التواريخ الكبيرة وإعادة كتابة التأريخ

فهمها يشكل موضوعاً حاسماً في تشكيل صورة المستقبل

ديفيد كريستيان
ديفيد كريستيان
TT

التواريخ الكبيرة وإعادة كتابة التأريخ

ديفيد كريستيان
ديفيد كريستيان

(إعادة كتابة التأريخ): كثيراً ما طرقت أسماعنا تلك العبارة التي صارت علامة مميزة لعصر الآيديولوجيات الكبيرة. كلّ آيديولوجيا تسعى لثني عنق التأريخ البشري وإدخاله في خرم إبرة تكيّف الحقائق - بل أكاد أقول تصنّعها - بحسب متطلبات الآيديولوجيا ورؤيتها حتى بات التأريخ البشري أقرب لصناعة يُشترطُ فيها أن تدعم الرؤى الآيديولوجية بطرق لم تكن تخلو من المزاجية والاعتباطية السقيمة، وليست العبارات المكرورة على شاكلة (عجلة التأريخ)، (ديكتاتورية البروليتاريا)، (التراكم الكمي يخلق تحوّلاً نوعياً)، (اليد الخفية)، (الأسواق الحرّة) سوى بعض الأمثلة وحسب على تلك الأمثولات الحكائية التي كان يُرادُ لها أن تصير تأريخاً رسمياً راكزاً في المخيال الشعبي بمثل رسوخ المواضعات الكهنوتية. لا شكّ حتماً في أنّ أسبقية هذه السرديات التأريخية المدعومة بدفع آيديولوجي جاءت بسبب خفوت العقلية العلمية والتقنية وانكفاء العلم على صورة بناء فوقي بعيد عن مخاطبة العقل الجمعي مثلما تفعل الآيديولوجيات التي تتمترس وراء قوة الدولة الشمولية على صعيد الدولة والاقتصاد والإعلام بل وحتى فنون الخطابة واستثارة الغرائز البدائية، وثمة أسباب أخرى تأتي في مقدّمتها الحرب الباردة التي كانت قائمة بين المعسكرين الشرقي والغربي - تلك الحرب التي استخدِمت فيها كلّ الوسائل - بما فيها المصنّعات الآيديولوجية - لغرض تعزيز عوامل التفوّق على الخصم بوسائل منها اللجوء إلى إعادة كتابة التأريخ بطريقة تشيطن الآخر وتُعلي شأن الكينونات القومية حتى لو كان الأمر لا يخلو من تدليس وتلفيق. الآيديولوجيا، إذن، صناعة بشرية تحتمل كلّ الرؤى والتسويغات التي تحقّق الفائقية على الخصم المطلوب تدميره في نهاية المطاف.
يطيب للكثيرين منّا وصف العصر الذي نحيا فيه بأنّه عصر العلم والتقنية، وهذا قولٌ محمود وصحيح في دلالته؛ لكنه يستبطن نوعاً من الخفّة الحسّية التي صارت معلماً من معالم حياتنا؛ إذ صار هؤلاء يرون في العلم ومنتجاته التقنية (الهاتف النقال مثالاً) دليلاً صارماً على مدى تغلغل العلم في أدق تفاصيل حياتنا بعد أن لمسوا حسياً مصنّعاته على أرض الواقع فحسب؛ لكن ثمة ما هو أعمق من هذه العلاقة الحسية بكثير: يمكن اعتبار العلم - ومصنّعاته التقنية - نوعاً من آيديولوجيا جمعية بديلة عن الآيديولوجيات الغابرة بعد أن غادر العلم موقع المنتج الفوقي وصار يؤثّر في حياة الناس بطريقتين: الأولى حسية مباشرة يستشعرها الناس وهم يتعاملون مع مخرجات العلم والتقنية التي باتت سريعة التبدّل والتحديث، والثانية عقلية - سيكولوجية مركّبة راحت تعدّل في رؤية الناس لأنفسهم وعلاقتهم المركّبة شديدة التعقيد مع الكون. إنّ القول بكون العلم نمطاً من آيديولوجيا بديلة هو قولٌ ينطوي على شحنة استعارية يُراد منها الكشف عن الدور المتعاظم للعلم في حياتنا وأسبقيته على كلّ منظومة آيديولوجية مفترضة؛ فنحن نعرف تماماً طبيعة العلم غير الآيديولوجية التي تناقض المواضعات المتكلسة وتفترض التغيير المستديم الذي لا ينقطع.
فَرَضَ العلم - والتقنية كذلك - واقع حال مستجدّاً صرنا معه مدفوعين دفعاً – لا قدرة لنا على مناكفته أو تعويقه - لإعادة كتابة تأريخنا الطبيعي والبشري بطريقة تستفيد من الرؤية العلمية التي تعتمد على منظور الأنساق المعقدة المتفاعلة مع بعضها في إطار كلٍّ حيوي واحد. ثمة مؤرّخون خرجوا على سياقات البحث التأريخي في أصول النشأة الأولى الخاصة بكلّ مجتمع وراحوا ينقّبون بجهد وصبر في حكاية الأصول الأولى للبشرية باعتبارها مركّباً واحداً شاملاً بصرف النظر عن التباينات العرقية والبيئية المحلية، ويدعى هذا البحث (التأريخ الكبير Big History) - ذلك المبحث الذي أسّسه المؤرّخ (ديفيد كريستشيان David Christian) وجعل منه برنامجاً بحثياً حافلاً بشتى الكشوفات المعرفية التي أثارت إعجاب الكثيرين ومنهم (بيل غيتس) الذي تبرّع للمشروع بعشرة ملايين دولار على أمل أن يصبح المشروع برنامجاً دراسيا في الثانويات والجامعات الأميركية بديلاً عن التواريخ التقليدية التي تعلي شأن الوقائع بدل الأفكار.
