أماكن تتعذر استعادتها إلا بالموت

قوة جاذبة تشدنا إلى الخلف في سني الكهولة والنضج

لوحة «العودة» للرسام الأميركي فيليب غوستون
لوحة «العودة» للرسام الأميركي فيليب غوستون
TT

أماكن تتعذر استعادتها إلا بالموت

لوحة «العودة» للرسام الأميركي فيليب غوستون
لوحة «العودة» للرسام الأميركي فيليب غوستون

من الخطأ بمكان أن نعتقد، نحن الذين غادرنا قرانا النائية وأماكن عيشنا في مطالع الصبا، أن في مستطاعنا العودة إليها بالبساطة التي نظن؛ ذلك أن أرض الطفولة هي حالة من أحوال الأمومة، أو هي أم ثانية لا يتسنى لنا أن نُفطم عن صدرها مرتين. ولعل هذه الفكرة على وجه التحديد هي التي دارت في خلد الشاعر الراحل محمد العبد الله حين هتف قبل نصف قرن، من على منبر كلية التربية في الجامعة اللبنانية، وباسم كل ذلك الجيل القادم من الأرياف الفقيرة بحثاً عن موطئ ملائم للأحلام: «الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً | الدم الزراعي مات». والحقيقة أن ذلك الدم لم يمت تماماً، ولكنه بدأ ينحل كالحبر داخل الروح، أو يتحول بقوة الحنين إلى مادة لصناعة الكلمات. هكذا يبدو الانفصال عن مسقط الرأس، على قسوته، وكأنه الشرط الأهم لإخراجه من صورته الواقعية المألوفة، وتحويله إلى يوتوبيا أرضية، أو إلى كوكبة من الفراديس التي تلمع على طريق الفقدان. ولو كان لنا أن نظل هناك، حيث العالم صغير ضيق مغلق على نفسه، لغرقنا في دوامة الملل والمراوحة والثرثرة اليومية، ولَبَطُل السحر الذي يضرمه الغياب كالنار تحت حطب الحنين والشغف، ولغرقت الأماكن التي نشتاقها عن بُعد في مألوفيتها الرتيبة وخوائها السقيم.
على أن الأمور لا تبقى على حالها في مراحل العمر المختلفة. ففي موازاة القوة الطاردة التي تدفعنا في عقود العمر الأولى إلى شق عصا الترحال، طمعاً بالمغامرة والاكتشاف وتحقيق الذات، ثمة قوة أخرى جاذبة تشدنا إلى الخلف في سني الكهولة والنضج، وتزين لنا العودة إلى النقطة التي انطلقنا منها، حيث الحياة كروية، كالأرض تماماً، وحيث مراتع الشيخوخة ليست سوى محاولة رمزية متأخرة لاستعادة حدائق الصبا، وحيث من الخشب إياه تُصنع الأسرة والنعوش. وإذ يدركنا التعب، ونفقد القدرة على المغامرة ومقارعة المستحيل، وينسحب من تحت أرواحنا بساط الأوهام، لا يعود لنا ساعتئذ سوى الانكفاء نحو مسقط الرأس، لنبني في مرحلة ما بعد التقاعد بيوتاً لتزجية الأيام، وننشئ حدائق وارفة نحاول من خلالها استعادة ما خسرناه من رياض الماضي وحدائقه المفقودة. لكن ما يفوتنا دائماً هو أن ما كان يفصلنا عن القرى التي غادرناها لم تكن الجغرافيا وحدها، لكي نستعيد المكان بمجرد عودتنا إليه، بل تلك الفجوة الزمنية الطويلة التي تفصل بين ما كناه يافعين، وما أصبحنا عليه كهولاً ومسنين. ذلك أن البشر الذين خلفناهم هناك إلى مصائرهم، بمن فيهم الأهل وذوو القربى، تولوا ترتيب حيواتهم وحاجاتهم، وحتى عواطفهم، في ضوء غيابنا الأبدي، بعد أن يئسوا من عودتنا، ووضعونا خارج مرمى الحياة الفعلية، ليقتصر حضورنا على الحنين واستدرار المشاعر واستدعاء الذكريات. وليس البشر وحدهم هم الذين أجروا «هندسات» عاطفية وسلوكية طارئة على حيواتهم في غيابنا، بل الطبيعة أيضاً فعلت ذلك. فالورود التي وخز شوكها أجسادنا في الطفولة كفت منذ زمن بعيد عن انتظارنا لكي تتفتح. ولم يعد الشجر في حاجتنا ليثمر، ولا الريح لتهب، ولا النجوم لتتلألأ، ولا الطيور لتحلق عالياً، ولا الينابيع لتسيل. وفضلاً عن أننا تغيرنا كثيراً، وبتنا ظلالاً باهتة لما كناه في الماضي، فإن الأشياء (كما الكائنات) التي ألفناها فيما مضى لم تعد هي نفسها الآن. وهو عين ما قصده أبو تمام، حين قال وهو يختبر تجربة مشابهة: «لا أنت أنت ولا الديارُ ديارُ».
وفي روايته «الجهل»، القصيرة شبه الوثائقية، يعرض ميلان كونديرا للمصائر المأساوية للمهاجرين التشيك الذين عادوا إلى بلادهم بعد تفكك الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في العقد الأخير من القرن الماضي، والذين كان معظمهم قد نزح إلى فرنسا وبلدان أوروبا الغربية، هرباً من وطأة النظام الشمولي الذي حكم تشيكيا بقبضة من حديد لعقود عدة. وإذ يتابع صاحب كتاب «الضحك والنسيان» بنفسه معاناة العائدين، ويتحدث إلى بعضهم عن كثب، يكتشف أنهم عوملوا من قبل المجتمعات التي انفصلوا عنها بجفاء ولامبالاة، إن لم نقل بعدائية وتوجس. فمن جهة أولى، لم يلتفت أحد إلى الأسباب القاهرة التي دفعتهم إلى الهجرة، بل نُظر إليهم بوصفهم المتخاذلين والأنانيين الذين بحثوا عن طوق للنجاة بأنفسهم، هرباً من سفينة الوطن الغارقة. ومن جهة ثانية، كانت الحياة الفعلية تدور من دونهم، وخارج معرفتهم، في نظر أهلهم وأصدقائهم القدامى. لذلك، فإن ما اختبروه بعيداً عن التراب الأم لم يكن سوى ضرب من ضروب الجهل والفصام الروحي الذي لا سبيل إلى إصلاحه. هكذا، كان على بعضهم أن ينغلقوا على أنفسهم كالشرانق، وحيدين منفصلين عن كل ما حولهم، مكتفين بأن يجدوا على أرض وطنهم مكاناً لمواراة جثامينهم متى أزف الوقت، فيما اختار البعض الآخر العودة إلى المنفى الذي عصمهم، شباباً، من الفاقة والتشرد، ولن يبخل عليهم، عجائز وشيباً، بالرعاية اللازمة.
«ما مضى لن يعود»، يقول إدغار ألان بو، على لسان الغراب، في قصيدته التي تحمل الاسم ذاته. هذا ما يتكشف لنا جلياً، نحن الذين عولنا على متكأ وملاذ أخيريْن لأجسادنا المتهالكة، وأرواحنا التي قصمتها الهزائم وخيبات الأمل. فالعالم الذي نعود إليه، ذاهلين شبه عميان، ليس هو العالم القديم الطافح بالبراءة وهناءة العيش، الذي أطبقنا عليه أجفاننا، نحن أهل الغفلة ورعاة السهو، منذ عشرات الأعوام. أما الحياة التي نتوق إلى استعادتها فتتفتح ورودها عميقاً في الأسفل، حيث لا سبيل إلى بلوغها إلا بالموت.



