من الروس والأتراك. هم يؤكدون كلما التقيناهم أن القرار 2254 هو أساس للعملية.
> لماذا لم يُذكر القرار في مفاوضاتهما؟
- في مفاوضات كهذه، هناك اعتبارات كثيرة. لكنّ الرئيسين بوتين وإردوغان ركّزا على القرار الدولي.
> إذن، اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف الأسبوع المقبل، ما مرجعيته؟
- كما تعرف، حتى بالنسبة إلى «الضامنين» الثلاثة في عملية آستانة، أساس العملية السياسية هو القرار 2254. ونحن سنطلق العملية الدستورية الأربعاء المقبل لإعادة العملية السياسية إلى جنيف.
> ماذا سيحصل الأسبوع المقبل؟ من هم المدعوون؟
- أجريت محادثات مع الوزير وليد المعلم، ورئيس «هيئة التفاوض» نصر الحريري، وممثلين عن المجتمع المدني والدول الضامنة لـ«آستانة» و«المجموعة الصغيرة». توصلت إلى نتيجة أن الافتتاح سيكون فقط للسوريين والأمم المتحدة، لتأكيد طبيعة المسار، كونه بقيادة السوريين وملكاً لهم، بتيسير من الأمم المتحدة. وسيكون هناك وجود دبلوماسي بشكل موازٍ من مجموعة «آستانة» و«المجموعة الصغيرة»، لكن لن تشاركا في اجتماعات اللجنة الدستورية.
> يبدو أن اهتمام الدول بالحضور أقل من المفاوضات السابقة. هل هذا مؤشر إلى عدم الاهتمام بالعملية الدستورية؟
- لن توجه أي دعوة إلى ممثلي الدول لحضور الافتتاح. كما تعرف، فإنني وضعت خمس أولويات إحداها دعم المجتمع الدولي. هذا لا يزال طموحي وهدفي. رغم عدم دعوة هذه الدول، فإنني سأواصل جهودي لضمان دعم المجتمع الدولي للعملية السياسية في جنيف حسب القرار 2254. يجب التأكيد أن المجتمع الدولي قدّم الدعم للعملية الدستورية، والآن الأمر يعود إلى السوريين للمضي قدماً في هذه العملية.
> ما توقعاتك للاجتماعات في الأسبوع المقبل؟
- تحقيق تقدم بما يتناسب مع اللحظة التاريخية المتمثلة لأن 150 سورياً يمثلون طيفاً واسعاً من المجتمع السوري سيجتمعون لمناقشة الإصلاح الدستوري في جنيف. هذه فرصة تاريخية. سيكون هناك مرشحون من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني. وستقع على عاتقهم المسؤولية للمضي قدماً. إنني مقتنع بأنهم يفهمون مسؤولياتهم وواجباتهم... لن يكون من السهل استثمار هذه الفرصة. فسوريا لا تزال تواجه أزمة خطيرة مع استمرار العنف والإرهاب، ووجود جيوش خمس دول تعمل على أراضيها، واستمرار المعاناة والانتهاكات المروعة، وانقسام عميق في المجتمع، وشعور باليأس بين السوريين في الداخل والخارج، كما تكاد الثقة أن تكون معدومة. وستكون للجنة الدستورية قيمة حقيقية فقط إذا أصبحت خطوة على الطريق العسير للخروج من الأزمة وصولاً إلى سوريا جديدة.
> للوصول إلى ماذا؟
- هذا الأمر يعود إليهم. عندما يجلسون ويقومون بعملهم، فإن العملية ستمضي قدماً. هم سيحددون بأنفسهم القضايا التي سيناقشونها والمسائل التي يجب أن تتغير للمضي قدماً بالعملية.
> إحدى القضايا الخلافية بين الطرفين الوصول إلى دستور جديد أم تعديل الدستور الحالي للعام 2012... ما تصورك؟
- للجنة الدستورية ولاية واضحة وهي القيام في سياق مسار جنيف الميسّر من قِبل الأمم المتحدة بإعداد وصياغة إصلاح دستوري يُطرح للموافقة العمومية، كإسهام في التسوية السياسية في سوريا وفي تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، ويقوم الإصلاح الدستوري من بين أمور أخرى بتجسيد المبادئ الأساسية الـ12 السورية - السورية الأساسية، التي انبثقت عن مسار جنيف وتم تأكيدها في مؤتمر سوتشي، نصاً وروحاً في الدستور السوري والممارسات الدستورية السورية.
وللجنة الدستورية أن تراجع دستور 2012، بما في ذلك في سياق التجارب الدستورية السورية الأخرى، وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد. ويجب أن يُقر الإصلاح الدستوري الذي ستعتمده اللجنة شعبياً وأن يتم نقله إلى النظام القانوني الوطني السوري من خلال الوسائل التي يتم الاتفاق عليها.
يجب عدم التركيز على التساؤل عن كونه دستوراً جديداً أم تعديلاً للحالي؟ المطلوب هو التركيز على الجوهر: ما الدستور المطلوب لسوريا؟ هذا أساس النقاش، ثم يعود أمر تحقيق ذلك للجنة الدستورية.
> ما القضايا المفتاحية التي سيركز عليها النقاش؟ نسمع أن المعارضة تريد مناقشة صلاحيات الرئيس، والحكومة ترفض، وهناك أيضاً شكل اللامركزية...
- كما تعرف، في كل الدساتير هناك عناوين معروفة، وهي ستناقَش في جنيف.
> ما هي؟
- إنني أتناقش حالياً مع رئيسَي الوفدين؛ الحكومة (أحمد كزبري) وهيئة التفاوض (هادي البحرة) حول هذا الأمر. الرئيسان المشتركان اللذان سيأخذان آراء الوفدين والمجتمع المدني، سيقومان بذلك.
