اتهام برناردو سيلفا مجرد «لفتة رمزية» لا تكفي لمواجهة العنصرية

اتحاد كرة القدم يغض الطرف أحياناً عن إساءات بغيضة ويهتم بالصغائر منها

مشجعو إيفرتون يرفعون لافتة تحمل وجه مويس كين وشعاراً باللغة الإيطالية معناه «لا للعنصرية»
مشجعو إيفرتون يرفعون لافتة تحمل وجه مويس كين وشعاراً باللغة الإيطالية معناه «لا للعنصرية»
TT

اتهام برناردو سيلفا مجرد «لفتة رمزية» لا تكفي لمواجهة العنصرية

مشجعو إيفرتون يرفعون لافتة تحمل وجه مويس كين وشعاراً باللغة الإيطالية معناه «لا للعنصرية»
مشجعو إيفرتون يرفعون لافتة تحمل وجه مويس كين وشعاراً باللغة الإيطالية معناه «لا للعنصرية»

في الأسبوع الماضي، وبينما كان اللاعبون يخرجون من نفق الملعب قبيل انطلاق مباراة مانشستر سيتي أمام إيفرتون في الدوري الإنجليزي الممتاز، كشف مشجعو إيفرتون عن علم هائل يحمل وجه المهاجم الإيطالي الشاب مويس كين وشعارا باللغة الإيطالية معناه «لا للعنصرية». ويوم الأربعاء، اتهم الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لاعب خط وسط مانشستر سيتي، برناردو سيلفا، بسوء التصرف، فيما يتعلق بالتغريدة التي نشرها على حسابه الخاص على موقع «تويتر» والتي شبه فيها زميله في الفريق، بينجامين ميندي، بأحد الرسوم الكاريكاتورية التي تستخدم للترويج لنوع من الشوكولاته الإسبانية تحمل اسم «كونجويتوس».
وقد أعجبت كثيرا باللافتة التي رفعها جمهور إيفرتون كمثال للعمل الهادف الذي قد يغير السلوك، ويساهم في الحد من العنصرية في عالم كرة القدم؛ لكن اتهام الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لسيلفا يعد بمثابة «لفتة رمزية»، مقارنة بالعقوبات الضعيفة التي تفرض على من يقومون بأفعال عنصرية في قطاعات أخرى من اللعبة. من المؤكد أن التغريدة التي نشرها سيلفا قد تسببت في مشكلة. ومن المؤكد أن تشبيه أصحاب البشرة السمراء بالحيوانات أو بأشياء قبيحة هو أمر غير مقبول على الإطلاق، كما أن التشابه بين شعار الشوكولاته الإسبانية وميندي ليس كبيرا. لكن في الوقت نفسه، يجب الإشارة إلى أن سيلفا وميندي صديقان حميمان وزميلان في نفس الفريق. وعندما يتواصل أي شخص مع أصدقائه فإنه يتخلى عن حذره ويتحدث بقدر أكبر من الحرية، ومن وقت لآخر ربما يقول أشياء لا يمكن أن يقولها لأي شخص غريب.
وأعتقد أن معظمنا قد أرسل أشياء إلى أصدقائنا على تطبيق «واتساب» من شأنها أن تجعلنا نشعر بالحرج الشديد إذا تم نشرها على الملأ. لكن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه سيلفا هو نشر هذه التغريدة للجميع. لكن على الرغم من أن سيلفا ربما لم يكن يقصد أن يوجه أي إهانة عنصرية، فإن الجهل ليس أبدا ذريعة كافية للقيام بمثل هذه الأمور.
وفي الحقيقة، يجب اتخاذ بعض الإجراءات لمواجهة مثل هذه الأمور. لقد ضيع مانشستر سيتي الفرصة لتهدئة الأجواء، فبدلا من أن يطلب من سيلفا أن يقدم اعتذارا علنيا عن أي مخالفة يكون قد ارتكبها، خرج جوسيب غوارديولا ليدافع عن سيلفا ويؤكد على أن التغريدة لم تكن عنصرية. وقد كان هذا دليلاً على واحدة من المشاكل الرئيسية التي تجعلنا غير قادرين على مواجهة العنصرية بشكل فعال، إذ إن الكثير من الناس لا يفهمون بالفعل ما هي العنصرية.