مصر: محاكمة عاجلة للمتهم بالتعدي على «فرد أمن التجمع»

صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
TT

مصر: محاكمة عاجلة للمتهم بالتعدي على «فرد أمن التجمع»

صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)

أمرت النيابة العامة المصرية بإحالة رجل أعمال متهم بالتعدي على فرد أمن بأحد المجمعات السكنية وإتلاف جهاز اتصال لاسلكي للمحاكمة الجنائية العاجلة.

وضبطت وزارة الداخلية صاحب أحد المصانع والمقيم بتجمع سكني في التجمع الخامس (شرق القاهرة)، بعد وقت قصير من تداول مقطع فيديو يظهر فيه وهو يقوم بالتعدي على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسب، وانتشر الفيديو على نطاق واسع.

وفجَّر مقطع الفيديو غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدرت كلمة «فرد أمن» قوائم البحث على «إكس» بمصر، وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل «نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ».

وبحسب بيان النيابة الصادر (الأحد) فإن التحقيقات بدأت بعد تلقي بلاغٍ يفيد بتضرر فرد أمن بأحد المجمعات السكنية من قيام مالك إحدى الوحدات السكنية بالتعدي عليه بالسب والضرب حال مباشرته مهام عمله، وإتلاف جهاز الاتصال اللاسلكي عهدته، مما أسفر عن إصابته.

واستمعت النيابة، بحسب بيانها، إلى «أقوال المجني عليه، الذي قرر أنه على إثر خلافات سابقة تتعلق بطبيعة عمله، تعدى عليه المتهم بالضرب، محدثاً إصاباته المتمثلة في سحجات وكدمات بالكتف الأيمن ومقدمة الرأس وأسفل العين اليمنى، وذلك على النحو الثابت بالتقرير الطبي. كما أيَّد أقواله عدد من أفراد الأمن وشهود الواقعة».

وباستجواب المتهم، أقرَّ بارتكابه الواقعة «على إثر خلافات سابقة بينه وبين المجني عليه، فأسندت إليه النيابة العامة اتهامات استعراض القوة والتلويح بالعنف، والضرب، والإتلاف، والسب والقذف، مع استمراره حبسه احتياطياً وإحالته للمحاكمة».

وقال المحامي المصري محمد رضا لـ«الشرق الأوسط» إن الاتهامات التي يواجهها المتهم تصل عقوبتها إلى 5 سنوات مع تعدد الاتهامات الواردة في قرار الإحالة، مشيراً إلى أن تفاصيل التقرير الطبي ومدة العلاج التي يستلزمها المعتدى عليه ستلعب دوراً في تحديد العقوبة التي ستصدرها المحكمة.

وأضاف أن المتهم سيظل محبوساً على ذمة القضية، وسيتم احتساب فترة حبسه من مدة العقوبة الموقعة عليه ما لم تقرر المحكمة الإفراج عنه مؤقتاً، وهو أمر يكون خاضعاً للدائرة التي تنظر القضية، مشيراً إلى أن التصالح لن يوقف إجراءات المحاكمة للمتهم أو يبرئه ولكن قد يخفف العقوبة.

وأوضح أن «التصالح يكون في الشق الخاص بالمجني عليه وهو فرد الأمن، أما الشق الذي لا يجوز فيه التصالح فهو مرتبط بحق المجتمع والمتمثل في قرار الإحالة بتوجيه اتهام باستعراض القوة والتلويح بالعنف».


توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
TT

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس»، الذي حصد المركز الثاني في تصويت الجمهور لأفضل «فيلم وثائقي» بمهرجان «برلين السينمائي الدولي»، بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي، بل رحلة شخصية بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها من السجن؛ تلك اللحظة التي ظنّ فيها أن الحكاية انتهت، ليكتشف أن الحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد، ففكرة الفيلم، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وُلدت من شعور داخلي ملحّ بالرغبة في البوح وتحويل التجربة من جرح صامت إلى شهادة حيّة.

منذ خروجه، كان يفكر في طريقة يروي بها ما يحدث داخل السجون السورية، لكنه لم يشأ أن يكون فيلمه مجرد استعراض للعذابات؛ فالألم حاضر، وثقيل، ولا يحتاج إلى مزيد من الإثبات، ما كان يشغله أكثر تلك المساحات الخفية التي لا يراها أحد: لحظات التضامن، ونوبات الضحك الخاطفة، والحكايات التي كان المعتقلون يخترعونها كي ينجوا بأرواحهم... كان يريد أن يتحدث عن المقاومة بمعناها الإنساني؛ عن الحب في قلب القسوة، عن الأمان الذي يُصنع من لا شيء.

الفيلم عُرض لأول مرة في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

بدأ المخرج السوري المقيم في بلجيكا منذ سنوات العمل فعلياً على فيلمه الحاصل على تمويل من «البحر الأحمر» عام 2022، عبر خطة تستهدف أن يُصوَّر الفيلم في استوديو ببلجيكا، عبر بناء ديكورات تحاكي الزنازين والممرات، لكن التحضيرات انقلبت رأساً على عقب مع سقوط النظام السوري، فوجد صابوني نفسه أمام خيار لم يكن في الحسبان؛ العودة إلى المكان الحقيقي.

لم يكن القرار سهلاً كما يصفه، لكنه شعر بأن اللحظة تاريخية، وأن التصوير داخل سجن «صيدنايا» نفسه سيمنح الفيلم صدقاً لا يمكن اصطناعه، وفي البداية كان قد اختار شخصيات تعيش في أوروبا، وبدأ العمل معها بالفعل، غير أن ظروف اللجوء حالت دون عودتهم إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

اضطر توفيق صابوني إلى البحث من جديد، أجرى لقاءات مطولة مع نحو 25 معتقلاً سابقاً، يستمع إلى حكاياتهم، لا ليبحث عن الأشد مأساوية، بل عن الأكبر قدرة على الحكي... لم يكن يريد نسخاً متشابهة من الألم، بل شخصيات متباينة في طباعها وحضورها؛ مَن يتكلم بهدوء، مَن ينفعل... مَن يتردد قبل أن يفتح ذاكرته، في النهاية استقر على 4، شكّلوا العمود الفقري للفيلم، لكل منهم طريقته في استعادة الماضي.

العودة إلى السجن كانت أصعب اختبار، يصف صابوني اللحظة الأولى لدخوله المكان بصفته شخصاً حراً بأنها مواجهة مباشرة مع ذاته؛ الجدران نفسها، الرائحة نفسها، الممرات الضيقة التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب... في البداية طغى الشعور بالرهبة، ثم بدأ يتحول تدريجاً إلى إحساس مختلف أقرب إلى الانتصار الشخصي.

وثق الفيلم جانباً من معاناة السجناء (إدارة المهرجان)

لم يكن، كما يؤكد، انتصاراً على نظام أو على سلطة، بل على المكان ذاته، على الذكرى التي حاولت أن تكسره... أن يعود إليه واقفاً، بكاميرا، وبفريق عمل، كان الأمر بالنسبة إليه استعادة لكرامته المسلوبة، فخلال التصوير، لم تكن الصعوبة في إعادة تمثيل التفاصيل القاسية بقدر ما كانت في حماية الحالة النفسية للمشاركين.

الحديث عمّن رحلوا؛ عن الذين ماتوا تحت التعذيب أو اختفوا، كان يفتح أبواباً مؤلمة، فكان عليه أن يوازن بين حاجته إلى الصدق، وواجبه في عدم الدفع بهم إلى إعادة عيش الصدمة كاملة؛ لذا تحوّل موقع التصوير إلى مساحة إنصات طويلة، وإلى عملية شفاء جماعية أكثر من أنه عمل فني، كما يصفه.

أما مسألة التمويل، فكانت رحلة أخرى من الصبر. يؤكد توفيق صابوني أن جمع الميزانية استغرق أكثر من عامين، ففي كل مرحلة تمويل كان عليه أن يعيد كتابة المعالجة، وأن يشرح رؤيته من جديد، ولم يكن من السهل إقناع جهات الإنتاج بفيلم يدور في سجن، ويعتمد على الذاكرة وإعادة التمثيل، لكن إصراره على أن الحكاية تستحق أن تُروى هو ما أبقى المشروع حياً حتى نهاية 2024، حين اكتمل التمويل وبدأ التصوير فعلياً، ليخرج الفيلم بإنتاج بلجيكي - فرنسي - سعودي.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

خلال العمل تراكمت المواد المصورة حتى تجاوزت 100 ساعة، كان بإمكانه أن يصنع أجزاء عدة، أو سلسلة كاملة، فالمادة غنية والقصص كثيرة، لكنه، كما يؤكد، اختار أن يكون الفيلم شهادة واحدة، مكثفة، أشبه بوثيقة لا تتكرر، فبالنسبة إليه، هذه الحكاية تُروى مرة واحدة، بهذا الشكل، وبهذا الصدق.

الفيلم صادم دون شك، وفق مخرجه الذي يشير إلى أنه لم يرد أن يكون صدمة متواصلة، ففي غرفة المونتاج، سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين مشاهد العنف وقصص الأمل، وكان يدرك أن المشاهد لا يستطيع تحمّل 90 دقيقة من الألم الخالص، لذلك؛ أفسح المجال للحظات الضوء... حكايات عن الخيال الذي كان يحميهم؛ عن الأغاني التي كانوا يهمسون بها، وعن الأحلام الصغيرة التي أبقتهم أحياء... هذا التوازن، كما يراه، هو ما منح الفيلم قدرته على الاستمرار في ذهن المتفرج.


«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
TT

«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات

على تخوم حي «دا غاما بارك»، حيث تلتقي ضواحي كيب تاون بسفح جبلها المهيب، كانت قردة البابون تتحرك بخفة وجرأة؛ تقفز من الأسفلت إلى جدران الحدائق، ثم تعلو أسطح المنازل قبل أن تنسحب بخفة العارف بمسالك المكان. وفي الطريق الضيق، كان أبناء عائلات البحرية الجنوب أفريقية، المقيمون في منازل متواضعة، يلعبون بين ضحكات متقطعة ونظرات حذرة؛ فمنهم من يبتسم للمشهد كأنه عرض عابر، ومنهم من يلتفت بقلق مكتوم، بينما يواصل معظمهم اللعب غير عابئين، وكأن الألفة مع الخطر أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

وعلى بُعد أميال، حيث تمتد الرؤية نحو قمة شامخة وخليج فسيح، كانت نيكولا دي شود تستعرض صوراً لمطبخها بعدما بعثرت القردة محتوياته إثر اقتحام مفاجئ. وفي حادثة أخرى، ألقى أحد القردة بكلبها عبر الشرفة. ثم جاء يناير (كانون الثاني)، فاندفع ذكر من البابون إلى داخل منزلها بجرأة صادمة، رافضاً المغادرة لمدة عشر دقائق بدت كأنها دهر طويل.

تقول دي شود (61 عاماً)، وهي صانعة أفلام وثائقية انتقلت قبل 5 سنوات من جوهانسبرغ إلى «سايمونز تاون»: «لقد أصبح الأمر بالغ الصعوبة، ومؤلماً نفسياً بالفعل».

لكن قردة البابون في كيب تاون، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، لم تشعل نزاعاً مع البشر فحسب، بل عمّقت الخلاف بينهم أيضاً، مع تصاعد الجدل حول إمكانية التعايش بين الطرفين أو ضرورة إبعاد القردة عن المناطق السكنية بالكامل.

وخلال احتجاج عام 2024 ضد دخول القردة إلى مجتمع «كوميتجي»، انتهت مواجهة بين مؤيدين ومعارضين لوجودها باستخدام رذاذ الفلفل ضد أحد الأشخاص وأحد القردة.

ووصفت «خطة العمل لإدارة بابون الكيب لعام 2025» الوضع بأنه «مشكلة معقدة مستعصية»، مشيرة إلى أنه «لا يوجد حل واحد يمكن أن يرضي جميع الأطراف أو ينهي النزاع بصورة نهائية».

تغطي جبال المدينة مساحة تمتد إلى نحو 25 ألف هكتار ضمن متنزه جبل الطاولة الوطني، إلا أن المتنزه مجزأ. وتميل قردة «الشاكما» إلى البحث عن الغذاء في الأراضي المنخفضة، وهي مساحات اقتطعت المدينة جزءاً كبيراً منها مع نمو عدد السكان بنسبة 65 في المائة، ليبلغ 4.8 مليون نسمة بين عامي 2001 و2022.

قرد البابون يقفز بخفة من الأسفلت إلى جدران الحدائق (لقطة من فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي)

وحسب بيانات الخطة، ارتفع عدد القردة، التي لا تواجه مفترسات طبيعية في شبه جزيرة الكيب، بوتيرة مماثلة؛ من نحو 360 قرداً في عشرة قطعان مطلع القرن، إلى أكثر من 600 في 17 قطيعاً عام 2024.

ومع اعتياد كثير من القطعان على البحث عن طعام بشري عالي السعرات، ازداد عدد القردة التي تُقتل بالرصاص، أو تدهسها السيارات، أو تنهشها الكلاب، أو تتعرض للصعق الكهربائي. ففي عام 2013، سُجلت وفاة 4 قردة لأسباب مرتبطة بالبشر، وفق الإحصاء الرسمي السنوي، في حين بلغ العدد 33 في عام 2024.

ويرى نشطاء حقوق الحيوان أن على السكان تحمّل مسؤولية التعايش، عبر إحكام إغلاق حاويات القمامة، وتأمين الأبواب والنوافذ، وتدريب الكلاب على عدم مهاجمة القردة.

وتطالب ليندا سيلك، وهي معالجة وناشطة تعمل على توعية الناس بكيفية العيش إلى جانب الطبيعة، بمزيد من المساءلة، قائلة: «لم تُسجَّل أي إدانة ناجحة بحق شخص أطلق النار على قرد بابون».

في المقابل، يرى توم كوهين، وهو صحافي أميركي تقاعد في كيب تاون عام 2019، أن التعايش الحضري السلمي أمر مستحيل. ووصف القطيعين اللذين يترددان على «سايمونز تاون» بأنهما «اعتادا كلياً على الغذاء البشري والمستوطنات من أجل البقاء»، مضيفاً: «لم يعودا قردة برية».

ورغم جهوده لتحصين منزله، تمكنت قردة في فبراير (شباط) 2025 من تحطيم نافذة الحمام والدخول، فكسرت جهاز الميكروويف وتركت فضلاتها خلفها. ويقول: «رائحة القردة تبقى عالقة، أؤكد لك ذلك».

وكانت مستويات الحكومة الثلاثة قد وافقت على إقامة أسوار لإبعاد القردة عن بعض المناطق، وتطبيق لائحة جديدة تعتمد سياسة «صفر تسامح» تجاه إيذاء الرئيسيات.

وفي «سايمونز تاون»، عُدَّ بناء سياج أمراً غير عملي بسبب طبيعة التضاريس، لذلك اقترحت السلطات نقل القطيعين إلى محمية في وقت لاحق من هذا العام، مع إبقاء القتل الرحيم، الذي يرفضه نشطاء حقوق الحيوان، خياراً أخيراً.

غير أن الخطة برمتها تواجه الآن طعناً قانونياً؛ إذ يعترض كثير من النشطاء على فكرة المحمية، ويفضل بعضهم الاستمرار بالاعتماد على الحراس الذين يطلقون كرات الطلاء قرب القردة لإخافتها وإبعادها عن المنازل، وهي مهمة تولتها منذ مارس (آذار) 2025 منظمة «شراكة بابون الكيب» غير الربحية.

وتقول ساندي ماكدونالد (54 عاماً)، التي تقود منظمة «حفظ مدني لشبه جزيرة الكيب» مع ليندا سيلك: «ما يقلقنا أن قرار نقلها إلى محمية، بل وحتى إعدامها، اتُّخذ قبل استقرار الإدارة الجديدة لحراس البابون». وتضيف أن دخول القردة إلى معظم تلك المناطق «تراجع بشكل ملحوظ».

أما نيرين دورمان (47 عاماً)، المقيمة في «ويلكوم غلين»، فترفض فكرة المحمية بشدة، قائلة: «الأجدى أن تُعدم بدلاً من حبسها في أسر دائم».

غير أن جوسلين مورميل، العالمة في «شراكة بابون الكيب» التي درست قردة جنوب أفريقيا لمدة 15 عاماً، ترى أن الحراس وحدهم لا يمكنهم حل المشكلة في «سايمونز تاون». وتقول: «إنها معركة خاسرة نخوضها يومياً لإرضاء القردة والناس هناك».

وخلال أطروحة الدكتوراه، درست مورميل قرية «روي - إلس»، الواقعة على بُعد نحو 32 كيلومتراً جنوب كيب تاون، حيث اختار السكان نهج التعايش. لكنها وجدت أن معدلات نفوق القردة بقيت أعلى من نظيرتها في البرية، مع مقتل 11 صغيراً دهساً خلال 4 سنوات. وتقول: «لا يمكنني أبداً الترويج لفكرة تقاسم المساحة».

من جهته، حمّل جاستن أورايين، أستاذ في جامعة كيب تاون، نشطاء الرفق بالحيوان جانباً من مسؤولية النزاع بين الإنسان والحياة البرية، مشيراً إلى طعون قانونية أسهمت، حسب رأيه، في عرقلة قرارات إدارية مهمة تتعلق بإدارة القردة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تشكّل أحد القطيعين في «سايمونز تاون».

وقال: «لا توجد مساءلة لأولئك الذين ينتقدون أساليب إدارة البابون من دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ».