المهاجرون غير النظاميين... ورقة المتقاتلين في حرب طرابلس

هروب من جحيم الاستغلال والسخرة في ليبيا إلى ظلمات «المتوسط»

مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية بداية الشهر الحالي خلال محاولتهم الهرب من ليبيا (أ.ف.ب)
مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية بداية الشهر الحالي خلال محاولتهم الهرب من ليبيا (أ.ف.ب)
TT

المهاجرون غير النظاميين... ورقة المتقاتلين في حرب طرابلس

مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية بداية الشهر الحالي خلال محاولتهم الهرب من ليبيا (أ.ف.ب)
مهاجرون غير شرعيين أنقذتهم القوات البحرية الليبية بداية الشهر الحالي خلال محاولتهم الهرب من ليبيا (أ.ف.ب)

طرح البحر أجسادهم على الشاطئ الرملي، فتبعثرت جثثهم على جانبي شوارع مدينة الخُمس، (120 كيلومتراً شرق طرابلس) حتى تحلل بعضها وتعفّن، في واقعة وُصفت بأنها «الأكثر مأساوية» للمهاجرين غير النظاميين في ليبيا خلال العام الحالي، لتكشف عن واقع مؤلم يحيط بالآلاف منهم، سواء كانوا داخل أماكن احتجاز رسمية، أو طُلقاء. غير أن هذه المخاطر التي تكشّفت لـ«الشرق الأوسط» تضاعفت منذ اندلاع الحرب على العاصمة طرابلس قبل ستة أشهر من الآن.
فصل من فصول معاناة هؤلاء المهاجرين يمتد من أطراف الصحراء الليبية المترامية مع تشاد والنيجر، ومصر والسودان، إلى أن يقع المئات منهم أسرى في قبضة عصابات التهريب والميلشيات المسلحة في طرابلس وغيرها، عبر رحلة دامية، يتخللها التعذيب النفسي والبدني، ولا تخلو من الابتزاز والاعتداء الجنسي والسخرة.
بعض الجثث، التي لم تُوار الثرى طوال أيام عدة، وظلت في عراء شوارع الخُمس، تبين قبل شهرين تقريباً، أنها تعود لمواطنين من جنسيات أفريقية وآسيوية مختلفة يتعايشون رغم قسوة سجّانيهم داخل عنابر ضيقة مسقوفة بألواح الخشب ورقائق الصاج، يُطلق عليها محلياً اسم «كمبوهات»، بينهم نساء وأطفال، مات منهم من مات في معارك دامية بين عصابات التهريب، ونجا منهم من قدّر له أن يعيش، كي يموت ثانية إمّا بفعل ضربات أمواج البحر المتوسط، أو في الصفوف الخلفية لحرب طرابلس.
ليس هناك فروق كبيرة في حجم المعاناة بين المهاجرين الطُلقاء في شوارع العاصمة وباقي المدن، ومن هم رهن الاعتقال داخل مركز للإيواء. غير أن الصِنف الأخير زادت مآسيه مع اشتعال الحرب المُستعرة بين «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وقوات حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج، بعدما سُخّر المئات منهم لخدمة المعركة العسكرية، بجانب وقوع معسكراتهم الرسمية في مرمي نيران القصف المدفعي المتبادل، مما أوقع عشرات القتلى والمصابين منهم.
وفي ظل افتقاد ليبيا إحصائيات رسمية، قال العقيد المبروك عبد الحفيظ، رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، إن عدد المهاجرين غير النظاميين الطُلقاء داخل البلاد يقدر بـ700 ألف، بالإضافة إلى سبعة آلاف آخرين محتجزين داخل مراكز الاعتقال بمدن الغرب الليبي.
وقبل قرابة عام أحصى غسان سلامة المبعوث الأممي لدى ليبيا عدد المهاجرين داخل مراكز الاعتقال بـ34 ألفاً، و740 ألف مهاجر في عموم البلاد. وبعيداً عن تضارب الأرقام تمكنت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي من تسفير عدد من المهاجرين إلى موطن آخر خلال الأشهر الماضية.

- القتل بثمن
أوضاع المهاجرين غير النظاميين في هذا البلد الغني بالنفط، والذي يعاني الفوضى منذ إسقاط نظام العقيد القذافي عام 2011، تختلف حاليا عمّا قبلها. ففي السابق كانت عصابات التهريب والميليشيات المسلحة تتعامل معهم على أنهم سلعة تباع وتشترى... أما الآن فقد أضيف إلى هذا الوضع اللاإنساني بُعد آخر أشد مأساوية، يتمثل في إجبار الأشِداء من نزلاء مراكز الإيواء على الخدمة في الحرب، وإغراء الطُلقاء منهم بالمال لحمل السلاح وتقدم الخطوط الأمامية.
بعض من هذه التفاصيل يرويها مبارك أحمد يوسف، وهو مواطن سوداني جيء به من مدينة زوارة (على شاطئ البحر الأبيض المتوسط غرب البلاد) مع 32 آخرين إلى الضاحية الجنوبية للعاصمة لخوض الحرب على أحد محاور القتال. يقول مبارك (18 عاماً): «دخلت ليبيا قبل سنتين عن طريق حدود تشاد على أمل الهجرة إلى إيطاليا، وظللت أتنقل بين مدن المنطقة الغربية إلى أن وصلت زوارة، وبدأت أعمل في مهن كثيرة لجمع المال اللازم للسفر، إلى أن اتصل بي شخص سوداني يدعى زكريا، وقال لي: تعال فيه شغل كويس، وفلوس كويس... فيه حرب!».
وقصة المهاجر السوداني، الذي دخل المعركة تحت إغراء المال، تختلف عن مهاجرين آخرين «أُجبروا عليها»، واختارت لهم الميليشيات المسلحة أن يكونوا في الخطوط الخليفة، «خوفاً من عدم ولائهم»، وهو ما كشف عنه مسؤول كبير بجهاز الهجرة غير النظامية بغرب البلاد، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «للأسف الميليشيات تعتمد على بعض المهاجرين في الحرب، حيث تجبرهم على نقل العتاد الحربي وصناديق الذخيرة إلى محاور القتال المتعددة، ومن يرفض يتعرض للإيذاء الشديد، وربما القتل».
ويستكمل مبارك السوداني، الذي يخضع للتحقيق الآن بمديرية أمن مدينة صبراتة، في مقطع فيديو مصور، بعد ضبطه في إحدى البوابات الأمنية بالمدينة: «تركنا زوارة، وذهبت أنا وشخص آخر اسمه أبو بكر، وبعد يومين وصلنا إلى بئر الغنم، (بلدة صغيرة تقع جنوب غربي طرابلس العاصمة) وهناك قابلنا زكريا، وشخصا آخر ليبيا كانوا ينادونه نور الدين، و32 سودانياً. أعطونا مالا وسلاحا، وخمس سيارات مصفحة، ووضعونا في أحد المواقع لمهاجمة جيش حفتر».
وروى مبارك أنه ظل يعمل في مهنة نقل وبيع السيراميك، على أمل توفير المبلغ المطلوب لاستئجار أحد الزوارق مع عدد من رفقائه للانتقال إلى أوروبا. لكن حلمه بالانتقال إلى أوروبا تأجل بسبب «الشغل في الحرب». يضيف مبارك موضحا أجواء الاشتغال في الحرب: «الذي يضرب بسلاح خفيف كانوا يمنحونه ألفي دينار كل 15 يوماً (1.282 يورو)، والذي يضرب بسلاح ثقيل أربعة آلاف» (2.564 يورو). بقينا على هذه الحال أسبوعين، وكان معنا 10 ليبيين، وفي الليل هاجمنا الطيران وضربنا صواريخ، فمات 5 سودانيين، واثنان ليبيان. بعدها حفروا حفرة كبيرة ودفنوا السودانيين، وأخذوا الجثتين، وتركونا ورحلوا».

- جحيم الخطوط الخلفية
وأمام قصة الشاب مبارك، حكى مسؤول بجهاز الهجرة في ليبيا جانبا من تعذيب المهاجرين هناك، وقال مشترطاً عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «التجارة في المهاجرين تدّر أموالاً كبيرة لعصابات التهريب التي تتسلمهم من الحدود، وتدفع بهم إلى تجّار آخرين في صبراتة أو الخُمس أو الزاوية، والحال تختلف لمن يدخل منهم طرابلس ويقع في قبضة الميليشيات».
وزاد موضحا: «في الأشهر الماضية وجدنا أن مهاجرين كثيرين، رجالاً ونساءً، يتم إخراجهم ليلاً من مراكز الإيواء... الرجال يُعتدى عليهم بعنف، وقد يصل الأمر إلى حرقهم بالنار، وتصويرهم وإرسال تلك الصور إلى أُسرهم بهدف ابتزازهم للحصول على دولارات. أمّا النساء فيخضعن لعمليات اعتداء جنسي، قبل أن يتم إعادتهن قبل طلوع النهار إلى مراكز الاعتقال مرة ثانية»، مضيفا: «عندما دخلت علينا الحرب بدأت الاستعانة ببعض المهاجرين في مساعدة المتحاربين على جبهات القتال، ومن يرفض تنفيذ الأوامر فلا يعلم أحد مصيره إلا الله».
شهادة المسؤول الليبي، بقدر ما كشفت من جرائم بحق المهاجرين، وجدت من يؤيدها ويدلل عليها من اتجاهين: الأول رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد عبد الحكيم حمزة، الذي رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن أي من القوتين المتحاربتين تستخدم المهاجرين في الحرب، بقوله: «قوات تابعة لـ(الجيش الوطني) ضالعة باستهداف المهاجرين في بعض مراكز الإيواء بالقصف العشوائي، وهو ما أعلنت عنه المنظمة الدولية للهجرة»، مضيفاً: «بالنسبة لاستخدام المهاجرين في أعمال عسكرية، فقوات حكومة (الوفاق) متورطة في هذا من خلال إجبارهم واستغلالهم في تنظيف الأسلحة وتذخيرها، وتزويد الدبابات بالديزل والقذائف، وهذه الأعمال المُجرّمة مرصودة بشكل واضح ومثبتة».
أما الاتجاه الثاني الذي يؤكد الفكرة نفسها، فيتمثل في صالح قريسيعة، المسؤول الإعلامي السابق لغرفة مكافحة «داعش» في صبراتة، الذي قال في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إن «الميليشيات المسلحة تستغل المهاجرين الآن في تقديم الخدمات اللوجيستية للمحاربين، مثل نقل العتاد من محور قتالي إلى آخر، وتنظيف المعسكرات الحربية (المبِيت) لقوات (الوفاق)»، مبرزا أن «الميليشيات تغري بعض المهاجرين بالأموال، أو تعدهم بالسفر إلى أوروبا»، وأضاف قريسيعة: «المجموعات المسلحة تفضّل إبعاد المهاجرين المُستَخدَمِين في الحرب عن الخطوط الأمامية للقتال، إمّا اتقاء عدم ولائهم، أو خوفاً من أن يُقتلوا فيفتضح أمرهم، ويقال في الإعلام إن قوات السراج تجند المهاجرين كمرتزقة».
وإضافة إلى ما كشف عنه حمزة وقريسيعة، قال قيادي عسكري في «الجيش الوطني» لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر تجاوز تسخير المهاجرين في العمل بالمزارع والاستراحات الخاصة لقادة الميليشيات وأصدقائهم، أو ابتزاز أسرهم مالياً، ووصل الآن للدفع بأعداد منهم إلى جبهة القتال لمحاربتنا بمقابل الأموال».
وذهب القيادي العسكري إلى أن «سوق النخاسة منصوبة دائماً للمهاجرين، خاصة الجنسيات الأفريقية... فهم عمالة رخيصة، وهذه النوعية من المهاجرين تستغلها الميليشيات مقابل منحهم الأكل والشراب. لكن بعد العملية العسكرية وجدناهم يعملون في نقل وتفريغ المعدات الحربية، وفي ورشات اللحام وصيانة المدرعات، وفي تجهيز الدشم الرملية أمام المقاتلين».
وعقب اندلاع حرب طرابلس، تعرضت مراكز احتجاز المهاجرين، الواقعة في طرابلس، وما حولها، لقصف عشوائي، وهو ما دفع منظمات دولية إلى مطالبة المتحاربين بتجنيب المهاجرين ويلات القصف. كما تعرّض مركز الاحتجاز في مدينة تاجوراء (15 كيلومتراً شرق طرابلس) إلى قصف جوي مطلع يوليو (تموز) الماضي، خلّف 53 قتيلاً على الأقل، و130 جريحاً.
والحقيقة أن قصة المهاجر السوداني مبارك ليست الوحيدة. فقد كشفت الأوضاع في العاصمة عن نماذج كثيرة لمهاجرين ومرتزقة أفارقة، دُفع بهم إلى حرب طرابلس. من بين هؤلاء مواطن تشادي يدعى «البقر»، ضبط في منطقة السراج (أحد أحياء طرابلس)، واعترف في تسجيل صوتي أنه يعمل مع قوات أسامة الجويلي (آمر المنطقة العسكرية الغربية في حكومة «الوفاق»).
وضبط عدد من أهالي منطقة السراج «البقر» في السابع من سبتمبر الماضي مرتدياً زياً عسكرياً، وعثروا في غرفة يقطنها على سلاح «كلاشنيكوف» وذخيرة، واعترف أنه هو ومجموعة من الشباب التشاديين اشتركوا في الحرب، بمساعدة شخص يدعى محمد التباوي.

- مهاجرون بسيارات عسكرية
رواية القائد العسكري، ومن تم ضبطهم من المهاجرين الأفارقة، تجدها مجسدة في بعض أحياء العاصمة، وخاصة منطقة الكريمية المحاذية لمنطقة السواني، وطريق المطار من الجهة الشرقية للعاصمة، معقل قوات حكومة «الوفاق».
فهناك اعتاد المواطنون على رؤية المهاجرين المرتزقة، من أصحاب البشرة الداكنة، وهم يتجولون بالسلاح في الشوارع، وفي هذا السياق يقول الناشط المدني حميد الوافي لـ«الشرق الأوسط»: «أثناء النهار يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، فتجدهم يتجولون بسيارات عسكرية في سوق الكريمية لشراء ما يلزمهم من الطعام، وأغلبهم من دولة تشاد».
غير أنها للمرة الأولى، منذ أن عرفت ليبيا تسرّب المهاجرين غير النظاميين عبر حدودها يتم إطلاق مئات المحتجزين منهم في مراكز الإيواء إلى شوارع العاصمة، بعد تعرض معسكراتهم للقصف، وبعدما أمر وزير الداخلية بحكومة «الوفاق» فتحي باشاغا، بإغـلاق مراكز مصراتة وتاجوراء والخمس، وهو ما رآه البعض أنه يمثل خطورة عليهم، ويجعل منهم فريسة لـ«سماسرة الحرب». لكن عميد طرابلس عبد الرؤوف بيت المال رأى عكس ذلك، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن وجود المهاجرين بمفردهم في الشوارع «لا يمثل أي خطورة عليهم».
وعلى عكس كل التقارير الدولية التي ترصد انتهاكات واسعة ترتكبها الميليشيات بحق المهاجرين، رأى «بيت المال»، الذي سبق أن خطفته الميليشيات المسلحة في مارس (آذار) 2018 «أن كل الأخبار المنقولة عن المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا مبالغ فيها، وتفتقد للدقة».
ورغم أن بلدية طرابلس شنت حملة لمناهضة ظاهرة التسول في شوارع المدينة، وضبطت عشرات المهاجرين وهم يستجدون المارة، فإن «بيت المال» قال إن أعدادهم، التي قدرها رئيس الجهاز نفسه بـ700 ألف شخصا «مبالغ فيها... وبالتأكيد لا يعيشون كلهم في طرابلس»!
وفي الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) حتى أغسطس (آب) الماضيين، أوقفت السلطات الأمنية بغرب البلاد 8813 مهاجراً في 28 سجناً من السجون الرسمية، التي تشرف عليها وزارة العدل، وكذلك في مرافق تديرها مباشرة الميليشيات، ولم تتح لهؤلاء المحتجزين فرصة للطعن في مشروعية احتجازهم.
وبخصوص المخاطر التي تتهدد المهاجرين في شوارع طرابلس، رأى الليبي محمود الطوير، المستشار بالأكاديمية العربية الأوروبية، والمهتم بقضايا حقوق الإنسان في بلاده، أنها «ما زالت قائمة». وبسؤاله عن مصير مجموعة المهاجرين الذين تم إخراجهم من مراكز للإيواء بعد إخلائها، عقب قصفها، قال الطوير لـ«الشرق الأوسط»: «لقد نُقلوا إلى مركز آخر لتجميع المهاجرين، يتبع مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس، بعدما وعدتهم بنقلهم إلى أوروبا».
واستدرك الطوير: «المؤسف أنه لم يرحّلوا في حينها... وهو ما دفع بعضهم للهرب من مركز التجميع، بسبب بطء الإجراءات»، التي قال إنها «قد تستغرق أكثر من سنتين».
وعلى عكس ما ذهب إليه «بيت المال»، قال الطوير إن خروج هؤلاء المهاجرين إلى شوارع العاصمة، يمثل خطورة عليهم، وزاد موضحا: «طبعا... طرابلس تعيش حالة حرب، وسيتم استغلالهم من طرف عصابات التهريب وتجارة البشر في (ركوب البحر). وبالتالي لا بد من حمايتهم».
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد قال في آخر تقاريره، إنه تم تقديم الدعم لإجلاء أو إعادة توطين ألف و297 لاجئاً إلى خارج ليبيا، كما غادر 1465 لاجئاً عبر مرفق التجميع والمغادرة في طرابلس.