ويجب التأكيد على أن العنصرية ليست مجرد اعتداء لفظي أو بدني. إن الشخصية الكارتونية التي استخدمها سيلفا لتشبيه ميندي كانت قبل إعادة تصميمها مؤخرا، تشبه الصور التي كانت تستخدم لتحقير أصحاب البشرة السمراء منذ العبودية، وهو ما يعني أن تشبيه أي شخص من أصحاب البشرة السمراء بها هو أمر غير مقبول تماما. لكن الرسوم الكاريكاتورية المماثلة للأطفال البيض لا تحمل نفس الدلالات المهينة بكل تأكيد، فلا يمكن أن يشعر أي شخص بالانزعاج لقيام شخص آخر بتشبيهه بشخصية كارتونية بيضاء.
ربما لم يكن سيلفا يعرف بهذه الأمور في هذا البلد، ولا يعرف أنه إذا قام أي شخص بنشر صورة لشخص من أصحاب البشرة السمراء بطريقة معينة، فسيكون لذلك ردة فعل عنيفة، وسيلزم الرد على ذلك. لقد تدخل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، لكن المشكلة الآن هي مشكلة الثبات على المبدأ وعدم قيام الشخص بأكثر من حدث يدل على أنه يتعمد توجيه إهانات عنصرية.
إن قضية نشر سيلفا لتغريدة واحدة بشكل غير مقصود حول زميل له في الفريق لن يكون لها تأثير كبير على المجتمع البريطاني. لكن عندما تردد أعداد كبيرة من المشجعين هتافات عنصرية - مثل الموقف الذي ذكرته في عمودي السابق والذي أدى إلى تغريم نادي ميلوول 10 آلاف جنيه إسترليني في أغسطس (آب) الماضي - كانت العقوبات ضعيفة ولا تتناسب إطلاقا مع ما حدث. وعندما تكون هناك فرصة لإجبار المشجعين والأندية على مواجهة المشكلة وتشجيع تغيير السلوك، فإن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لا يستغل هذه الفرصة. لكن عندما تكون هناك فرصة لتوجيه «لفتة» سهلة من خلال فرض عقوبات على لاعبين مثل سيلفا، فإن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لا يتردد في القيام بذلك!
في الواقع، كان يجب أن يكون هناك رد فعل من نوع ما على التغريدة التي نشرها سيلفا، لكن ما قام به الاتحاد الإنجليزي يصرف النظر عن لب القضية الأساسية. وقد دافع رحيم ستيرلينغ - الذي لا يخجل من انتقاد من يوجهون إساءات عنصرية، وأعتقد أنه كان سيتحدث عن سيلفا إذا رأى ذلك ضروريا - عن سيلفا، كما دافع ميندي نفسه عن سيلفا. وإذا قام الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بفرض عقوبة على سيلفا، فمن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى تغيير في قضية العنصرية في عالم كرة القدم، وبدلا من ذلك سيكون ذلك مجرد إهدار مزيد من الوقت والجهد. ونفس الأمر ينطبق على قيام لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز بارتداء قمصان تحمل شعار مبادرة «كيك إت أوت» لمناهضة العنصرية، أثناء عمليات الإحماء في مباراتين كل عام. يتعين علينا أن نقوم بشيء يساهم في إحداث فارق دائم، وليس مجرد شيء يساعد على جذب الانتباه فقط.