كتب (بِل غيتس) في مدوّنته الإلكترونية العالمية عام 2012 التقريظ التالي بشأن فكرة (التأريخ الكبير):
فجّر (ديفيد كريستشيان، المترجمة) عقلي؛ فها نحن أمام إنسانٍ متفكّر قرأ الكثير في الروابط الجامعة بين العلوم والإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وربط كلّ مقروءاته في صيغة إطارية بنيوية جامعة، وقد بلغت بي الدهشة حدّ أنني تمنّيتُ دراسة مقررات مدرسية وجامعية في موضوعة (التأريخ الكبير) في أيام شبابي؛ إذ أنّ هذا الأمر كان كفيلاً بجعلي أتفكّر بطريقة أفضل بشأن كلّ عملي المدرسي وقائمة مقروءاتي اللاحقة ومجمل رؤيتي المهنية. إنّ ما يفعله (التأريخ الكبير)، بخاصة، هو أن يضع العلوم في سياق تأريخي بالغ الإدهاش يمتلك القدرة على توضيح الكيفية التي يمكن بها تطبيق الأفكار العلمية على الكثير من الجوانب المعاصرة في حياتنا.
ربما يوحي العنوان الضخم ذو اللمسة الدرامية (التأريخ الكبير) بأنّ هذا التأريخ يحكي عن كلّ الوقائع البشرية مهما صغرت أو تضاءلت؛ غير أنّ المعنى المحدّد للتأريخ الكبير هو سرد حكاية الكون منذ الانفجار العظيم Big Bang مروراً بالعلامات الأولى لتشكّل الحياة وانتهاءً بالتشكّلات المعقّدة التي تمثّل المجتمعات البشرية أعلاها مرتبة، وبهذه الشاكلة يكون (التأريخ الكبير) أقرب إلى الكوسمولوجيا والفيزياء والكيمياء التخليقية وعلم الأحياء التطورية والنظم المعقدة، وهذا التأريخ يتفق تماماً مع توجهات الثقافة الثالثة التي تتعالى على التواريخ التقليدية وتجعل المفردات العلمية حاضرة في كلّ المساءلات التأريخية الخاصة بنشأة الإنسان والكون والمجتمعات البشرية. بالإضافة إلى ما تقدّم يمتلك (التأريخ الكبير) القدرة على كشف حقيقة أنّ كلّ شيء في هذا الكون يتصل بسلسلة سببية مع الأشياء الأخرى؛ الأمر الذي يؤدي لتخليق بصيرة فردية تعزز قدرة المرء على استنتاج شواهد من مباحث معرفية بينية مشتبكة وصَهْرها في سردية مفردة مفهومة تعزز روح الشغف وتخمد نيران الكبرياءات القومية التي ترى أفضلية بعض الأعراق والإثنيات البشرية عن سواها.
إنّ فهم قصة التأريخ الكبير للبشرية، وبالمعنى الذي بيّنتُه أعلاه، موضوع حاسم في تشكيل صورة المستقبل الذي نتوجّه إليه وترتسم معالمه أمامنا في اللحظة الحاضرة، وسوف تتكفل القراءة الواعية والصبورة لمثل هذه التواريخ البديلة في جعل مواطن القرن الحادي والعشرين يحوز نظرة محدّثة وغير مسبوقة ستمكّنه في نهاية الأمر من حيازة قدر أعظم من المعرفة يكفي لتفهّم مكانة الإنسان في هذا الكون من جهة، وإدراك العلاقات المشتبكة بين الإنسان وسائر البشر والموجودات في هذا العالم والكون بعامة بعيداً عن ثقل الحمولات الآيديولوجية المضلّلة والمبتسرة فضلاً عن كونها لم تعُد تصلح للتعامل مع معضلات عصرنا الحافل بمخاطر إشكالية لن تعمل الآيديولوجيا إلّا على إذكاء نارها المستعرة وبالكيفية ذاتها التي لطالما فعلتها في سنوات الحرب الباردة – تلك الحرب التي تلوح تباشيرها في الأفق بأشكال شتى.
بقي لي أن أشير إلى بعض المؤلفات التي تمثّلُ معالم دلالية مهمّة في موضوعة (التأريخ الكبير)، وأبتغي من هذا المسعى تعزيز رغبة القارئ العربي في قراءة هذه المصنّفات المعرفية التي باتت تلقى مقروئية هائلة على أوسع النطاقات في العالم الغربي:
1. قصة الأصول: التأريخ الكبير لكلّ شيء
Origin Story: A Big History of Everything
لمؤلفه (ديفيد كريستشيان David Christian).
2. خرائط الزمان: مقدمة في التأريخ الكبير
Maps of Time: An Introduction to Big History
لمؤلفه (ديفيد كريستشيان)
3. التأريخ الكبير: من الانفجار العظيم وحتى وقتنا الحاضر
Big History: From the Big Bang to the Present
لمؤلفته (سينثيا ستوكس براون Cynthia Stokes Brown)
4. الكتاب الصغير للتأريخ الكبير
The Little Book of Big History
للمؤلّفين (إيان كروفتون Ian Crofton) و(جيريمي بلاك
Jeremy Black).
5. التأريخ الكبير ومستقبل البشرية
Big History and the Future of Humanity
لمؤلفه (فرِد سبير Fred Spier)

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».