المهاجرون غير النظاميين... ورقة المتقاتلين في حرب طرابلس

هروب من جحيم الاستغلال والسخرة في ليبيا إلى ظلمات «المتوسط»

مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية بداية الشهر الحالي خلال محاولتهم الهرب من ليبيا (أ.ف.ب)
مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية بداية الشهر الحالي خلال محاولتهم الهرب من ليبيا (أ.ف.ب)
TT

المهاجرون غير النظاميين... ورقة المتقاتلين في حرب طرابلس

مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية بداية الشهر الحالي خلال محاولتهم الهرب من ليبيا (أ.ف.ب)
مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية بداية الشهر الحالي خلال محاولتهم الهرب من ليبيا (أ.ف.ب)

طرح البحر أجسادهم على الشاطئ الرملي، فتبعثرت جثثهم على جانبي شوارع مدينة الخُمس، (120 كيلومتراً شرق طرابلس) حتى تحلل بعضها وتعفّن، في واقعة وُصفت بأنها «الأكثر مأساوية» للمهاجرين غير النظاميين في ليبيا خلال العام الحالي، لتكشف عن واقع مؤلم يحيط بالآلاف منهم، سواء كانوا داخل أماكن احتجاز رسمية، أو طُلقاء. غير أن هذه المخاطر التي تكشّفت لـ«الشرق الأوسط» تضاعفت منذ اندلاع الحرب على العاصمة طرابلس قبل ستة أشهر من الآن.
فصل من فصول معاناة هؤلاء المهاجرين يمتد من أطراف الصحراء الليبية المترامية مع تشاد والنيجر، ومصر والسودان، إلى أن يقع المئات منهم أسرى في قبضة عصابات التهريب والميلشيات المسلحة في طرابلس وغيرها، عبر رحلة دامية، يتخللها التعذيب النفسي والبدني، ولا تخلو من الابتزاز والاعتداء الجنسي والسخرة.
بعض الجثث، التي لم تُوار الثرى طوال أيام عدة، وظلت في عراء شوارع الخُمس، تبين قبل شهرين تقريباً، أنها تعود لمواطنين من جنسيات أفريقية وآسيوية مختلفة يتعايشون رغم قسوة سجّانيهم داخل عنابر ضيقة مسقوفة بألواح الخشب ورقائق الصاج، يُطلق عليها محلياً اسم «كمبوهات»، بينهم نساء وأطفال، مات منهم من مات في معارك دامية بين عصابات التهريب، ونجا منهم من قدّر له أن يعيش، كي يموت ثانية إمّا بفعل ضربات أمواج البحر المتوسط، أو في الصفوف الخلفية لحرب طرابلس.
ليس هناك فروق كبيرة في حجم المعاناة بين المهاجرين الطُلقاء في شوارع العاصمة وباقي المدن، ومن هم رهن الاعتقال داخل مركز للإيواء. غير أن الصِنف الأخير زادت مآسيه مع اشتعال الحرب المُستعرة بين «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وقوات حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج، بعدما سُخّر المئات منهم لخدمة المعركة العسكرية، بجانب وقوع معسكراتهم الرسمية في مرمي نيران القصف المدفعي المتبادل، مما أوقع عشرات القتلى والمصابين منهم.
وفي ظل افتقاد ليبيا إحصائيات رسمية، قال العقيد المبروك عبد الحفيظ، رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، إن عدد المهاجرين غير النظاميين الطُلقاء داخل البلاد يقدر بـ700 ألف، بالإضافة إلى سبعة آلاف آخرين محتجزين داخل مراكز الاعتقال بمدن الغرب الليبي.
وقبل قرابة عام أحصى غسان سلامة المبعوث الأممي لدى ليبيا عدد المهاجرين داخل مراكز الاعتقال بـ34 ألفاً، و740 ألف مهاجر في عموم البلاد. وبعيداً عن تضارب الأرقام تمكنت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي من تسفير عدد من المهاجرين إلى موطن آخر خلال الأشهر الماضية.

- القتل بثمن
أوضاع المهاجرين غير النظاميين في هذا البلد الغني بالنفط، والذي يعاني الفوضى منذ إسقاط نظام العقيد القذافي عام 2011، تختلف حاليا عمّا قبلها. ففي السابق كانت عصابات التهريب والميليشيات المسلحة تتعامل معهم على أنهم سلعة تباع وتشترى... أما الآن فقد أضيف إلى هذا الوضع اللاإنساني بُعد آخر أشد مأساوية، يتمثل في إجبار الأشِداء من نزلاء مراكز الإيواء على الخدمة في الحرب، وإغراء الطُلقاء منهم بالمال لحمل السلاح وتقدم الخطوط الأمامية.
بعض من هذه التفاصيل يرويها مبارك أحمد يوسف، وهو مواطن سوداني جيء به من مدينة زوارة (على شاطئ البحر الأبيض المتوسط غرب البلاد) مع 32 آخرين إلى الضاحية الجنوبية للعاصمة لخوض الحرب على أحد محاور القتال. يقول مبارك (18 عاماً): «دخلت ليبيا قبل سنتين عن طريق حدود تشاد على أمل الهجرة إلى إيطاليا، وظللت أتنقل بين مدن المنطقة الغربية إلى أن وصلت زوارة، وبدأت أعمل في مهن كثيرة لجمع المال اللازم للسفر، إلى أن اتصل بي شخص سوداني يدعى زكريا، وقال لي: تعال فيه شغل كويس، وفلوس كويس... فيه حرب!».
وقصة المهاجر السوداني، الذي دخل المعركة تحت إغراء المال، تختلف عن مهاجرين آخرين «أُجبروا عليها»، واختارت لهم الميليشيات المسلحة أن يكونوا في الخطوط الخليفة، «خوفاً من عدم ولائهم»، وهو ما كشف عنه مسؤول كبير بجهاز الهجرة غير النظامية بغرب البلاد، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «للأسف الميليشيات تعتمد على بعض المهاجرين في الحرب، حيث تجبرهم على نقل العتاد الحربي وصناديق الذخيرة إلى محاور القتال المتعددة، ومن يرفض يتعرض للإيذاء الشديد، وربما القتل».
ويستكمل مبارك السوداني، الذي يخضع للتحقيق الآن بمديرية أمن مدينة صبراتة، في مقطع فيديو مصور، بعد ضبطه في إحدى البوابات الأمنية بالمدينة: «تركنا زوارة، وذهبت أنا وشخص آخر اسمه أبو بكر، وبعد يومين وصلنا إلى بئر الغنم، (بلدة صغيرة تقع جنوب غربي طرابلس العاصمة) وهناك قابلنا زكريا، وشخصا آخر ليبيا كانوا ينادونه نور الدين، و32 سودانياً. أعطونا مالا وسلاحا، وخمس سيارات مصفحة، ووضعونا في أحد المواقع لمهاجمة جيش حفتر».
وروى مبارك أنه ظل يعمل في مهنة نقل وبيع السيراميك، على أمل توفير المبلغ المطلوب لاستئجار أحد الزوارق مع عدد من رفقائه للانتقال إلى أوروبا. لكن حلمه بالانتقال إلى أوروبا تأجل بسبب «الشغل في الحرب». يضيف مبارك موضحا أجواء الاشتغال في الحرب: «الذي يضرب بسلاح خفيف كانوا يمنحونه ألفي دينار كل 15 يوماً (1.282 يورو)، والذي يضرب بسلاح ثقيل أربعة آلاف» (2.564 يورو). بقينا على هذه الحال أسبوعين، وكان معنا 10 ليبيين، وفي الليل هاجمنا الطيران وضربنا صواريخ، فمات 5 سودانيين، واثنان ليبيان. بعدها حفروا حفرة كبيرة ودفنوا السودانيين، وأخذوا الجثتين، وتركونا ورحلوا».

- جحيم الخطوط الخلفية
وأمام قصة الشاب مبارك، حكى مسؤول بجهاز الهجرة في ليبيا جانبا من تعذيب المهاجرين هناك، وقال مشترطاً عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «التجارة في المهاجرين تدّر أموالاً كبيرة لعصابات التهريب التي تتسلمهم من الحدود، وتدفع بهم إلى تجّار آخرين في صبراتة أو الخُمس أو الزاوية، والحال تختلف لمن يدخل منهم طرابلس ويقع في قبضة الميليشيات».
وزاد موضحا: «في الأشهر الماضية وجدنا أن مهاجرين كثيرين، رجالاً ونساءً، يتم إخراجهم ليلاً من مراكز الإيواء... الرجال يُعتدى عليهم بعنف، وقد يصل الأمر إلى حرقهم بالنار، وتصويرهم وإرسال تلك الصور إلى أُسرهم بهدف ابتزازهم للحصول على دولارات. أمّا النساء فيخضعن لعمليات اعتداء جنسي، قبل أن يتم إعادتهن قبل طلوع النهار إلى مراكز الاعتقال مرة ثانية»، مضيفا: «عندما دخلت علينا الحرب بدأت الاستعانة ببعض المهاجرين في مساعدة المتحاربين على جبهات القتال، ومن يرفض تنفيذ الأوامر فلا يعلم أحد مصيره إلا الله».
شهادة المسؤول الليبي، بقدر ما كشفت من جرائم بحق المهاجرين، وجدت من يؤيدها ويدلل عليها من اتجاهين: الأول رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد عبد الحكيم حمزة، الذي رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن أي من القوتين المتحاربتين تستخدم المهاجرين في الحرب، بقوله: «قوات تابعة لـ(الجيش الوطني) ضالعة باستهداف المهاجرين في بعض مراكز الإيواء بالقصف العشوائي، وهو ما أعلنت عنه المنظمة الدولية للهجرة»، مضيفاً: «بالنسبة لاستخدام المهاجرين في أعمال عسكرية، فقوات حكومة (الوفاق) متورطة في هذا من خلال إجبارهم واستغلالهم في تنظيف الأسلحة وتذخيرها، وتزويد الدبابات بالديزل والقذائف، وهذه الأعمال المُجرّمة مرصودة بشكل واضح ومثبتة».
أما الاتجاه الثاني الذي يؤكد الفكرة نفسها، فيتمثل في صالح قريسيعة، المسؤول الإعلامي السابق لغرفة مكافحة «داعش» في صبراتة، الذي قال في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إن «الميليشيات المسلحة تستغل المهاجرين الآن في تقديم الخدمات اللوجيستية للمحاربين، مثل نقل العتاد من محور قتالي إلى آخر، وتنظيف المعسكرات الحربية (المبِيت) لقوات (الوفاق)»، مبرزا أن «الميليشيات تغري بعض المهاجرين بالأموال، أو تعدهم بالسفر إلى أوروبا»، وأضاف قريسيعة: «المجموعات المسلحة تفضّل إبعاد المهاجرين المُستَخدَمِين في الحرب عن الخطوط الأمامية للقتال، إمّا اتقاء عدم ولائهم، أو خوفاً من أن يُقتلوا فيفتضح أمرهم، ويقال في الإعلام إن قوات السراج تجند المهاجرين كمرتزقة».
وإضافة إلى ما كشف عنه حمزة وقريسيعة، قال قيادي عسكري في «الجيش الوطني» لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر تجاوز تسخير المهاجرين في العمل بالمزارع والاستراحات الخاصة لقادة الميليشيات وأصدقائهم، أو ابتزاز أسرهم مالياً، ووصل الآن للدفع بأعداد منهم إلى جبهة القتال لمحاربتنا بمقابل الأموال».
وذهب القيادي العسكري إلى أن «سوق النخاسة منصوبة دائماً للمهاجرين، خاصة الجنسيات الأفريقية... فهم عمالة رخيصة، وهذه النوعية من المهاجرين تستغلها الميليشيات مقابل منحهم الأكل والشراب. لكن بعد العملية العسكرية وجدناهم يعملون في نقل وتفريغ المعدات الحربية، وفي ورشات اللحام وصيانة المدرعات، وفي تجهيز الدشم الرملية أمام المقاتلين».
وعقب اندلاع حرب طرابلس، تعرضت مراكز احتجاز المهاجرين، الواقعة في طرابلس، وما حولها، لقصف عشوائي، وهو ما دفع منظمات دولية إلى مطالبة المتحاربين بتجنيب المهاجرين ويلات القصف. كما تعرّض مركز الاحتجاز في مدينة تاجوراء (15 كيلومتراً شرق طرابلس) إلى قصف جوي مطلع يوليو (تموز) الماضي، خلّف 53 قتيلاً على الأقل، و130 جريحاً.
والحقيقة أن قصة المهاجر السوداني مبارك ليست الوحيدة. فقد كشفت الأوضاع في العاصمة عن نماذج كثيرة لمهاجرين ومرتزقة أفارقة، دُفع بهم إلى حرب طرابلس. من بين هؤلاء مواطن تشادي يدعى «البقر»، ضبط في منطقة السراج (أحد أحياء طرابلس)، واعترف في تسجيل صوتي أنه يعمل مع قوات أسامة الجويلي (آمر المنطقة العسكرية الغربية في حكومة «الوفاق»).
وضبط عدد من أهالي منطقة السراج «البقر» في السابع من سبتمبر الماضي مرتدياً زياً عسكرياً، وعثروا في غرفة يقطنها على سلاح «كلاشنيكوف» وذخيرة، واعترف أنه هو ومجموعة من الشباب التشاديين اشتركوا في الحرب، بمساعدة شخص يدعى محمد التباوي.

- مهاجرون بسيارات عسكرية
رواية القائد العسكري، ومن تم ضبطهم من المهاجرين الأفارقة، تجدها مجسدة في بعض أحياء العاصمة، وخاصة منطقة الكريمية المحاذية لمنطقة السواني، وطريق المطار من الجهة الشرقية للعاصمة، معقل قوات حكومة «الوفاق».
فهناك اعتاد المواطنون على رؤية المهاجرين المرتزقة، من أصحاب البشرة الداكنة، وهم يتجولون بالسلاح في الشوارع، وفي هذا السياق يقول الناشط المدني حميد الوافي لـ«الشرق الأوسط»: «أثناء النهار يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، فتجدهم يتجولون بسيارات عسكرية في سوق الكريمية لشراء ما يلزمهم من الطعام، وأغلبهم من دولة تشاد».
غير أنها للمرة الأولى، منذ أن عرفت ليبيا تسرّب المهاجرين غير النظاميين عبر حدودها يتم إطلاق مئات المحتجزين منهم في مراكز الإيواء إلى شوارع العاصمة، بعد تعرض معسكراتهم للقصف، وبعدما أمر وزير الداخلية بحكومة «الوفاق» فتحي باشاغا، بإغـلاق مراكز مصراتة وتاجوراء والخمس، وهو ما رآه البعض أنه يمثل خطورة عليهم، ويجعل منهم فريسة لـ«سماسرة الحرب». لكن عميد طرابلس عبد الرؤوف بيت المال رأى عكس ذلك، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن وجود المهاجرين بمفردهم في الشوارع «لا يمثل أي خطورة عليهم».
وعلى عكس كل التقارير الدولية التي ترصد انتهاكات واسعة ترتكبها الميليشيات بحق المهاجرين، رأى «بيت المال»، الذي سبق أن خطفته الميليشيات المسلحة في مارس (آذار) 2018 «أن كل الأخبار المنقولة عن المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا مبالغ فيها، وتفتقد للدقة».
ورغم أن بلدية طرابلس شنت حملة لمناهضة ظاهرة التسول في شوارع المدينة، وضبطت عشرات المهاجرين وهم يستجدون المارة، فإن «بيت المال» قال إن أعدادهم، التي قدرها رئيس الجهاز نفسه بـ700 ألف شخصا «مبالغ فيها... وبالتأكيد لا يعيشون كلهم في طرابلس»!
وفي الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) حتى أغسطس (آب) الماضيين، أوقفت السلطات الأمنية بغرب البلاد 8813 مهاجراً في 28 سجناً من السجون الرسمية، التي تشرف عليها وزارة العدل، وكذلك في مرافق تديرها مباشرة الميليشيات، ولم تتح لهؤلاء المحتجزين فرصة للطعن في مشروعية احتجازهم.
وبخصوص المخاطر التي تتهدد المهاجرين في شوارع طرابلس، رأى الليبي محمود الطوير، المستشار بالأكاديمية العربية الأوروبية، والمهتم بقضايا حقوق الإنسان في بلاده، أنها «ما زالت قائمة». وبسؤاله عن مصير مجموعة المهاجرين الذين تم إخراجهم من مراكز للإيواء بعد إخلائها، عقب قصفها، قال الطوير لـ«الشرق الأوسط»: «لقد نُقلوا إلى مركز آخر لتجميع المهاجرين، يتبع مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس، بعدما وعدتهم بنقلهم إلى أوروبا».
واستدرك الطوير: «المؤسف أنه لم يرحّلوا في حينها... وهو ما دفع بعضهم للهرب من مركز التجميع، بسبب بطء الإجراءات»، التي قال إنها «قد تستغرق أكثر من سنتين».
وعلى عكس ما ذهب إليه «بيت المال»، قال الطوير إن خروج هؤلاء المهاجرين إلى شوارع العاصمة، يمثل خطورة عليهم، وزاد موضحا: «طبعا... طرابلس تعيش حالة حرب، وسيتم استغلالهم من طرف عصابات التهريب وتجارة البشر في (ركوب البحر). وبالتالي لا بد من حمايتهم».
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد قال في آخر تقاريره، إنه تم تقديم الدعم لإجلاء أو إعادة توطين ألف و297 لاجئاً إلى خارج ليبيا، كما غادر 1465 لاجئاً عبر مرفق التجميع والمغادرة في طرابلس.

- اتهامات متبادلة
وباتت قضية استغلال المهاجرين غير النظاميين في ليبيا ككرة لهب، يلقي بها كل طرف في وجه الآخر لإبراء ذمته. وأمام اتهام قيادات بـ«الجيش الوطني» لقوات «الوفاق» بتجنيد المهاجرين للحرب جبراً، أو تحت إغراء المال، ردت الأخيرة بأن قيادات الجيش، الذي يقوده حفتر، متورطة باستخدام أفارقة وعناصر من شركة (فاغنر) الروسية، كمرتزقة في الحرب، ودللت على اتهاماتها بالقضية المتداولة بمحكمة مكافحة الإرهاب بالخرطوم (شمال)، التي يواجه فيها أحد أفراد قوات الدعم السريع بالسودان اتهامات بتدريب شباب للمشاركة في القتال مع (قوات حفتر) داخل ليبيا.
وكشفت عملية «بركان الغضب»، التابعة لقوات «الوفاق»، للمرة الأولى أن «عدداً من هؤلاء الشباب المتورطين وقع في قبضة قواتها خلال عملية (تحرير) مدينة غريان، وهم قيد التحقيق الآن»، وزادت موضحة: «المتهمون شرعوا في محاولة ‏إرسال نحو ألف شاب سوداني للقتال إلى جانب حفتر، وضبطت ‏بحوزتهم مركبات دفع رباعي ومبالغ مالية بالدينار الليبي».
ونشرت وسائل إعلام سودانية أن محكمة مكافحة الإرهاب بالخرطوم، برئاسة ‏معاوية محمد عبد الله، طالبت قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دلقو (حميدتي) لإحضار أحد ‏منسوبيه للمثول أمام المحكمة في قضية المتهمين بتدريب شباب للمشاركة في القتال مع (قوات حفتر) بطرابلس.
وبموازاة اتهامات «الخصوم» في ليبيا، استغل عبد الهادي الحويج، وزير الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة المؤقتة بـ(شرق ليبيا)، افتتاحه لمكتبة أطلق عليها اسم السفير الأميركي الراحل «كريستوفر ستيفنز»، بمركز إيواء قنفودة للهجرة غير الشرعية غرب مدينة بنغازي، وقال إن «المهاجرين في المناطق التي تبسط حكومته سيادتها عليها في مأمن، وبعيداً عن البيع والشراء، ولا يزج بهم في الحروب، أو يُرمون في البحر». في إشارة إلى أوضاعهم في طرابلس. واعتقلت قوات الدعم السريع السودانية 138 من جنسيات أفريقية مختلفة عند نقطة التقاء الحدود السودانية مع السودان وتشاد، عندما كانوا يحاولون دخول ليبيا بشكل غير شرعي في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي.

- تعفن الجثث
المصير المأسوي الذي يلقاه كثير من المهاجرين في ليبيا، سواء دخل مقار احتجازهم أو خارجها، يدفعهم مجبرين إلى التخطيط مع سماسرة الهجرة لـ(رحلة الخلاص)، حتى وإن دفعوا حياتهم ثمناً لذلك. فلا هدف أثمن لديهم الآن من اللحاق بذويهم الذين سبقوهم إلى أوروبا عبر رحلات تخللتها رائحة الموت. في هذا السياق، تحدث ليونارد دويل، الناطق باسم المنظمة الدولية للهجرة، عن ارتفاع ضحايا الغرق بين المهاجرين في البحر المتوسط إلى 994 من الرجال والنساء والأطفال خلال عام 2019. وأرجع ارتفاع هذا العدد إلى «العداء الصريح للمهاجرين الفارين من العنف والفقر».
واحدة من هذه الرحلات المميتة انتهت على شواطئ ميناء مدينة الخمس (120 كيلومتراً شرق مدينة طرابلس) نهاية يوليو الماضي، قضى فيها قرابة 150 مهاجراً، بعدما التهم البحر من ركابها ما اشتهى ولفظ ما تبقى، إلى الحد الذي دفع المفوض الأعلى للاجئين في الأمم المتحدة فيليبو غراندي للكتابة على «تويتر»: «أسوأ مأساة في البحر المتوسط هذا العام حصلت للتوّ»... وفي أعقاب ذلك ظلت أمواج «المتوسط» تلفظ جثثاً على مدار ثلاثة أيام، ظلت قرابة عشرة أيام ملقاة على جانبي شوارع بالمدينة، لم تجد من يواريها الثرى.
ورغم مضي أكثر من شهرين على هذه المأساة، فإن أجواءها لا تزال حاضرة في أذهاب مواطني الخمس ومعاونين لجمعية الهلال الأحمر الليبي، الذين ساهموا في رفع بعض منها بعد أن طمستها رمال الشاطئ.
يتذكر صالح قريسيعة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» هذا الحادثة المأساوية: «انتشلنا عشرات الجثث، ولاحظنا أنها لمهاجرين أفارقة نعرف بعضهم... كانوا يعيشون بيننا في مدن مثل صبراتة وزارة، وغيرها، لكن يبدو أنهم قرروا الهروب من الجحيم، فوقعوا فريسة لسماسرة الموت».
في تلك الأثناء، تعالت صيحات الاستغاثات والمناشدات الإنسانية، فالجثث المبعثرة في الشوارع وأمام المجلس البلدي بالخمس، أوشكت على التحلل والتعفن، وسط درجة حرارة الطقس التي تجاوزت الأربعين، وحينها كتب عبد المنعم الحر، الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان بليبيا، وابن مدينة الخمس، على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قائلا: «عشرة أيام متتالية والجثث على حالها، والأهالي يرفضون دفنها في مقابرهم الخاصة، والمدينة لا تتوفر على مقبرة خاصة للمهاجرين أسوة بمدن أخرى، والسلطات المحلية عاجزة تماماً عن القيام بواجبها، يجب محاسبتها على تقصيرها وتقديمها للعدالة».

* «حصل هذا الإنتاج على دعم جائزة إعلام الهجرة  Migration Media Award الممولة من الاتحاد الأوروبي. والمعلومات والآراء الواردة في هذا الإنتاج هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الرأي الرسمي للاتحاد الأوروبي. ولا تتحمل مؤسسات وهيئات الاتحاد الأوروبي ولا أي شخص يتصرف نيابة عنها مسؤولية استخدام المعلومات الواردة فيه». 


مقالات ذات صلة

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
أوروبا التصويت على المقترحات التشريعية خلال جلسة عامة للبرلمان الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يوافق على إنشاء مراكز لإرسال المهاجرين إلى خارج التكتل

مهّد المشرعون الأوروبيون الطريق أمام تشديد العقوبات على المهاجرين غير النظاميين مع إمكانية ترحيلهم إلى ما يسمى «مراكز العودة» خارج الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

عبَّرت تونس عن تطلعها إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أفريقيا مهاجرون إثيوبيون يسيرون على شواطئ رأس العارة في اليمن بعد نزولهم من قارب... 26 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

عدد قياسي من المهاجرين المفقودين في البحر الأحمر خلال 2025

أفادت «المنظمة الدولية للهجرة» التابعة للأمم المتحدة اليوم (الأربعاء) بمقتل أو فقدان أكثر من 900 مهاجر في البحر الأحمر خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

«الدولية للحقوقيين» تطالب السلطات الليبية بوقف «الانتهاكات ضد الأجانب»

عبّرت «اللجنة الدولية للحقوقيين» عن «قلقها لتقاعس السلطات الليبية عن قبول كثير من التوصيات المتعلقة بحقوق الإنسان للمهاجرين بما في ذلك إنهاء احتجازهم التعسفي»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.