وخلال الموسم الحالي، تأثرت ببعض المواقف التي اتخذتها بعض الأندية وعدد من الأفراد أيضا. ففي أغسطس الماضي، انتقد هاري ماغواير «المتصيدين المثيرين للشفقة» الذين يوجهون إساءات للاعبين أصحاب البشرة السمراء على «تويتر». في الحقيقة، يجب على الآخرين انتهاج موقف ماغواير، بمعنى أن توجيه الانتقاد للعنصرية والعنصريين لا يجب أن يقتصر على أصحاب البشرة السمراء والمنتمين للأقليات العرقية.
وبعد ذلك، أعجبت أيضا بما قام به جمهور إيفرتون عندما رفع لافتة «ضخمة» على ملعب «غوديسون بارك»، وهي إشارة رائعة للغاية في مجال مكافحة العنصرية، لأن هذا كان يعني بكل بساطة أن هناك ناديا يقول بصوت عالٍ وواضح: نحن لا نقبل هذا ونؤيد اللاعب صاحب البشرة السمراء على طول الطريق.
في الواقع، يمكن القيام بأشياء أخرى لتغيير ثقافة كرة القدم. أنا متأكدة من أن هناك الكثير من الأشخاص الأذكياء الذين يفهمون نفسية مشجعي كرة القدم، وهم خبراء في تغيير سلوك المشجعين بطرق معينة. لكنني أشعر بأن همهم الأول والأخير هو محاولة بيع أشياء معينة للجمهور، سواء كان ذلك في شكل قمصان جديدة أو اشتراكات في الباقات التلفزيونية أو المراهنات، أو بيع الطعام في يوم المباراة.
ولو قام هؤلاء الأشخاص بجهد مماثل لمكافحة العنصرية، فأنا متأكدة تماما من أننا سنلاحظ اختلافا كبيرا في هذه القضية قريباً. إن كرة القدم دائما ما كانت المرآة التي تعكس المجتمع، لكن المسؤولين عن هذه اللعبة يجب أن ينظروا إلى كرة القدم على أنها أكثر من مجرد مرآة. ولم تكن كرة القدم من قبل تشهد هذا الاهتمام الكبير من الجميع كما لم يكن لديها كل هذه الثروات الهائلة، وبالتالي يتعين على مسؤولي كرة القدم أن يستخدموا هذه الشعبية وهذه الإمكانيات المادية الهائلة لقيادة المجتمع، ولا أن تكون اللعبة مجرد مرآة للمجتمع. الأمر ليس صعبا ولا مستحيلا، لأننا لا نتحدث عن علوم الفضاء مثلا، لكننا نتحدث عن ضرورة اتخاذ قرارات قوية وصارمة بدلاً من القرارات السهلة التي يفضلها المسؤولون لدينا في أغلب الأحيان.
وتواجه بعض الأندية مشكلة كبيرة فيما يتعلق بالسلوك المتأصل والثقافات التي تراكمت على مدى عقود وتحتاج إلى تغيير، ومن المؤكد أن الأمر سيستغرق بعض الوقت ويتطلب عملا شاقا للوصول إلى الهدف النهائي والقضاء على العنصرية. ومن السهل جداً إدانة «أقلية صغيرة من المشجعين» علناً، ويمكن لأي ناد أن يفعل ذلك كل أسبوع من دون أن يتغير سلوك أي مشجع من هؤلاء المشجعين، لكن لو فرض المسؤولون قرارات صارمة بأن يلعب هذا الفريق أو ذاك من دون جمهور أو أن تنقل مباراة له خارج ملعبه، فإن الأمور ستتغير بسرعة كبيرة.
من المؤكد أنني لست مطالبة بأن أقترح العقوبات الصحيحة التي يجب أن تفرض على المسيئين، فهذا ليس مجال خبرتي، لكن هناك حاجة إلى التعامل بقسوة أكبر مع المسيئين. لكن الشيء الوحيد الذي أؤمن به تماما هو أن الاكتفاء بإصدار البيانات الصحافية والتعليق على الأمور الهامشية لن يحرز أي تقدم في هذا الشأن!


مقالات ذات صلة


شاهد... روبوتات تتفوّق على البشر في نصف ماراثون ببكين

روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)
روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)
TT

شاهد... روبوتات تتفوّق على البشر في نصف ماراثون ببكين

روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)
روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)

تمكَّن روبوت بشري من الفوز بسباق نصف ماراثون للروبوتات في بكين، اليوم (الأحد)، قاطعاً المسافة بسرعة أكبر من الرقم القياسي العالمي البشري، في استعراض لقفزات الصين في مجال التكنولوجيا.

واستعرضت العشرات ‌من الروبوتات، بشرية الهيئة وصينية الصنع، قدراتها الرياضية التي تتطوَّر بسرعة، إذ انطلقت بسرعة فائقة تجاوزت متسابقين من البشر ​في سباق نصف ماراثون أُقيم في بكين، اليوم (الأحد)، بعد أن تخلَّفت الروبوتات عن البشر في السباق نفسه بفارق كبير قبل عام.

يلتقط العداؤون صوراً لروبوت في النسخة الثانية من ماراثون بكين (أ.ب)

وكانت النسخة الأولى من السباق العام الماضي مليئةً بحوادث الحظ العثر، إذ واجه عددٌ من الروبوتات صعوبةً في الانطلاق من خط البداية، ولم يتمكَّن معظمها ‌من إكمال ‌السباق.

أنهى الروبوت الفائز الذي طوَّرته شركة «هونور» الصينية الشهيرة لتصنيع الهواتف الذكية السباق في 50 دقيقة و26 ثانية (أ.ف.ب)

وقطع الروبوت الفائز في ​سباق ‌العام ⁠الماضي مسافة ​السباق ⁠في ساعتين و40 دقيقة، متقدماً بفارق كبير على منافسيه الآليِّين، ولكن الزمن كان يزيد على ضعف ذلك الذي سجَّله الفائز في السباق البشري التقليدي.

وشهد السباق هذا العام فرقاً صارخاً، إذ لم يقتصر الأمر على زيادة عدد الروبوتات المشارِكة من 20 إلى ⁠أكثر من 100 روبوت، بل تفوَّقت الروبوتات ‌المنافِسة على الفوز ‌في السرعة بشكل ملحوظ على ​عدد من الرياضيِّين المحترفين المشارِكين ‌في السباق البشري.

يستخدم أفراد الأمن والمشاركون نقالة لنقل روبوت بعد مشاركته في سباق نصف ماراثون بكين (أ.ب)

وركضت الروبوتات والبشر في مسارَين ‌متوازيَين لتجنب الاصطدامات، حسبما نقلت وكالة «رويترز» للأنباء. وأنهى الروبوت الفائز، الذي طوَّرته شركة «هونور» الصينية الشهيرة لتصنيع الهواتف الذكية، السباق في 50 دقيقة و26 ثانية، أي أسرع بدقائق عدة من الرقم ‌القياسي العالمي الذي سجَّله العداء جاكوب كيبليمو الشهر الماضي في لشبونة، على الرغم ⁠من أنَّ ⁠الروبوت احتاج لمساعدة للوقوف مجدداً على بعد أمتار قليلة من خط النهاية بعد اصطدامه بالحاجز.

وفي حين لا تزال التطبيقات ذات القيمة الاقتصادية للروبوتات ذات الهيئة البشرية في مرحلة التجربة، فإنَّ عرض هذه الإمكانات في الماراثون يسلط الضوء على قدرتها على إعادة تشكيل كل شيء، بدءاً من الوظائف الخطرة وصولاً إلى القتال في ساحة المعركة.

روبوت يسقط مباشرة بعد انطلاق سباق نصف ماراثون للروبوتات في بكين (أ.ب)

وتسعى الصين إلى أن تصبح قوةً رائدةً في ​هذه الصناعة، وسنَّت الدولة مجموعةً ​واسعةً من السياسات، بدءاً من الإعانات، ووصولاً إلى مشروعات البنية التحتية؛ لتنمية الشركات المحلية.