- اتهامات متبادلة
وباتت قضية استغلال المهاجرين غير النظاميين في ليبيا ككرة لهب، يلقي بها كل طرف في وجه الآخر لإبراء ذمته. وأمام اتهام قيادات بـ«الجيش الوطني» لقوات «الوفاق» بتجنيد المهاجرين للحرب جبراً، أو تحت إغراء المال، ردت الأخيرة بأن قيادات الجيش، الذي يقوده حفتر، متورطة باستخدام أفارقة وعناصر من شركة (فاغنر) الروسية، كمرتزقة في الحرب، ودللت على اتهاماتها بالقضية المتداولة بمحكمة مكافحة الإرهاب بالخرطوم (شمال)، التي يواجه فيها أحد أفراد قوات الدعم السريع بالسودان اتهامات بتدريب شباب للمشاركة في القتال مع (قوات حفتر) داخل ليبيا.
وكشفت عملية «بركان الغضب»، التابعة لقوات «الوفاق»، للمرة الأولى أن «عدداً من هؤلاء الشباب المتورطين وقع في قبضة قواتها خلال عملية (تحرير) مدينة غريان، وهم قيد التحقيق الآن»، وزادت موضحة: «المتهمون شرعوا في محاولة ‏إرسال نحو ألف شاب سوداني للقتال إلى جانب حفتر، وضبطت ‏بحوزتهم مركبات دفع رباعي ومبالغ مالية بالدينار الليبي».
ونشرت وسائل إعلام سودانية أن محكمة مكافحة الإرهاب بالخرطوم، برئاسة ‏معاوية محمد عبد الله، طالبت قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دلقو (حميدتي) لإحضار أحد ‏منسوبيه للمثول أمام المحكمة في قضية المتهمين بتدريب شباب للمشاركة في القتال مع (قوات حفتر) بطرابلس.
وبموازاة اتهامات «الخصوم» في ليبيا، استغل عبد الهادي الحويج، وزير الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة المؤقتة بـ(شرق ليبيا)، افتتاحه لمكتبة أطلق عليها اسم السفير الأميركي الراحل «كريستوفر ستيفنز»، بمركز إيواء قنفودة للهجرة غير الشرعية غرب مدينة بنغازي، وقال إن «المهاجرين في المناطق التي تبسط حكومته سيادتها عليها في مأمن، وبعيداً عن البيع والشراء، ولا يزج بهم في الحروب، أو يُرمون في البحر». في إشارة إلى أوضاعهم في طرابلس. واعتقلت قوات الدعم السريع السودانية 138 من جنسيات أفريقية مختلفة عند نقطة التقاء الحدود السودانية مع السودان وتشاد، عندما كانوا يحاولون دخول ليبيا بشكل غير شرعي في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي.

- تعفن الجثث
المصير المأسوي الذي يلقاه كثير من المهاجرين في ليبيا، سواء دخل مقار احتجازهم أو خارجها، يدفعهم مجبرين إلى التخطيط مع سماسرة الهجرة لـ(رحلة الخلاص)، حتى وإن دفعوا حياتهم ثمناً لذلك. فلا هدف أثمن لديهم الآن من اللحاق بذويهم الذين سبقوهم إلى أوروبا عبر رحلات تخللتها رائحة الموت. في هذا السياق، تحدث ليونارد دويل، الناطق باسم المنظمة الدولية للهجرة، عن ارتفاع ضحايا الغرق بين المهاجرين في البحر المتوسط إلى 994 من الرجال والنساء والأطفال خلال عام 2019. وأرجع ارتفاع هذا العدد إلى «العداء الصريح للمهاجرين الفارين من العنف والفقر».
واحدة من هذه الرحلات المميتة انتهت على شواطئ ميناء مدينة الخمس (120 كيلومتراً شرق مدينة طرابلس) نهاية يوليو الماضي، قضى فيها قرابة 150 مهاجراً، بعدما التهم البحر من ركابها ما اشتهى ولفظ ما تبقى، إلى الحد الذي دفع المفوض الأعلى للاجئين في الأمم المتحدة فيليبو غراندي للكتابة على «تويتر»: «أسوأ مأساة في البحر المتوسط هذا العام حصلت للتوّ»... وفي أعقاب ذلك ظلت أمواج «المتوسط» تلفظ جثثاً على مدار ثلاثة أيام، ظلت قرابة عشرة أيام ملقاة على جانبي شوارع بالمدينة، لم تجد من يواريها الثرى.
ورغم مضي أكثر من شهرين على هذه المأساة، فإن أجواءها لا تزال حاضرة في أذهاب مواطني الخمس ومعاونين لجمعية الهلال الأحمر الليبي، الذين ساهموا في رفع بعض منها بعد أن طمستها رمال الشاطئ.
يتذكر صالح قريسيعة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» هذا الحادثة المأساوية: «انتشلنا عشرات الجثث، ولاحظنا أنها لمهاجرين أفارقة نعرف بعضهم... كانوا يعيشون بيننا في مدن مثل صبراتة وزارة، وغيرها، لكن يبدو أنهم قرروا الهروب من الجحيم، فوقعوا فريسة لسماسرة الموت».
في تلك الأثناء، تعالت صيحات الاستغاثات والمناشدات الإنسانية، فالجثث المبعثرة في الشوارع وأمام المجلس البلدي بالخمس، أوشكت على التحلل والتعفن، وسط درجة حرارة الطقس التي تجاوزت الأربعين، وحينها كتب عبد المنعم الحر، الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان بليبيا، وابن مدينة الخمس، على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قائلا: «عشرة أيام متتالية والجثث على حالها، والأهالي يرفضون دفنها في مقابرهم الخاصة، والمدينة لا تتوفر على مقبرة خاصة للمهاجرين أسوة بمدن أخرى، والسلطات المحلية عاجزة تماماً عن القيام بواجبها، يجب محاسبتها على تقصيرها وتقديمها للعدالة».

* «حصل هذا الإنتاج على دعم جائزة إعلام الهجرة  Migration Media Award الممولة من الاتحاد الأوروبي. والمعلومات والآراء الواردة في هذا الإنتاج هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الرأي الرسمي للاتحاد الأوروبي. ولا تتحمل مؤسسات وهيئات الاتحاد الأوروبي ولا أي شخص يتصرف نيابة عنها مسؤولية استخدام المعلومات الواردة فيه». 


مقالات ذات صلة

ليبيا: «الهجرة غير النظامية» تتصدر محادثات حفتر ووزير خارجية اليونان

شمال افريقيا حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)

ليبيا: «الهجرة غير النظامية» تتصدر محادثات حفتر ووزير خارجية اليونان

تصدر ملف الهجرة غير النظامية محادثات قائد «الجيش الوطني» في شرق ليبيا المشير خليفة حفتر مع وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، السبت.

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (رويترز)

ظلوا لـ9 أيام في البحر... غرق 22 مهاجراً قبالة سواحل اليونان

لقي 22 مهاجراً مصرعهم بعدما بقوا 6 أيام عالقين في قاربهم المطاطي في البحر الأبيض المتوسط، عقب انطلاقهم من ليبيا، حسبما أفاد خفر السواحل اليوناني.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
أوروبا التصويت على المقترحات التشريعية خلال جلسة عامة للبرلمان الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يوافق على إنشاء مراكز لإرسال المهاجرين إلى خارج التكتل

مهّد المشرعون الأوروبيون الطريق أمام تشديد العقوبات على المهاجرين غير النظاميين مع إمكانية ترحيلهم إلى ما يسمى «مراكز العودة» خارج الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

عبَّرت تونس عن تطلعها إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة.

«الشرق الأوسط» (تونس)

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.