> تقصد صلاحيات الرئيس، طبيعة النظام السياسي، اللامركزية...؟
- كل هذه الأمور ستناقَش من دون أي شك.
> لنفترض أن وفد الحكومة سيقول: لن نقبل ببحث صلاحيات الرئيس وصوغ دستور جديد. في المقابل، سيقول وفد «الهيئة»: نحن هناك لبحث ذلك وصوغ دستور جديد. ماذا ستفعل؟
- هذا يعني أنك متشائم. دوري واضح في القواعد الإجرائية، وهو أن أساعد وأسهّل في حال كانت هناك عقبات ومآزق. ونحن هنا كي نسهّل العملية. إنني متأكد من أنه ستكون هناك تحديات وصعوبات بعد أكثر من ثماني سنوات من الصراع. لن تكون العملية سهلة. هناك خلافات حقيقية، يجب أن نقرّ بذلك. دورنا البحث عن طرق لتضييق الخلافات. طموحي هو جسرها. من المبكر القول حالياً إن هذا الأمر صعب. فالعملية لا تزال في بدايتها.
> هل كان اجتماعك الأخير مع الوزير المعلم إيجابياً؟
- صحيح.
> لماذا باعتقادك؟ ما تفسيرك لدعم الحكومة للعملية؟
- يجب أن تسـأله.
> ما تفسيرك؟
- كانت مناقشاتي في دمشق بنّاءة وإيجابية. شعرت من اليوم الأول أننا نبني الثقة بشكل متدرج حول كثير من الأمور. بالنسبة إلى اللجنة الدستورية، كان هناك التزام من الوزير المعلم بالانخراط والوصول إلى حلول للتحديات الكثيرة. آمل أن ترى الحكومة في ذلك فرصة للتواصل والوصول إلى مناقشات جيدة مع المعارضة. قناعتي أن هذا الأمر يمكن أن يفتح نافذة للحوار. من خلال مفاوضاتي لتشكيل اللجنة الدستورية تحقق أمر مهم، هو الذهاب من دمشق إلى الرياض للجلوس مع الحريري ثم العودة إلى دمشق وإجراء مناقشات. هذا يعني أن هناك أموراً مشتركة بين الطرفين.
> ما الأمور المشتركة مثلاً؟
- الأرضية المشتركة. دعْنا نَعُدْ إلى الوراء. قلت قبل تسعة أشهر: أولويتي هي بناء ثقة مع الأطراف السورية بحثاً عن قواسم مشتركة بين الأطراف. المهمة الأولى كانت تشكيل اللجنة الدستورية وإقرار القواعد الإجرائية. هذا تحقق، وهو أمر مهم وسيكون له أثر على الأمور الأخرى.
> هناك من يقول: ليس مهماً أيّ دستور يكتب السوريون. المهم هي الممارسات...
- نريد خلق حالة جديدة تشير إلى أن التغيير في سوريا ممكن. حالة تتضمن تعافي المجتمع السوري وإعادة الثقة بين مكوناته بما يسهل عودة اللاجئين والنازحين. نريد أن نرى تغييرات في سوريا يمكن أن يطبَّق الدستور فيها. أي أن تكون عملية الإصلاح الدستوري جزءاً من تغيير أشمل. لهذه الأسباب، ونحن نتطلع إلى عقد الاجتماع الأول للجنة الدستورية، فإنني أحثّ كل المعنيين؛ الأطراف السورية وداعميها، على التفكير بشكل أشمل، مع وضع الهدف النهائي لبلد يسوده السلام نصب أعينهم. وأدعوهم إلى استثمار الفرصة التي توفرها اللجنة الدستورية لاتخاذ خطوات ملموسة وبناء الثقة. آمل أن نستطيع بناء تفاعلات إيجابية، خطوة بخطوة بين الأطراف السورية، وأيضاً مع المجتمع الدولي، من أجل الوصول إلى بيئة آمنة وهادئة ومحايدة تُشعر السوريين بأن المسار السياسي قادر على إعادة بناء وطنهم وتلبية طموحاتهم.
> كتب السفير الأميركي السابق روبرت فورد أن الدستور الحالي يتضمن الكثير من المواد المهمة. المهم هي الممارسات في دمشق.
- دعْني أقلْ شيئاً. درستُ التاريخ جيداً، وأنا مؤرخ. هذا كلام ساذج. الدستور والممارسة يختلفان من دولة إلى أخرى. في سوريا، هناك صراع عميق استمر أكثر من 8 سنوات. ليس التحدي الوحيد هو الدستور. هذا المجتمع مر بأزمة عميقة. إذا نظرت إلى الدستور بشكل منعزل عن باقي الأمور، صحيح. لكن عملية الإصلاح الدستوري ما هي إلا بداية للتغيير. لذلك، فإن الإصلاح الدستوري مهم. نريد رؤية وضع يعالج الانقسامات في المجتمع السوري. عملية سياسية تُشعر جميع السوريين بأن سوريا وطن لهم وأن لهم مستقبلاً ومكاناً في هذا الوطن.
> معارضون يقولون إن هدف العملية الدستورية هو «شرعنة النظام»؟
- بالنسبة إليّ، ليس الأمر إضفاء شرعية على الحكومة الحالية أو على المعارضة. هذه عملية هدفها جمع السوريين معاً لفتح صفحة جديدة لسوريا. بعد 8 سنوات تغيرت الأمور. الحكومة تسيطر على مساحة أكبر من الأرض. سنرى تطورات الأحداث في شمال شرقي البلاد. كما قلت، هناك تحديات كثيرة. الأمر لا يتعلق بإعطاء شرعية لطرف أو غيره، بل جمع السوريين معاً.
> هناك من يعتقد أن إيجابية الحكومة ترمي إلى إطلاق عملية للوصول إلى دستور يشرعن الانتخابات الرئاسية في 2021؟
- الاتفاق الذي توصلنا إليه محكوم بعدد من المبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم أي مسار أو أي تسوية سياسية. وتشمل هذه المبادئ احترام ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وسيادة سوريا ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها، بالإضافة إلى طبيعة المسار كونه بقيادة السوريين وملكاً لهم. وتتضمن هذه المبادئ أيضاً إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254 تُجرى وفقاً للدستور الجديد. كما أن هذه المبادئ تقِرّ بضرورة وجود مسار سياسي أشمل لتطبيق القرار الأممي.
إن الدستور المقبل لسوريا هو ملك للسوريين وحدهم. وستكون الأمم المتحدة الحارس الأمين لطبيعة المسار. السوريون، وليس أي طرف آخر، سيقومون بصياغة الدستور، والشعب السوري يجب أن يصادق عليه. سنكون حاضرين لتيسير المسار بطريقة تضمن استمراره في التمتع بالمصداقية والتوازن والشمول، ولتقديم المساعدة كلما اقتضت الحاجة. إنني على دراية تامة بأن اللجنة الدستورية وحدها لا يمكنها حل الأزمة. يجب أن ننظر إلى الحقائق، وأن نتعامل مع الأزمة بشكل أكثر شمولاً، وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254.
بصراحة، الشعب السوري هو من يعطي الشرعية، ويحدد مستقبل سوريا وأي علاقة طبيعية مع العالم والدول المجاورة والأوروبيين والأميركيين. ما يحصل في الجانب السياسي، عنصر واحد من العملية. الأوروبيون والأميركيون يريدون عملية سياسية ذات مصداقية تحقق تغييراً على الأرض.
> «الشرعية تأتي من الشعب» ينطبق على الرئيس؟
- نعم. ينطبق على الرئيس.
> هذا موقف واضح منك؟
- نعم. هذا موقفي. الشرعية تأتي من الشعب.
> البعض يقول إن دمشق ستمضي بالإصلاح الدستوري إلى عام 2021 خصوصاً أنه ليس هناك جدول زمني للجنة الدستورية؟
- لقد اتفقت الأطراف والتزمت بالعمل بشكل سريع ومستمر بهدف التوصل إلى نتائج وتحقيق تقدم مستمر، من دون تدخل خارجي أو أطر زمنية مفروضة من الخارج، وكذلك من دون شروط مسبقة أو الإصرار على التوصل إلى اتفاق حول مسألة ما قبل البدء في مناقشة مسألة أخرى.
لا يمكنني التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور. لكنّ هناك اتفاقاً على ضرورة العمل بشكل جدي ومستمر لتحقيق الإصلاح الدستوري. أنت محقّ، الأمر يعود للسوريين في ما يخص المضيّ قدماً. يجب أن نتذكر أنه بعد نحو تسع سنوات من الصراع وفقدان الثقة، فإن الأمر يتطلب وقتاً لكسر الجليد. هذه هي البداية. لا ننظر إلى الدستور بمعزل عن باقي القضايا. هذا مفتاح، وسنناقش القضايا الأخرى وسيكون هناك تأثير متبادل للقضايا بعضها على بعض. الأمر ليس سهلاً ويشكل تحدياً ولكن هذا هو الطريق الوحيد للحل.
> قلت إن الشرعية تأتي من الشعب. والأكراد جزء من الشعب. لماذا لم يُمثّلوا في اللجنة؟
- «قوات سوريا الديمقراطية» ليست جزءاً من اللجنة، لكنّ الأكراد ممثَّلون في اللجنة. جميع المكونات ممثَّلة.
> بعد الاتفاق الروسي- التركي، هل يمكن تمثيل أكراد آخرين؟
- لا يزال الاتفاق في بداياته. من المبكر البت في هذا الأمر.
> كيف ترى المشهد العسكري في إدلب وشرق الفرات؟
- أقول دائماً إنه لا حل عسكرياً للأزمة في سوريا. الحل سياسي.
> بما فيها في إدلب؟
- نعم.
> كيف؟ ما الحل في إدلب؟
- منذ البداية، شجعنا روسيا وتركيا على الالتزام بمذكرة التفاهم الموقَّعة بينهما في سوتشي والتعاطي مع مشكلة العناصر المصنّفة إرهابية من مجلس الأمن الدولي. الوضع معقّد، ويجب الوصول إلى حل يضمن الأمن للمدنيين مع معالجة مسألة وجود مجموعات مصنفة إرهابية من مجلس الأمن. يجب تفادي عملية عسكرية شاملة لن تسهم في حل المشكلة وستكون لها تبعات إنسانية بالغة على المدنيين، فهناك أكثر من 500 ألف نازح. إن محاربة الإرهاب يجب أن تتم وفقاً للقانون الدولي. تناقشنا في ذلك مع روسيا والحكومة.
> ما نصيحتك لدمشق وموسكو حول إدلب؟
- نصيحتي كانت تجميد الوضع في شمال غربي سوريا والوقف الشامل لإطلاق النار وفقاً لما ينص عليه قرار مجلس الأمن 2254. إن التوصل إلى خطوات لتخفيض العنف، وصولاً إلى وقف إطلاق نار على المستوى الوطني، أمر ضروري. يجب أن يتوقف العنف والقتل لأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة ولأن قرار مجلس الأمن 2254 ينص على ذلك. فالتوصل إلى وقف إطلاق نار وتفاهمات دولية حول كيفية محاربة الإرهاب بطريقة تضمن حماية المدنيين واحترام أحكام القانون الدولي هو أمر أساسي وسيساعد في دفع المسار السياسي قدماً.
> وما هو الإطار الزمني لذلك؟
- لا يمكن وضع إطار زمني لمحاربة الإرهاب.
> ماذا عن شمال شرقي البلاد؟
- الشيء نفسه. (بسط) سلطة الدولة السورية، وأخذ مصالح جميع المكونات بالاعتبار، وضمان عدم عودة «داعش». يجب أخذ الشواغل الأمنية لتركيا بعين الاعتبار. لكن لا بد من الإشارة إلى الجانب الإنساني. أكثر من 200 ألف شخص نزحوا بسبب العمليات العسكرية.
> هل سألت الأميركيين حول قرارهم الانسحاب؟
- نعم.
> ماذا قالوا؟
- الولايات المتحدة لم تؤيد العملية العسكرية التركية، وتوصل الجانبان التركي والأميركي إلى اتفاق لوقف النار وانسحاب «الوحدات» الكردية. القوات الأميركية ستنسحب من سوريا ولكن لا يوجد إطار زمني محدد للانسحاب.
> تقول دائماً إنه في سوريا خمسة جيوش: أميركا، وروسيا، وإيران، وتركيا، وإسرائيل... هل تنظر إليها بنفس المستوى؟ هل كلها شرعية أم غير شرعية؟
- لن أنظر إلى الموضوع بهذه الطريقة. موقفي هو أن انخراط هذه الجيوش تعبير عن التحديات الموجودة في آخر ثماني سنوات. موقفي أن ننظر إلى ذلك في سياق الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، لتأكيد أن الاستقرار في سوريا لا يتعلق بسوريا فحسب بل له بعد إقليمي ودولي ويجب أخذ ذلك بالاعتبار.
> هل لا تزال قلقاً من خروج الأمور عن السيطرة؟
- طبعاً. وجود هذه الجيوش على الأراضي السورية يشكل تحدياً للأمن والسلم الدوليين.
> روسيا تقول إن وجودها شرعي؟
- لا أريد الدخول في التفاصيل. روسيا وإيران تقولان إنهما جاءتا بناءً على دعوة الحكومة السورية. طبعاً، ولكن هناك عوامل أخرى يجب أخذها في الاعتبار.
> هل أمر طبيعي أن تطلَق اللجنة الدستورية في وقت يزداد المشهد العسكري تعقيداً؟
- القليل مما حصل في سوريا كان طبيعياً. كل شيء غير طبيعي. الأمر المهم، عندما تجد فرصة لإطلاق شيء إيجابي، فيجب ألا تتوقف عن ذلك بسبب المشهد المعقد على الأرض. يجب عدم البحث عن ذرائع لعدم المضي قدماً.
> هناك تخوف من أن تكون العملية الدستورية غطاءً للعمليات العسكرية؟
- بالعكس، العملية السياسية يمكن أن تُنهي العمليات العسكرية.
> عندما تسلمت المنصب تحدثت عن خمس أولويات. ماذا تحقق وماذا لم يتحقق في كل منها؟
- الأولوية الأولى كانت بناء الثقة مع الحكومة و«هيئة التفاوض» بموجب صلاحياتي في القرار 2254. هذه عملية مستمرة. هناك تطور إيجابي ومُرضٍ، لكن عملية بناء الثقة عملية مستمرة وتتطلب وقتاً. الثانية، تطوير علاقات مع طيف واسع من المجتمع المدني والمجلس الاستشاري النسائي. أريد أن أقوم بجهد أكبر في هذا السياق مع أنني راضٍ عما حققناه. الثالثة، تشكيل اللجنة الدستورية والقواعد الإجرائية. وقد توصلنا إلى اتفاق، وستُطلق اللجنة عملها الأربعاء المقبل.
> وموضوع المعتقلين والمخطوفين؟
- هو الأولوية الرابعة. ولست راضياً عما تحقق.
> لماذا؟
- عملنا على مسارين: مجموعة العمل الرباعية مع روسيا وإيران وتركيا والصليب الأحمر، والتفاوض مع الحكومة والمعارضة، وطلبنا من الطرفين إطلاق معتقلين ومخطوفين بشكل أحادي... هذه المسألة تخص الكثير من العائلات ونريد أن نرى عمليات إطلاق أوسع. يمكن أن تبني ثقة بين السوريين إذا تم التعامل مع هذه القضية بشكل أكثر فاعلية. فلا يزال مصير عشرات الآلاف من المعتقلين والمخطوفين والمفقودين مجهولاً. وتعاني عائلاتهم بشكل كبير وتواجه تحديات يومية. إنني أدعو إلى العمل على ملف المعتقلين والمخطوفين والمفقودين، وبشكل خاص الإفراج عن النساء والأطفال.
> وماذا عن الأولوية الخامسة؟
- الأزمة السورية معقدة. أردت أن أرى جهداً أكبر من المجتمع الدولي لدعم عملية جنيف.
> مَن يعرقل ذلك: روسيا أم أميركا؟
- ليس هناك طرف واحد. هذه مسألة معقدة. هناك الكثير من العناصر. حققنا بعض النجاح، لكن أريد تحقيق المزيد. سأبذل جهدي للقيام بجهد أكبر في التقريب بين الأطراف الدولية.
> في العام المقبل هناك انتخابات برلمانية، وفي 2021 انتخابات رئاسية. كيف تريد أن تراها؟
- السيناريو المثالي هو أن تُنهي اللجنة الدستورية عملها بموجب القرار 2254، بحيث تكون هناك انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة ووفقاً لأعلى المعايير الدولية.
> هل هذا ممكن؟
- أكيد.
> هل بدأت التحضير لذلك؟ انتخابات بإشراف الأمم المتحدة؟
- لقد قمت بتعيين شخص معنيٍّ بملف الانتخابات، ونقوم الآن بدراسة كيفية وإمكانية إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً للدستور الجديد بموجب قرار مجلس الأمن 2254. يجب أن تُتاح للشعب السوري المشاركة في انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن، وأن تشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بما في ذلك أولئك الذين يعيشون في المهجر. يستغرق عقد الانتخابات وفقاً لأعلى المعايير الدولية وقتاً طويلاً. ولهذا فإنني بدأت التفكير في كيفية قيام الأمم المتحدة بالإعداد لهذه المهمة من خلال الحوار مع الأطراف السورية.



122 ألف يمني فروا من جحيم الحوثيين خلال أسبوعين

أغلب النازحين اليمنيين حديثاً ينامون في العراء (إعلام محلي)
أغلب النازحين اليمنيين حديثاً ينامون في العراء (إعلام محلي)
TT

122 ألف يمني فروا من جحيم الحوثيين خلال أسبوعين

أغلب النازحين اليمنيين حديثاً ينامون في العراء (إعلام محلي)
أغلب النازحين اليمنيين حديثاً ينامون في العراء (إعلام محلي)

تتسع أزمة النزوح في اليمن مع فرار عشرات الآلاف من جحيم الجماعة الحوثية في الساحل الغربي، فيما يواجه النازحون الجدد نقصاً حاداً في أماكن الإيواء، إذ تفتقر ثلاثة من كل أربعة أسر نازحة حديثاً إلى مأوى مناسب، وفق تقرير حديث للمجلس النرويجي للاجئين.

وغادر سكان مناطق في غرب اليمن منازلهم على عجل، بعضهم خلال ساعات الليل، وساروا لمسافات طويلة بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، لكن الوصول إلى وجهات النزوح لم يضع حداً لمعاناتهم، مع محدودية أماكن الإيواء وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

وأعلنت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن تسجيل 17 ألفاً و852 أسرة تضم 122 ألفاً و297 نازحاً في ثماني محافظات، خلال الفترة بين الأول والخامس عشر من سبتمبر (أيلول) الحالي، جراء المواجهات الأخيرة.

وجاءت تعز في مقدمة المحافظات المستقبلة للنازحين، بواقع 9562 أسرة تضم 66 ألفاً و972 شخصاً، تلتها لحج بـ4511 أسرة و31 ألفاً و577 نازحاً، ثم عدن بـ1180 أسرة و5555 نازحاً، وأبين بـ1003 أسر و7021 نازحاً.

في أطراف المزارع تتجمع الأسر النازحة جراء تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

وسجلت حضرموت 66 أسرة تضم 462 نازحاً، والمهرة 40 أسرة تضم 280 نازحاً، وشبوة 19 أسرة تضم 133 نازحاً، وفق بيانات الرصد والتسجيل الميداني التي أعلنتها الوحدة التنفيذية.

ودعت الوحدة التنفيذية وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية والجهات المانحة إلى حشد الموارد وتوسيع نطاق التدخلات لتغطية الاحتياجات القائمة، مؤكدةً ضرورة عدم تأخير المساعدات المنقذة للحياة بسبب إجراءات التسجيل والتقييم.

نزوح متكرر

تكشف البيانات اليمنية عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في اضطرار أسر نزحت سابقاً إلى مغادرة مناطق لجوئها مرة أخرى مع امتداد المواجهات.

وقالت الوحدة التنفيذية إن 1471 أسرة سبق رصدها في مديريتي حيس والخوخة بمحافظة الحديدة نزحت مجدداً باتجاه عدن، بينما تواصل فرقها تتبع هذه الأسر وتحديد أماكن وصولها الجديدة، وإعادة تسجيلها وتحديث بياناتها وتقييم احتياجاتها.

كما تتابع الفرق الأسر التي غادرت مناطق في غرب تعز، خصوصاً مديريات المخا والوازعية وموزع وذباب ومقبنة، في ظل تغير مسارات النزوح وانتقال بعض الأسر من مواقع نزوح سابقة إلى مناطق أخرى.

بجهود محلية يتم بناء مأوى مؤقت للنازحين في غرب تعز (إعلام محلي)

وفي مواقع النزوح الجديدة، تبدو أزمة المأوى من أكثر الاحتياجات إلحاحاً. وأفاد المجلس النرويجي للاجئين بأن بعض الأسر اضطرت إلى مشاركة خيمة واحدة، في حين لم يجد آخرون مكاناً سوى العراء، بما في ذلك تحت الأشجار.

وحسب إفادات جمعها المجلس، غادر بعض النازحين منازلهم دون أن يتمكنوا من أخذ أي شيء تقريباً، بينما سار آخرون لساعات لمسافات وصلت إلى نحو 15 كيلومتراً بحثاً عن الأمان.

وتقول المنظمة الدولية إن الوصول إلى منطقة أكثر أمناً لا يعني انتهاء رحلة المعاناة، إذ تبدأ بعدها محاولة تأمين المأوى والمياه والغذاء والخدمات الصحية والحماية، في وقت تتقلص فيه قدرة مواقع النزوح على استيعاب الأسر الوافدة.

تعز في الواجهة

في غرب تعز، دفعت المواجهات مئات الأسر اليمنية إلى النزوح باتجاه مديرية المعافر، وفق منظمات محلية، فيما تعمل فرق ميدانية بالتنسيق مع السلطات المحلية على استقبال الأسر وتسجيل بياناتها وتقييم احتياجاتها وتأمين أماكن إقامة مؤقتة.

وتعيش بعض الأسر في أماكن مفتوحة أو تحت مظلات بسيطة، بينما تحاول الجهات المحلية والمنظمات توفير الحد الأدنى من الحماية والاستقرار للأسر التي تركت منازلها ومصادر دخلها.

نازحة يمنية اجتاح الحوثيون قريتها تنشر الغسيل لتجفيفه في مخيم للنازحين (أ.ف.ب)

وتواجه هذه الأسر احتياجات متزامنة تشمل الغذاء ومياه الشرب والصرف الصحي والنظافة والخدمات الصحية ومواد الإيواء والمواد غير الغذائية، إضافة إلى المساعدات النقدية والحماية، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة والأسر الأشد ضعفاً.

وقال يان إيغلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، إن تجدد القتال يأتي في وقت يعاني فيه اليمنيون أصلاً من أوضاع إنسانية شديدة الصعوبة، محذراً من أن استمرار المواجهات سيزيد معاناة الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وأشار إيغلاند إلى أن اليمن يعد من أكثر أزمات النزوح إهمالاً في العالم، معتبراً أن تجدد القتال يضيّق الخيارات المتاحة أمام المدنيين للفرار إلى أماكن آمنة، في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من صعوبات في تأمين الغذاء.

ودعا المجلس النرويجي للاجئين المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى توفير موارد عاجلة لدعم النازحين، محذراً من أن استمرار نقص التمويل سيزيد الفجوات في الاستجابة الإنسانية.


خسائر حوثية متلاحقة تحت ضربات الطيران وفي الجبهات

مواكب مستمرة في صنعاء لتشييع قتلى الحوثيين في الجبهات مع القوات الحكومية اليمنية (أ.ف.ب)
مواكب مستمرة في صنعاء لتشييع قتلى الحوثيين في الجبهات مع القوات الحكومية اليمنية (أ.ف.ب)
TT

خسائر حوثية متلاحقة تحت ضربات الطيران وفي الجبهات

مواكب مستمرة في صنعاء لتشييع قتلى الحوثيين في الجبهات مع القوات الحكومية اليمنية (أ.ف.ب)
مواكب مستمرة في صنعاء لتشييع قتلى الحوثيين في الجبهات مع القوات الحكومية اليمنية (أ.ف.ب)

تكبّدت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال الساعات الماضية، جرّاء الغارات الجوية التي استهدفت مواقعها في الساحل الغربي وغرب محافظة تعز، والمواجهات الدائرة في جبهات غرب مأرب والجوف، وفق إفادات ميدانية.

وفي حين تتواصل المعارك على أكثر من محور، تشهد صنعاء استمرار مواكب تشييع قتلى الجماعة، في مؤشر على حجم الاستنزاف الذي تواجهه قواتها.

وتزامنت الضربات الجوية مع اشتباكات عنيفة في جبهات متفرقة، في وقت تواصل فيه القوات الحكومية اليمنية إعادة ترتيب انتشارها وتعزيز جاهزيتها على خطوط التماس، خصوصاً في المناطق المحاذية لباب المندب، وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهات إلى مواقع استراتيجية جديدة.

واستهدف الطيران الحربي اليمني، خلال الساعات الماضية، تجمعات وثكنات وآليات تابعة للحوثيين في مناطق غربي محافظة تعز، وفق ما أفاد به موقع «سبتمبر نت»، التابع للقوات المسلحة اليمنية.

معارك محتدمة بين قوات الحكومة اليمنية والحوثيين في غرب تعز (أ.ف.ب)

وطالت الغارات تجمعات ومواقع عسكرية في منطقة الرحبة بمديرية جبل حبشي، إضافة إلى معسكر تابع للجماعة قرب كسارة الربيعي على خط الستين في منطقة هجدة. وأدّت الضربات، وفق المعلومات الميدانية، إلى تدمير عدد من العربات العسكرية، فيما انفجر مخزن للأسلحة داخل المعسكر المستهدف.

وفي السياق ذاته، أعلن الناطق الرسمي للقوات المسلحة اليمنية أن القوات الجوية استهدفت مقار وعتاداً حوثياً في منطقة المخا والجبهات الشمالية، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف أو حجم الخسائر.

وتأتي هذه الغارات في ظل استمرار الضغوط العسكرية على الجماعة في الساحل الغربي؛ حيث شهدت الأسابيع الأخيرة تغيرات ميدانية واسعة، دفعت القوات الحكومية إلى إعادة تقييم انتشارها وخططها العملياتية في المناطق القريبة من البحر الأحمر وباب المندب.

معارك باب المندب

في الجبهة الحدودية بين محافظتي لحج وتعز، تجددت الاشتباكات العنيفة بين «قوات العمالقة» و«درع الوطن» من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، عقب هجوم شنّته الجماعة باتجاه مواقع القوات في المنطقة المحاذية لمديرية المضاربة ورأس العارة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات المرابطة، مسنودة بقبائل الصبيحة، تصدّت للهجوم، وأفشلت محاولة التقدم الحوثية، وسط قصف متبادل واستخدام مختلف أنواع الأسلحة. وأضافت المصادر أن المواجهات أوقعت خسائر بشرية في صفوف الحوثيين، كما أسفرت عن أسر اثنين من عناصرهم.

عضو «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني محمود الصبيحي يتفقد جبهات باب المندب (إعلام حكومي)

وتطابقت هذه المعطيات مع إفادة دائرة الإعلام في «قوات درع الوطن» بشأن إحباط محاولة تسلل حوثية في جبهة المضاربة بالوازعية، وأسر عنصرين وإصابة آخرين.

وجاءت المواجهات بالتزامن مع تحركات وتعزيزات حوثية في المناطق الحدودية بين لحج وتعز، في حين أفادت مصادر ميدانية بتصدي القوات الحكومية لهجوم آخر في جبهة الخزم، إلى جانب إسقاط طائرة مسيّرة انتحارية تابعة للجماعة في جبهة المنصورة.

وتشهد جبهات المضاربة ورأس العارة والمنصورة تصعيداً متزامناً، مع استمرار القصف والاشتباكات في المناطق المحاذية لباب المندب، فيما تعمل القوات المرابطة على رفع مستوى الجاهزية للتعامل مع أي محاولات تسلل أو هجمات جديدة.

وفي هذا الإطار، تفقّد عضو «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني، الفريق الركن محمود الصبيحي، القوات المسلحة في الخطوط الأمامية بجبهتي باب المندب وطور الباحة، للاطلاع على مستوى الجاهزية القتالية، وأوضاع المرابطين وسير العمليات.

واستمع الصبيحي، برفقة مستشار رئيس مجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن، الفريق الركن أحمد تركي، إلى شرح من القيادات الميدانية حول الوضع العسكري، وخطط التعامل مع أي تحركات حوثية.

وشدد خلال الزيارة على رفع اليقظة وتعزيز التنسيق بين الوحدات، مؤكداً أهمية حماية خطوط التماس والمناطق الاستراتيجية وتأمين حركة الملاحة الدولية في الممر البحري.

جبهة صعدة

في الشمال، زار عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، الشيخ عثمان مجلي، الفرقة السادسة طوارئ ومحور مران - الملاحيظ - رازح، في محافظة صعدة، للاطلاع على مستوى الجاهزية القتالية للقوات المنتشرة في خطوط التماس مع الحوثيين.

وتعرّف مجلي، خلال الزيارة، من قائد الفرقة السادسة، اللواء عبد الكريم السدعي، على أوضاع الجبهة وقدراتها ومركز العمليات والرصد، فضلاً عن انتشار القوات على امتداد السلسلة الجبلية والوديان التي تُسيطر عليها القوات الحكومية.

كما تفقّد وحدات المهام الخاصة وسرية الاستهداف والطيران المسيّر، ومرافق التدريب ومركز قيادة الفرقة والعمليات، وشاهد استعراضاً عسكرياً عكس، وفق البيانات الرسمية، مستوى التدريب والتأهيل والجاهزية.

عناصر من قوات الجيش اليمني في محافظة الجوف خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وترأّس مجلي، في ختام الزيارة، اجتماعاً بقيادة الفرقة السادسة ومحور مران الملاحيظ رازح، بحضور قادة الألوية والوحدات والضباط والجنود. وأشاد بالانضباط العسكري، ودعا إلى مواصلة الاستعداد لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وفي كلمته، حمّل مجلي الجماعة مسؤولية تدمير مؤسسات الدولة والبنية التحتية في صعدة، واتهمها بفرض المشاركة في فعالياتها على السكان، والزج بالأطفال في أنشطتها. كما دعا إلى مواصلة الجهود الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الجماعة.


العليمي يوجه بالتحرك الميداني لتوثيق الانتهاكات الحوثية

 مسن يمني يجلس على كرسي متحرك بجوار امرأة بمركز إيواء مؤقت للنازحين في عدن (أ.ف.ب)
مسن يمني يجلس على كرسي متحرك بجوار امرأة بمركز إيواء مؤقت للنازحين في عدن (أ.ف.ب)
TT

العليمي يوجه بالتحرك الميداني لتوثيق الانتهاكات الحوثية

 مسن يمني يجلس على كرسي متحرك بجوار امرأة بمركز إيواء مؤقت للنازحين في عدن (أ.ف.ب)
مسن يمني يجلس على كرسي متحرك بجوار امرأة بمركز إيواء مؤقت للنازحين في عدن (أ.ف.ب)

وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، بتكثيف الرصد والتحقيق الميداني في تعز والحديدة ومأرب والمناطق المتأثرة بالهجمات الحوثية، في وقت وثَّقت شبكة حقوقية يمنية مقتل وإصابة عشرات المدنيين ووقوع مئات الانتهاكات في محافظة تعز خلال أقل من أسبوعين.

وقال العليمي، خلال لقائه رئيس وأعضاء اللجنة الوطنية للتحقيق، إن التطورات التي شهدتها البلاد خلال الأيام الماضية، خصوصاً في تعز والحديدة والساحل الغربي، رافقتها حركة نزوح واسعة واعتداءات على منشآت وأعيان مدنية محمية بموجب القانون الدولي، مشيراً إلى أن من بين المواقع المتضررة مستودعات تابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

ودعا اللجنة، في إطار ولايتها واستقلاليتها، إلى تكثيف أعمال الرصد والتحقيق بشأن الوقائع المرتبطة بالأحداث الأخيرة؛ بما في ذلك قتل المدنيين وتجويعهم، والنزوح، والتهجير، واستهداف المنازل والمنشآت المدنية والطبية والتعليمية، والأضرار التي لحقت بمخيمات النازحين، وزرع الألغام، وأي انتهاكات أخرى للقانون الدولي الإنساني أو قانون حقوق الإنسان.

العليمي استقبل رئيس اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاك حقوق الإنسان (إعلام حكومي)

وشدد العليمي في حديثه أمام لجنة التحقيق على ضرورة إيلاء اهتمام خاص لما يتعرض له المدنيون خلال عمليات النزوح، بما في ذلك أي اعتداءات على طرق النزوح أو القوافل المدنية، وتوثيق الظروف التي دفعت الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وقال إن الدولة معنية بخوض معركتها وهي متمسكة بالقانون، والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان أياً كان الطرف المنسوبة إليه، مؤكداً أن الحرب لا تبرر تعليق القانون، وأن اتساع دائرة الاعتداءات يزيد مسؤولية الدولة عن حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

وأضاف أن معركة استعادة مؤسسات الدولة هي، في جوهرها، معركة لاستعادة القانون وحماية حقوق الإنسان، قائلاً إن الدولة التي يسعى اليمنيون إلى استعادة مؤسساتها «يجب أن تكون أول من يحتكم إلى القانون».

661 انتهاكاً

في تقرير منفصل، قالت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إنها وثَّقت 661 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين في محافظة تعز خلال الفترة من 3 إلى 15 سبتمبر (أيلول) الحالي.

ووفق التقرير، شملت الوقائع: القتل، والإصابة، والتصفية الميدانية، وقصف الأعيان المدنية، والاختطاف، والاعتقال، ومداهمة المنازل، وتدمير الممتلكات، واستهداف المنشآت والمرافق الحيوية.

وأفادت الشبكة بمقتل 51 مدنياً وإصابة 62 آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء، نتيجة القنص والقصف المدفعي وقذائف الهاون والطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية.

طبيبة تفحص طفلاً يمنياً نازحاً جراء تصعيد الحوثيين العسكري (أ.ب)

كما قالت إن الحوثيين أقدموا على تصفية 9 عسكريين ميدانياً أمام أطفالهم في مديريات الوازعية ومقبنة والكدحة.

وحسب التقرير، شملت الانتهاكات 167 حالة اختطاف واعتقال، غالبيتها في المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إضافةً إلى مداهمة 213 منزلاً في الوازعية ومقبنة والكدحة.

ووثقت الشبكة كذلك استهداف 5 مساجد و6 مرافق صحية و16 محطة ومولد كهرباء و9 شبكات ومحطات اتصال، إلى جانب جسرين وطريقين رئيسيين، من بينهما طريق هيجة العبد الذي يربط عدن بتعز، فضلاً عن 34 وسيلة نقل مدنية.

النزوح والفئات الهشة

إلى ذلك، قالت الشبكة الحقوقية إن هذه الأرقام تعكس اتساع نطاق الانتهاكات خلال فترة زمنية قصيرة، معتبرة أن استهداف المساكن والمرافق الصحية والمساجد وشبكات الاتصال والكهرباء والطرق ووسائل النقل لا يقتصر أثره على الأفراد، بل يطول مقومات الحياة المدنية ويزيد صعوبة الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتنقل.

وأضافت أن المواجهات الأخيرة أدت إلى تدهور الوضع الإنساني في تعز، مع نزوح آلاف الأسر من مناطق مختلفة ونقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية، إلى جانب تراجع الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والمياه.

نساء يمنيات يُعددن الطعام للنازحين الفارين من الهجمات الحوثية في غرب اليمن (رويترز)

وفي ملف آخر، قال فريق الرصد الميداني التابع للشبكة إنه وثَّق عمليات تجنيد واسعة قالت إنها طالت عدداً كبيراً من اللاجئين والمهاجرين الأفارقة، إلى جانب أطفال يمنيين.

وذكرت الشبكة أن بعض هؤلاء جرى استدراجهم أو إجبارهم على الانخراط في صفوف الحوثيين والدفع بهم إلى جبهات القتال في محافظة تعز، معتبرة أن ذلك يمثل انتهاكاً للقواعد الدولية المتعلقة بحماية الأطفال والمدنيين، ويعرِّض الفئات الأكثر هشاشة لمخاطر مباشرة.

وحذرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات من استمرار تدهور الوضع الإنساني في تعز، داعيةً المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان إلى توثيق الانتهاكات وحماية المدنيين والضغط لوقف استهداف السكان والأعيان المدنية، وضمان وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى المتضررين والنازحين.