الرياض يدرس الاتفاق بريمونتادا خيالية

لياندرو أنتونيس سجل هدفي التعادل للرياض (دوري روشن السعودي)
لياندرو أنتونيس سجل هدفي التعادل للرياض (دوري روشن السعودي)
TT

الرياض يدرس الاتفاق بريمونتادا خيالية

لياندرو أنتونيس سجل هدفي التعادل للرياض (دوري روشن السعودي)
لياندرو أنتونيس سجل هدفي التعادل للرياض (دوري روشن السعودي)

قلب الرياض تأخره بهدفين ليهزم مضيفه الاتفاق ⁠3/2 ضمن الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين.

وتقدم الاتفاق في الدقيقة الخامسة عن طريق جورجينيو فينالدوم الذي وضع الكرة في الشباك من مسافة قريبة مستغلاً تمريرة عرضية منخفضة متقنة من موسى ديمبلي أثناء الدوران داخل المنطقة.

وضاعف خالد الغنام تقدم الاتفاق بعدما تلقى تمريرة بصدره قبل أن يراوغ اثنين من لاعبي الرياض ويسدد الكرة في الشباك من داخل منطقة الجزاء في الدقيقة 34.

لكن الرياض قلص الفارق في الدقيقة 38 عن طريق لياندرو أنتونيس الذي قطع الكرة من أوندريج دودا داخل منطقة الجزاء، وسدد الكرة في الشباك.

وأدرك الرياض التعادل في الدقيقة 54 بفضل تسديدة مباشرة من مسافة قريبة من أنتونيس مستغلاً عرضية متقنة ​من تيدي أوكو.

وفي الوقت المحتسب ​بدل الضائع، أحرز مامادو سيلا هدف الفوز من مسافة قريبة، في هجمة مرتدة سريعة.

ورغم الانتصار الثمين للرياض، فإن الفريق لا يزال في منطقة الهبوط برصيد 32 نقطة في المركز السادس عشر، بفارق الأهداف عن ضمك صاحب المركز الخامس عشر الذي يضمن صاحبه البقاء.

وتجمد رصيد الاتفاق بهذه الهزيمة عند 42 نقطة في المركز السابع.


هل يستعد غوارديولا للرحيل عن مانشستر سيتي؟

الثقة المتبادلة سمة من سمات العلاقة بين غوارديولا وخلدون المبارك رئيس مانشستر سيتي (غيتي)
الثقة المتبادلة سمة من سمات العلاقة بين غوارديولا وخلدون المبارك رئيس مانشستر سيتي (غيتي)
TT

هل يستعد غوارديولا للرحيل عن مانشستر سيتي؟

الثقة المتبادلة سمة من سمات العلاقة بين غوارديولا وخلدون المبارك رئيس مانشستر سيتي (غيتي)
الثقة المتبادلة سمة من سمات العلاقة بين غوارديولا وخلدون المبارك رئيس مانشستر سيتي (غيتي)

إذا كان جوسيب غوارديولا يعلم في قرارة نفسه أنه سيرحل عن مانشستر سيتي بنهاية الموسم الحالي، فإنه لا يفصح عن ذلك. وتُدرك مصادر رفيعة المستوى في ملعب الاتحاد جيداً التكهنات الكثيرة حول احتمال رحيل غوارديولا، وأن المدير الفني البالغ من العمر 55 عاماً يُفكّر - إن لم يكن قد حسم أمره نهائياً - في إنهاء مسيرته التدريبية مع الفريق هذا الصيف. لكن حتى هذه المصادر تُصرّ على أنها لا تعرف ما سيحدث على وجه اليقين. وتقول مصادر مُقرّبة من وكالة «إس إي جي»، التي تعمل مع ممثلي غوارديولا - بقيادة شقيقه بير - إن أي شيء يتعلق بمستقبل المدير الفني الكاتالوني يخضع لسرية شديدة. ومع ذلك، هناك سيل من الشائعات - معظمها ناتج عن أحاديث بين مسؤولين تنفيذيين ووكلاء ولاعبين في فرق منافسة - تُشير إلى أنه على وشك الإعلان عن رحيله، حسب المقال الذي نشره روب داوسون على موقع «إي إس بي إن». لا يزال يتبقى في عقد غوارديولا، الذي وقعه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، 16 شهراً، لكن الأمر - حسب روب داوسون على موقع «إي إس بي إن» - وصل بالفعل إلى مرحلة لن يشعر فيها أحد في مانشستر سيتي بالدهشة إذا قرر غوارديولا الرحيل قبل عام من انتهاء عقده في صيف 2026.

وضع العقد

لم يشعر غوارديولا خلال السنوات التسع والنصف الماضية بالانزعاج من شيء أكثر من التساؤلات حول مستقبله. ونظرا لأنه شخص مهووس بتحقيق الفوز في مباريات كرة القدم، فإنه ينظر إلى أي ضجيج خارجي على أنه مصدر تشتيت محتمل. وغالباً ما حاول غوارديولا حسم الأمر مبكراً، بتوقيعه على تمديد عقده بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) من عامه الأخير لضمان عدم تأثر النصف الثاني من الموسم بحالة الغموض المحيطة بمستقبله.

لكن عندما وقع عقده الأخير في نوفمبر 2024، كان هناك شعور بالدهشة في مانشستر سيتي من أنه مدد العقد لمدة عامين بدلاً من عام واحد. كان هناك شعور في ذلك الوقت بأن غوارديولا قد يوقع على تمديد العقد لمدة 12 شهراً ليصل إلى صيف عام 2026 ويختتم بذلك 10 سنوات في النادي.

وأثار تمديد العقد حتى عام 2027 دهشة البعض في ملعب الاتحاد، كما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت السنة الإضافية بمثابة ضمانة تهدف إلى توفير أكبر قدر ممكن من اليقين. وعندما سُئل غوارديولا عن مستقبله في أوائل يناير (كانون الثاني)، تهرب من الإجابة المباشرة، وقال: «لدي عقد مع النادي، وقلت ذلك مائة مليون مرة. أنا هنا منذ عشر سنوات. سأرحل يوماً ما، لكنني الآن مرتبط بعقد».

وكرر غوارديولا الأمر نفسه عندما وُجه إليه سؤال مماثل في مؤتمره الصحافي يوم الجمعة، قائلاً: «يتبقى لي عام واحد في عقدي. السؤال نفسه مطروح منذ شهر أو شهرين، لكنني أؤكد لكم مجدداً أن الإجابة هي نفسها ولم تتغير».

تغير في الحالة المزاجية

انضم غويهي وغيره إلى سيتي رغم الشكوك المحيطة بمستقبل غوارديولا (أ.ب)

كان هناك شعور دائم بأن غوارديولا قد يرحل في صيف عام 2026 - بعد عشر سنوات من انضمامه من بايرن ميونخ عام 2016 - لكن زاد الشعور بحدوث تغير واضح في حالته المزاجية خلال الأسابيع القليلة الماضية. بدأ الأمر بعد مباراة الذهاب من الدور نصف النهائي لكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة أمام نيوكاسل، عندما ألغى حكم الفار هدفاً لأنطوان سيمينيو، مما أثار غضب غوارديولا بشأن أداء التحكيم. لا يُحب غوارديولا عادةً انتقاد الحكام بعد التعادلات أو الهزائم، لكن بعد الفوز بهدفين دون ردّ على نيوكاسل على ملعب «سانت جيمس بارك»، شعر المدير الفني الإسباني بالراحة في تسليط الضوء على أخطاءٍ مُحتملة في مباراة الدوري التي خسرها فريقه أمام نيوكاسل قبل ستة أسابيع - ليس هذا فحسب، بل كشف أيضاً عن أنه كان يجب طرد حارس مرمى كريستال بالاس، دين هندرسون، خلال نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي الذي خسره فريقه أمام كريستال بالاس في مايو (أيار) الماضي.

علاوة على ذلك، وجّه غوارديولا انتقاداتٍ أخرى للحكام بعد الفوز بهدفين دون رد على وولفرهامبتون، وقبل مباراة الإياب ضد نيوكاسل، قرر - دون وجود سبب يذكر - التحدث علناً عن مجموعة من الموضوعات المختلفة، بما في ذلك إنفاق أندية الدوري الإنجليزي الممتاز على انتقالات اللاعبين، وفلسطين، والسودان، وأوكرانيا، ووفاة رينيه غود وأليكس بريتي في مينيسوتا.

كما بدأ أيضاً بترديد عباراتٍ مثل «اقتباس رائع، أليس كذلك؟» عندما كان يتحدث عن موضوعات يعتقد أنها ستحتل عناوين الأخبار، وكان يخاطب الصحافيين بأسمائهم، ويجيب عن أسئلة إضافية بشكل غير متوقع في نهاية المؤتمرات الصحافية بينما كان فريق الإعلام في مانشستر سيتي يحاول إنهاءها! فإذا كان غوارديولا يدرك أن هذه المنصة قد لا تدوم سوى بضعة أشهر فقط، فهو يستغلها الآن على أكمل وجه! في الواقع، تتشابه حرب غوارديولا مع الحكام مع ردة فعل السير أليكس فيرغسون على طرد ناني أمام ريال مدريد عام 2013، الذي أسهم في خروج مانشستر يونايتد من دوري أبطال أوروبا. قيل إن فيرغسون كان «مُحبطاً» بعد المباراة، لدرجة أنه رفض عقد مؤتمره الصحافي. اتضح لاحقاً أنه كان مستاءً للغاية لأنه كان قد قرر بالفعل الرحيل عن أولد ترافورد في نهاية الموسم، ولأنه حُرم من فرصة أخيرة للفوز بدوري أبطال أوروبا بسبب ما عدّه خطأً تحكيمياً.

وعلى الرغم من اقتراب غوارديولا من قضاء 20 عاماً بوصفه مديراً فنياً و10 سنوات من العمل في مانشستر سيتي، فإنه لم يفقد أبداً شغفه ورغبته الهائلة في تحقيق الانتصارات والفوز بالبطولات.

وبدت احتفالاته على خط التماس، بعد أن حجز مانشستر سيتي مقعده في نهائي كأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة للمرة الخامسة خلال فترة تدريبه للسيتيزنز، وكأنها تشبه احتفالات مدير فني مبتدئ يسعى إلى تحقيق أول لقب له. وقال غوارديولا: «أنا أتقدم في السن، وأشعر بأن الوصول إلى النهائيات أصبح أكثر صعوبة. لا أريد أن أعدّ الأمر مُسلّماً به، وأعلم مدى صعوبته. نشعر بالسعادة لأننا سنلعب مباراة نهائية أخرى، لأنه من الصعب للغاية في الرياضة والمنافسة الحديثة - التنس، والغولف، وكرة السلة - الوصول إلى النهائيات والفوز بالألقاب. عليك أن تبذل جهداً كبيراً لتحقيق ذلك».

رغم قضاء غوارديولا 10 سنوات مديراً فنياً في سيتي فإنه لم يفقد أبداً شغفه بالفوز بالبطولات (رويترز)

تخطيط مانشستر سيتي للمستقبل

لطالما كان مانشستر سيتي مطمئناً بشأن مستقبل غوارديولا. ومن الواضح أن مسؤولي النادي يرغبون في الإبقاء على أنجح مدير فني في تاريخ النادي لأطول فترة ممكنة، لكنهم كانوا يعلمون دائماً أنه ليس من النوع الذي يسير على خطى فيرغسون أو أرسين فينغر ويستمر في العمل في مكان واحد لأكثر من 20 عاماً.

لطالما وجد مسؤولو مانشستر سيتي العزاء في قوة علاقتهم مع غوارديولا. وهذا يعني أن مسؤولي النادي واثقون من أنه سيمنحهم الوقت الكافي للبحث عن بديل مناسب متى قرر الرحيل.

وكان من اللافت للنظر أنه خلال انهيار العلاقات بين إنزو ماريسكا وتشيلسي في ديسمبر (كانون الأول) ويناير، لم تتردد مصادر من داخل تشيلسي في الإفصاح عن أن ماريسكا - العضو السابق في الجهاز الفني لغوارديولا - كان يجري محادثات مع مانشستر سيتي بشأن خلافته لغوارديولا. وقد تنامت هذه الادعاءات إلى مسامع مسؤولي مانشستر سيتي، لكنهم - وهذا هو الأهم - لم ينفوها رسمياً.

عادةً ما يتسبب عدم اليقين بشأن مستقبل المدير الفني في حدوث مشكلات لأي نادٍ في سوق الانتقالات، حيث إن أول ما يرغب اللاعب في معرفته هو من سيلعب تحت قيادته. لكن هذه التساؤلات لم تمنع مانشستر سيتي من التعاقد مع سيمينيو ومارك غويهي في فترة الانتقالات الشتوية الأخيرة.

وكان الرأي السائد داخل النادي يتمثل في أن اثنين من أفضل لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز، وفي أوج عطائهما، قد قررا الانتقال إلى ملعب الاتحاد رغم اهتمام جميع الأندية الكبرى الأخرى في أوروبا تقريباً بالتعاقد معهما، على الرغم من احتمال رحيل غوارديولا.

في الواقع، كان اللعب تحت قيادة غوارديولا هو دائما عامل الجذب الرئيسي للاعبين الجدد، لكن التعاقد مع سيمينيو وغويهي رغم الشكوك المحيطة بمستقبل المدير الفني الكتالوني يشير إلى وجود تغيير ملحوظ في هذا الأمر.

لا يُحب غوارديولا عادةً انتقاد الحكام إلا أنه في الآونة الأخيرة بدأ في تسليط الضوء على أخطاء حدثت في مبارياته (أ.ف.ب)

إذن هل سيرحل غوارديولا؟

يدرك مانشستر سيتي أن الرحيل بات وشيكاً. ويفتخر مسؤولو النادي بوضع خطة لكل شيء، وهذا هو الشعور السائد هذه المرة أيضاً. فإذا قرر غوارديولا الرحيل في نهاية الموسم الحالي، فيعتقد مانشستر سيتي أنه سيكون مستعداً لذلك. لقد تعامل النادي مع رحيل مدير الكرة تشيكي بيغريستين، والمدير التنفيذي للعمليات عمر برادة، ومدير صفقات كرة القدم رافي مورسن في الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى عدد من اللاعبين الأساسيين.

سيكون رحيل غوارديولا أصعب بكثير، لكن وفقاً لمصادر مطلعة فإن التعامل مع تداعيات ذلك لن يكون مستحيلاً. لكن يبقى هذا الأمر رهن الترقب، فمانشستر يونايتد لا يزال يعاني من رحيل مديره الفني الأسطوري السير أليكس فيرغسون قبل 13 عاماً. يشعر مانشستر سيتي براحة أكبر حيال توقيت الرحيل المحتمل لغوارديولا هذا الصيف مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل 12 شهراً، فقد كان الرأي السائد آنذاك أن محاولة تعيين مدير فني جديد في صيفٍ مُعقّدٍ أصلاً بسبب بطولة كأس العالم للأندية ستكون فوق طاقة النادي.

وصرّح غوارديولا في السابق بأنه ليس من النوع الذي يُفكر ملياً قبل اتخاذ القرارات، بل يتخذها بسرعة بناءً على شعوره، ومن الممكن أن تتأثر قراراته بالنتائج حتى نهاية الموسم، سواءً كانت جيدة أم سيئة. لكنه يلتزم الصمت حالياً، وهو ما يعني أن دوامة التكهنات ستستمر إلى أن يتغير هذا الوضع!