قليلة هي العروض الفنية الإيرانية التي تصل إلى لبنان، وما قدمه الفنان هومان شريفي، ضمن مهرجان «CO2» للرقص والموسيقى الارتجاليين، كان يستحق المشاهدة، لا لعظمة التصميم والأداء؛ وإنما لما ينطوي عليه العمل من حرص على الأصول والجذور، رغم أن الفنان ترك موطنه باكرا ووصل إلى النرويج في عمر الخامسة عشرة، لينشأ في بيئة غربية.
ابن الـ«هيب هوب» وفنون الشارع، الذي تعلم الرقص الكلاسيكي والتجريبي، صار واحدا من ألمع مصممي الرقص في النرويج، وأسس فرقته «أنبيور» أما مشاركته مع الفرقة في لبنان على هامش مهرجان «CO2» بعرض مكتمل، لا يخضع للارتجال، كما بقية العروض، فجاء إضافة وغنى، للتعريف بشريفي، وأسلوبه الخاص.
ليس عرض «كل نظام سيفقد في النهاية فظاعته» من الصنف الذي يمكن أن يستهوي كثيرين. تحتاج المتابعة هنا، على مدى ساعة، نفسا طويلا وصبرا وتأملا، وإيمانا بأن في النهاية ثمة ما سيسر شغاف القلب.
البداية على خشبة مسرح المدينة، جاءت، بقرع متواصل في غمرة سواد حالك يلف الصالة.. لا بصيص ضوء، والقرع لا يتوقف، لعل 5 دقائق مضت، تحتاج خلالها أن تغمض عينيك كي تتمكن من احتمال هذا الخبط الذي لا يتعب، لكن الضوء الصغير الذي ينبلج، بعد حين، لا يحمل انفراجات كبيرة. الراقصون الأربعة (راقصة فتاة و3 راقصين)، الذين يقفون على بساط ذهبي طويل كالسجادة الممتدة، يقومون بحركات رتيبة وإن تغيرت أماكن وقوفهم، دون موسيقى، أو مؤثرات صوتية. المشهد يتغير ببطء شديد، يبدو كأنه يصمم كي لا نفقد رتابته المقصودة. حتما هذا نوع من العروض، يخيل إليك أنه يهزأ منك وأن عليك أن تغادره فورا. الموسيقى الحية من البزق، شرقية حتى الثمالة، جميلة ومؤثرة، حتى تشعر أنها أجمل ما في هذا العرض البصري الذي لا يريد أن يخاطب عينيك. سرعان ما يرافق البزق عزف لموسيقي آخر على آلات إيقاعية عدة يجلس في خلفية المسرح.. تصير، بمرور الوقت، الحركة الرتيبة دورانا وتغييرا في المواقع، بينما الأذرع التي تلتوي في الفضاء مع انحناءات جذوع الراقصين في كل اتجاه تبقى متواصلة. أحد الراقصين عاري الجذع، محمره كناية عن الدماء، فيما الباقون بملابس سوداء، وهو أمر يزيد الفرجة سوداوية. مشاهد مستلة من شعائر عاشوراء، ودروس التضحية وبذل النفس. يدور الراقصون حينا وهم يتطوحون، ويركضون حينا آخر.
تارة تكمل الفتاة رقصها بقناع ذهبي فارسي، وتارة أخرى يأتينا أحد الراقصين بسترة ذهبية فيما يعمد راقص ثالث إلى تحريك البساط المتأتي من اللون البراق نفسه، ليصبح صوت جره على الأرض، بينما الحجارة المتوسطة الحجم التي وضعت عليه تصطك بالخشبة، موضع إصغاء وتأمل. هذه الحجارة سيستخدمها أحد المؤدين بعد أن يتكور على البساط ليدفن رأسه فيها.
في الناحية الخلفية للمسرح وسطوع الضوء لا يغير كثيرا من رتابة الحركات التي لا تزال تتكرر مع تنويعات في السرعة وانتفاضات الجسد والأذرع. لا يواكب الراقصون الموسيقى هذه المرة، وإنما يستبقونها بأجسادهم المنتفضة فيما إيقاعاتها تلحق بهم. قلب للأدوار والوظائف يحدث خلخلة في نفس المشاهد، دون أن يضطر شريفي في عرضه هذا، الذي يشارك به أداء أيضا، لإدخال جديد يذكر على تمايلات جسد راقصيه. تغطية الوجوه بغطاء شفاف أسود يعطي مزيدا من الهيبة القارصة والصارخة لعرض ممعن في حزنه.
هذه الكربلائية الحادة لم تستعر من الإقامة البلجيكية لشريفي أكثر من إمعان في الدقة واستنفاد لصبر المشاهد واختبار لقدرته على التحمل والمتابعة حتى اللحظة الأخيرة.
نوع من العروض لا يليق به غير الصبر ليفرج في لحظاته الختامية عن أسراره وجمالياته. لن يغير المؤدون بشكل دراماتيكي في كوريغرافيا، مستقرة على مفرداتها، وتنويعاتها، لكن تحريك المصابيح الكثيرة المتدلية من سقف المسرح لترقص، هي الأخرى مع المؤدين وكأنها جزء عضوي من العرض، يمنح المكان بهجة لم تكن له.
ها هو المسرح خال إلا من مؤديه الأربعة وشريفي بوزنه الاستثنائي الضخم بالنسبة لراقص تقليدي، يركض في كل اتجاه مبقيا على تلويحات ذراعيه نفسها بحيوية بهيجة ومعه بقية راقصيه، على وقع موسيقى لا تزال فتانة.
تتوقف الموسيقى كلية، يوزع أحدهم الحجارة القليلة التي دفن أحدهم رأسه بها قبل قليل على مساحة الخشبة، يبقى الراقصون يتطوحون ويتطوحون حتى ينال منهم التعب وينقلبون أرضا.
البعد الفلسفي الذي أراده شريفي بقي تجريديا، لكنك على الأقل رأيت عرضا لا صلة له بعصر السرعة، وليس من مذاق أولئك الذي يبحثون عن التبدلات الدراماتيكية في العروض. إنه الأداء الذي يقدم نفسه كقطرة ماء تنحت في صخر المعنى، ولا يمكنك أن ترى فعلها إلا بانتظار الزمن، والصبر على قراءته.
9:41 دقيقه
مصمم الرقص هومان شريفي يستلهم الروح الكربلائية بإتقان نرويجي
https://aawsat.com/home/article/194091
مصمم الرقص هومان شريفي يستلهم الروح الكربلائية بإتقان نرويجي
العرض الإيراني «كل نظام سيفقد في النهاية فظاعته» يلعب على صبر المتفرج
من عرض «كل نظام سيفقد في النهاية فظاعته»
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
مصمم الرقص هومان شريفي يستلهم الروح الكربلائية بإتقان نرويجي
من عرض «كل نظام سيفقد في النهاية فظاعته»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

