الجنرال مارك ميلي... الرئيس الجديد لأركان القوات المسلحة الأميركية

الجنرال مارك ميلي... الرئيس الجديد لأركان القوات المسلحة الأميركية

تعيينه وتولي إسبر وزارة الدفاع يضمنان ولاء «البنتاغون» لترمب
السبت - 13 صفر 1441 هـ - 12 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14928]
واشنطن: إيلي يوسف
تعيين الجنرال مارك ميلي، الرئيس الـ20 لرؤساء أركان الجيوش الأميركية المشتركة، لم يكن مفاجئاً، بل كانت المفاجئة في توقيتها، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قبل سنة تقريباً من انتهاء ولاية الجنرال جوزف دانفورد، الرئيس السابق لرؤساء الأركان، عن رغبته في تعيين ميلي رئيساً لأركان القوات المسلحة.
الجنرال ميلي الذي يحمل على كتفيه 4 نجوم، والذي أقسم اليمين الدستورية أخيراً كأرفع ضابط عسكري أميركي في الولايات المتحدة، يأتي من الجيش (أي القوات البرية)، ويخلف في رئاسة هيئة الأركان المشتركة دانفورد الآتي من قوات «المارينز»، الذي كان قد عيّنه الرئيس باراك أوباما. ويشير تاريخ رئيس الأركان الجديد العسكري طيلة 39 سنة من الخدمة إلى مشاركته في كثير من الحروب، قديمها وجديدها.



في أواخر عام 2018، كان من المتوقع أن يختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إما الجنرال مارك ميلي أو رئيس أركان القوات الجوية الجنرال ديفيد غولدفين، إلا أن روايات انتشرت في وزارة الدفاع (البنتاغون) تشير إلى أن غولدفين كان مدعوماً من دانفورد، ووزير الدفاع - آنذاك - الجنرال جيم ماتيس. غير أن تودد ميلي لترمب، وتبادله معه النكات الودية التي تخللتها نقاشات حول كيفية تقليص النفقات العسكرية المتضخمة، أقنع الرئيس باختياره في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وشكل هذا صدمة في أوساط «البنتاغون»، بالنظر إلى أنه كان ما زال أمام دانفورد 9 أشهر من الخدمة قبل أن يتقاعد.
وفعلاً، صوّت مجلس الشيوخ في يوليو (تموز) الماضي على تثبيت ميلي بـ89 صوتاً، مقابل اعتراض صوت واحد، هو السيناتور الديمقراطي جيف ميركلي (من ولاية أوريغون)، ممن حضروا الجلسة. ومع تثبيته، يكون نصف الرؤساء العشرين لرئاسة الأركان قد أتوا من الجيش (أي القوات البرّية)، و4 من القوات الجوية، و4 من القوات البحرية، و2 من قوات مشاة البحرية (المارينز).

ترمب يبعد معارضيه
وكانت الأجواء تشير كلها إلى رغبة الرئيس ترمب في إبعاد معارضي سياساته الخارجية، ونظرته إلى القوات الأميركية وتحديثها وميزانيتها، عن إدارته. ومعلوم اختلافه مع البعض حول رؤيته وفهمه للدور الذي تلعبه الولايات المتحدة على المسرح الدولي، وتمسّكه بسياسة «إنهاء التورط الأميركي» فيما يصفه بـ«الحروب اللامتناهية غير المفيدة». وعندما رشّح ميلي لهذا المنصب، فإنه ألقى بدعمه وراء تحديث القوات النووية الأميركية، والقدرات الجديدة لحرب المعلومات.
وعام 2018، عندما أعلن ترمب نيته تشكيل «قوة الفضاء»، كقوة مستقلة قائمة بذاتها إلى جانب الجيوش (أو الأسلحة) الأميركية الأربعة، عارضه دانفورد ووزير دفاعه السابق ماتيس. ولم يمض بضعة أشهر حتى أعلن ترمب نيته سحب القوات الأميركية من سوريا، مما تسبب في استقالة ماتيس من منصبه، وأفسح المجال أمام تغييرات بنيوية في قيادة «البنتاغون»، ساهمت الإطالة في تعيين بديل عنه في تعزيزها.
اليوم، يربط البعض بين التطورات الأخيرة في ملف الأزمة السورية والكشف عن أن رئيس الأركان الجديد مارك ميلي كان حاضراً مع وزير الدفاع الجديد أيضاً مارك إسبر الذي عمل لمدة سنتين معه حين كان وزيراً للجيش، خلال المكالمة الهاتفية التي جرت بين ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان. وهي المكالمة التي بحث فيها الرئيسان الأميركي والتركي العملية العسكرية التي أطلقتها تركيا في شمال سوريا. والقصد هو أن سياسات ترمب تسير الآن بتوافق تام مع قيادته العسكرية التي باتت أكثر التزاماً بتوجيهات ترمب بصفته «القائد الأعلى» للقوات الأميركية، عمّا كانت عليه في السابق.
ميلي يحظى بإعجاب ترمب
يقول أصدقاء ميلي، والأشخاص الذين عملوا معه، إن قدرته على التواصل مع ترمب هي، ببساطة، انعكاس لشخصيته كجنرال متحمس... على النقيض من دانفورد الأكثر تحفظاً. وترمب نفسه أشار إلى ذلك في أثناء حفل تقديم ميدالية الشرف، العام الماضي، عندما أشار إلى محادثات جرت مع ميلي حول تكلفة القنابل الباهظة الثمن، إذ قال الرئيس: «لقد رأيت ذلك في عينيه عندما تحدثت عن تكلفة تلك القنابل... إنه جيد في إلقائها، وجيد أيضاً في تسعيرها».
وفي عام 2016، قال ترمب: «عندما كان ميلي رئيساً لأركان الجيش، وكانت إدارته تجري بحثاً ودراسة مطولة لاختيار مسدس جديد، حينها انفجر ميلي غاضباً، وقال: سنتان لاختبار مسدس؟ وبكم؟ 17 مليون دولار؟ وقال للمكتب الاستشاري في واشنطن: أعطني 17 مليون دولار في بطاقة ائتمان، وسأتصل بشركة كابيلا الليلة لتوريد الشحنة».

سجل عسكري حافل
ووفق بطاقة التعريف الرسمية برئيس الأركان الجديد، الصادرة عن «البنتاغون»، كان مارك ميلي رئيس الأركان الـ39 في الجيش (القوات البرية)، قبل إسناد منصبه الجديد إليه في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وحسب المعلومات، شغل الجنرال ميلي عدة مناصب في القيادة والأركان في 8 فرق وقوات خاصة على مدار السنوات الـ39 الماضية، تشمل قيادة الكتيبة الأولى المشاة 506، والفرقة الثانية المشاة، واللواء الثاني، والفرقة الجبلية العاشرة، ونائب القائد العام، والفرقة 101 المحمولة جواً (الهجوم الجوي)، والقائد العام في الفيلق الثالث، والقائد العام في قيادة قوات الجيش. وفي أثناء خدمته كقائد عام للفيلق الثالث، عمل الجنرال ميلي قائداً عاماً للقيادة المشتركة لقوة المساعدة الأمنية الدولية، ونائب القائد العام للقوات الأميركية في أفغانستان. وتشمل المهام المشتركة للجنرال ميلي أيضاً مديرية عمليات الأركان المشتركة، ومساعداً عسكرياً لوزير الدفاع.

مشاركاته في العالم العربي وخارجه
شارك الجنرال ميلي في مهام القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين في شبه جزيرة سيناء بمصر، وعملية «القضية العادلة» في بنما عام 1989، وعملية «دعم الديمقراطية» في هايتي، وعملية «المسعى المشترك» في البوسنة والهرسك لتنفيذ اتفاق دايتون للسلام، كذلك عملية «حرية العراق»، و3 جولات خلال عملية «الحرية الدائمة» في أفغانستان، وكذلك في الصومال وكولومبيا. وإبان فترة خدمته العسكرية في العراق، اضطر الجنرال ميلي للنزول في مجاري الصرف الصحي المفتوحة في أبو غريب، وتعرض لنيران القنابل الصاروخية والرشاشات في مدينة الصدر، خلال الحرب التي أخذت لاحقاً طابعاً طائفياً. وينقل عنه هجومه الحاد والفظ على ضابط أميركي كبير أعلى منه، سأله عما إذا كان بإمكانه التعامل مع الوضع العسكري المتفجر والتمرد الذي تشهده مدينة بغداد، قائلاً له: «أيها الجنرال، نحن أكبر لواء متحرك لديك على الإطلاق. ركز فقط في العمل داخل مدينتك».
ومن جهة أخرى، تعرض ميلي، عندما كان رئيساً لأركان الجيش، لانتقادات من بعض أفراد فريق العمليات الخاصة بسبب الكمين الذي نصب للقوات الأميركية في النيجر عام 2017، وأودى يومذاك بحياة 4 جنود أميركيين. وقيل إن ميلي أقنع باتريك شاناهان، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع بالوكالة قبل أشهر قليلة، بالحد من عمليات المراجعة الواسعة، كما عمل على منع فصل الضابط الذي تلقى اللوم بسبب الكمين. ودافع أنصار ميلي عن ذلك بقولهم إنه اكتفى بمنع الضابط من قيادة وحدة قتالية أخرى.

اختبار العلاقة مع ترمب
سياسياً، سيكون الأمر متروكاً لميلي في التعايش مع الرئيس ترمب.
وسيكون على هذا العسكري، الذي كثيراً ما يمزج بين المزاح والجدية الفظة، إدارة ما قد يكون العلاقة الأكثر مهنية في حياته، بعدما غدا أكبر مستشار عسكري لرئيس سريع القرارات، زجّ بـ«البنتاغون» في صلب المواجهات السياسية الداخلية بشكل روتيني ودائم. وآخر تلك المواجهات ملف ما بات يعرف بـ«فضيحة أوكرانيا» التي أعلن قادة «البنتاغون» أنهم سيتعاونون فيها مع لجان التحقيق في مجلس النواب، ويقدمون الوثائق المطلوبة... التي قد تمهد لتصويت المجلس على عزل الرئيس ترمب. وهذا الأمر كان سبباً لقلة ارتياح عدد من القادة العسكريين وأركان وزارة الدفاع.
ومن ناحية ثانية، يعرف عن الجنرال ميلي إسهابه في الكلام، بجانب أنه طالب متعطش للتاريخ بشكل عام، وللتاريخ العسكري بشكل خاص. وينقل عنه استشهاده بالقديسين أوغسطينوس وتوماس الأكويني، وكذلك هنري ديفيد ثورو، في أحاديثه. وهو يرفض نقاش ما دار في معركة القصرين، التي تعد إحدى الجولات المهمة في الحرب العالمية الثانية في تونس، عندما تفوقت القوات الألمانية على القوات الأميركية. وفي هذا الصدد، يشدد على القول إن القوات الأميركية لم تكن جاهزة للمعركة بعد في ذلك الوقت.
كذلك ينقل عنه ميله الشديد غريزياً لإيجاد أرضية مشتركة مع أطباع وآراء كثير من الأشخاص. وفي مؤتمر لكبار القادة العسكريين الأفارقة في مدينة أروشا، بجمهورية تنزانيا، خلال مايو (أيار) 2016، كسر ميلي حالة الجمود والصمت التي هيمنت على القاعة، عندما افتتح خطابه الرئيسي بأن وجه الحديث إلى الجنرال الأميركي الكبير الذي نظم المؤتمر، ووصفه بصاحب الرأس العنيد. ولقد أثار هذا الأمر الضحك، ثم إنه شبه الفترة التي قضاها في حرب العراق بمن قضى وقتاً وسط صراعات الجيوش الأفريقية. وقال ميلي مخاطباً مسؤولين عسكريين كباراً من 37 دولة أفريقية: «كثيرون منكم في هذه القاعة هم أحفاد المقاتلين الذين خاضوا حرب العصابات ضد الفرنسيين والبريطانيين والقوات الاستعمارية في أوروبا. إن أهم متطلبات الانضمام إلى جيوشكم هي معرفة كيفية خوض حرب العصابات».
وحقاً، قد يخوض ميلي نوعاً آخر من حرب العصابات، كأكبر مستشار عسكري لترمب. إنها مهمة حساسة ومتخصصة للغاية في السير على حبل مشدود لإعطاء الرئيس أفضل نصيحة عسكرية ممكنة، مع أداء التحية له، واتباع التوجيهات التي قد لا يتفق معها تماماً.



مسيرة أكاديمية وعسكرية

> ينقل عن الجنرال مارك ميلي قوله إنه لم يخطط للخدمة العسكرية وقضاء حياته في الجيش. ويضيف أنه كان عليه أن يختار بين الانضمام إلى أفواج المجندين في أكاديمية «ويست بوينت» العسكرية، والالتحاق بإحدى الجامعات المرموقة، إذ أصر والده، وهو عسكري سابق في قوات مشاة البحرية (المارينز) شارك في معركة «إيو جيما» التي انتهت بانتصار الولايات المتحدة على اليابان في الحرب العالمية الثانية، أنه لا يريد لابنه أن ينضم إلى الجيش. ويقال إنه طلب من أحد أبنائه التخريب ومحاولة إفساد زيارة ابنه مارك إلى «ويست بوينت»، عبر الطلب من بعض معارفه الحديث بشكل سلبي، وإظهار الحياة القاسية في الكلية الحربية.
بيد أن الأب، واسمه ألكساندر ميلي، وقد توفي عام 2015، خسر لاحقاً معركة ثني ابنه عن اختيار حياة الجيش، إذ أخبر مارك أصدقاءه أن شيئاً ما قد زرع في عقله جعله يعتقد أنه محظوظ لأنه ولد في أميركا، وأن من واجبه أن يسير على خطى والده، وسرعان ما انضم خلال وجوده في جامعة برينستون إلى برنامج تدريبات الضباط الاحتياط.
وأنهى ميلي دراسته الثانوية في مدرسة بلمونت هيل الخاصة الراقية في مدينة بوسطن، عاصمة ولاية ماساتشوستس، ثم بدأ مسيرته الجامعية، فحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة برينستون العريقة، ثم على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة عريقة أخرى، هي جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك.
وتخصّص كضابط في الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية في إحدى أهم الكليات الحربية للأركان في البحرية الأميركية. كما تخرج كمتخصص في دراسات الأمن القومي في أحد برامج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي» المرموق.
أميركا حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة