التواريخ الكبيرة وإعادة كتابة التأريخ

فهمها يشكل موضوعاً حاسماً في تشكيل صورة المستقبل

ديفيد كريستيان
ديفيد كريستيان
TT

التواريخ الكبيرة وإعادة كتابة التأريخ

ديفيد كريستيان
ديفيد كريستيان

(إعادة كتابة التأريخ): كثيراً ما طرقت أسماعنا تلك العبارة التي صارت علامة مميزة لعصر الآيديولوجيات الكبيرة. كلّ آيديولوجيا تسعى لثني عنق التأريخ البشري وإدخاله في خرم إبرة تكيّف الحقائق - بل أكاد أقول تصنّعها - بحسب متطلبات الآيديولوجيا ورؤيتها حتى بات التأريخ البشري أقرب لصناعة يُشترطُ فيها أن تدعم الرؤى الآيديولوجية بطرق لم تكن تخلو من المزاجية والاعتباطية السقيمة، وليست العبارات المكرورة على شاكلة (عجلة التأريخ)، (ديكتاتورية البروليتاريا)، (التراكم الكمي يخلق تحوّلاً نوعياً)، (اليد الخفية)، (الأسواق الحرّة) سوى بعض الأمثلة وحسب على تلك الأمثولات الحكائية التي كان يُرادُ لها أن تصير تأريخاً رسمياً راكزاً في المخيال الشعبي بمثل رسوخ المواضعات الكهنوتية. لا شكّ حتماً في أنّ أسبقية هذه السرديات التأريخية المدعومة بدفع آيديولوجي جاءت بسبب خفوت العقلية العلمية والتقنية وانكفاء العلم على صورة بناء فوقي بعيد عن مخاطبة العقل الجمعي مثلما تفعل الآيديولوجيات التي تتمترس وراء قوة الدولة الشمولية على صعيد الدولة والاقتصاد والإعلام بل وحتى فنون الخطابة واستثارة الغرائز البدائية، وثمة أسباب أخرى تأتي في مقدّمتها الحرب الباردة التي كانت قائمة بين المعسكرين الشرقي والغربي - تلك الحرب التي استخدِمت فيها كلّ الوسائل - بما فيها المصنّعات الآيديولوجية - لغرض تعزيز عوامل التفوّق على الخصم بوسائل منها اللجوء إلى إعادة كتابة التأريخ بطريقة تشيطن الآخر وتُعلي شأن الكينونات القومية حتى لو كان الأمر لا يخلو من تدليس وتلفيق. الآيديولوجيا، إذن، صناعة بشرية تحتمل كلّ الرؤى والتسويغات التي تحقّق الفائقية على الخصم المطلوب تدميره في نهاية المطاف.
يطيب للكثيرين منّا وصف العصر الذي نحيا فيه بأنّه عصر العلم والتقنية، وهذا قولٌ محمود وصحيح في دلالته؛ لكنه يستبطن نوعاً من الخفّة الحسّية التي صارت معلماً من معالم حياتنا؛ إذ صار هؤلاء يرون في العلم ومنتجاته التقنية (الهاتف النقال مثالاً) دليلاً صارماً على مدى تغلغل العلم في أدق تفاصيل حياتنا بعد أن لمسوا حسياً مصنّعاته على أرض الواقع فحسب؛ لكن ثمة ما هو أعمق من هذه العلاقة الحسية بكثير: يمكن اعتبار العلم - ومصنّعاته التقنية - نوعاً من آيديولوجيا جمعية بديلة عن الآيديولوجيات الغابرة بعد أن غادر العلم موقع المنتج الفوقي وصار يؤثّر في حياة الناس بطريقتين: الأولى حسية مباشرة يستشعرها الناس وهم يتعاملون مع مخرجات العلم والتقنية التي باتت سريعة التبدّل والتحديث، والثانية عقلية - سيكولوجية مركّبة راحت تعدّل في رؤية الناس لأنفسهم وعلاقتهم المركّبة شديدة التعقيد مع الكون. إنّ القول بكون العلم نمطاً من آيديولوجيا بديلة هو قولٌ ينطوي على شحنة استعارية يُراد منها الكشف عن الدور المتعاظم للعلم في حياتنا وأسبقيته على كلّ منظومة آيديولوجية مفترضة؛ فنحن نعرف تماماً طبيعة العلم غير الآيديولوجية التي تناقض المواضعات المتكلسة وتفترض التغيير المستديم الذي لا ينقطع.
فَرَضَ العلم - والتقنية كذلك - واقع حال مستجدّاً صرنا معه مدفوعين دفعاً – لا قدرة لنا على مناكفته أو تعويقه - لإعادة كتابة تأريخنا الطبيعي والبشري بطريقة تستفيد من الرؤية العلمية التي تعتمد على منظور الأنساق المعقدة المتفاعلة مع بعضها في إطار كلٍّ حيوي واحد. ثمة مؤرّخون خرجوا على سياقات البحث التأريخي في أصول النشأة الأولى الخاصة بكلّ مجتمع وراحوا ينقّبون بجهد وصبر في حكاية الأصول الأولى للبشرية باعتبارها مركّباً واحداً شاملاً بصرف النظر عن التباينات العرقية والبيئية المحلية، ويدعى هذا البحث (التأريخ الكبير Big History) - ذلك المبحث الذي أسّسه المؤرّخ (ديفيد كريستشيان David Christian) وجعل منه برنامجاً بحثياً حافلاً بشتى الكشوفات المعرفية التي أثارت إعجاب الكثيرين ومنهم (بيل غيتس) الذي تبرّع للمشروع بعشرة ملايين دولار على أمل أن يصبح المشروع برنامجاً دراسيا في الثانويات والجامعات الأميركية بديلاً عن التواريخ التقليدية التي تعلي شأن الوقائع بدل الأفكار.
كتب (بِل غيتس) في مدوّنته الإلكترونية العالمية عام 2012 التقريظ التالي بشأن فكرة (التأريخ الكبير):
فجّر (ديفيد كريستشيان، المترجمة) عقلي؛ فها نحن أمام إنسانٍ متفكّر قرأ الكثير في الروابط الجامعة بين العلوم والإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وربط كلّ مقروءاته في صيغة إطارية بنيوية جامعة، وقد بلغت بي الدهشة حدّ أنني تمنّيتُ دراسة مقررات مدرسية وجامعية في موضوعة (التأريخ الكبير) في أيام شبابي؛ إذ أنّ هذا الأمر كان كفيلاً بجعلي أتفكّر بطريقة أفضل بشأن كلّ عملي المدرسي وقائمة مقروءاتي اللاحقة ومجمل رؤيتي المهنية. إنّ ما يفعله (التأريخ الكبير)، بخاصة، هو أن يضع العلوم في سياق تأريخي بالغ الإدهاش يمتلك القدرة على توضيح الكيفية التي يمكن بها تطبيق الأفكار العلمية على الكثير من الجوانب المعاصرة في حياتنا.
ربما يوحي العنوان الضخم ذو اللمسة الدرامية (التأريخ الكبير) بأنّ هذا التأريخ يحكي عن كلّ الوقائع البشرية مهما صغرت أو تضاءلت؛ غير أنّ المعنى المحدّد للتأريخ الكبير هو سرد حكاية الكون منذ الانفجار العظيم Big Bang مروراً بالعلامات الأولى لتشكّل الحياة وانتهاءً بالتشكّلات المعقّدة التي تمثّل المجتمعات البشرية أعلاها مرتبة، وبهذه الشاكلة يكون (التأريخ الكبير) أقرب إلى الكوسمولوجيا والفيزياء والكيمياء التخليقية وعلم الأحياء التطورية والنظم المعقدة، وهذا التأريخ يتفق تماماً مع توجهات الثقافة الثالثة التي تتعالى على التواريخ التقليدية وتجعل المفردات العلمية حاضرة في كلّ المساءلات التأريخية الخاصة بنشأة الإنسان والكون والمجتمعات البشرية. بالإضافة إلى ما تقدّم يمتلك (التأريخ الكبير) القدرة على كشف حقيقة أنّ كلّ شيء في هذا الكون يتصل بسلسلة سببية مع الأشياء الأخرى؛ الأمر الذي يؤدي لتخليق بصيرة فردية تعزز قدرة المرء على استنتاج شواهد من مباحث معرفية بينية مشتبكة وصَهْرها في سردية مفردة مفهومة تعزز روح الشغف وتخمد نيران الكبرياءات القومية التي ترى أفضلية بعض الأعراق والإثنيات البشرية عن سواها.
إنّ فهم قصة التأريخ الكبير للبشرية، وبالمعنى الذي بيّنتُه أعلاه، موضوع حاسم في تشكيل صورة المستقبل الذي نتوجّه إليه وترتسم معالمه أمامنا في اللحظة الحاضرة، وسوف تتكفل القراءة الواعية والصبورة لمثل هذه التواريخ البديلة في جعل مواطن القرن الحادي والعشرين يحوز نظرة محدّثة وغير مسبوقة ستمكّنه في نهاية الأمر من حيازة قدر أعظم من المعرفة يكفي لتفهّم مكانة الإنسان في هذا الكون من جهة، وإدراك العلاقات المشتبكة بين الإنسان وسائر البشر والموجودات في هذا العالم والكون بعامة بعيداً عن ثقل الحمولات الآيديولوجية المضلّلة والمبتسرة فضلاً عن كونها لم تعُد تصلح للتعامل مع معضلات عصرنا الحافل بمخاطر إشكالية لن تعمل الآيديولوجيا إلّا على إذكاء نارها المستعرة وبالكيفية ذاتها التي لطالما فعلتها في سنوات الحرب الباردة – تلك الحرب التي تلوح تباشيرها في الأفق بأشكال شتى.
بقي لي أن أشير إلى بعض المؤلفات التي تمثّلُ معالم دلالية مهمّة في موضوعة (التأريخ الكبير)، وأبتغي من هذا المسعى تعزيز رغبة القارئ العربي في قراءة هذه المصنّفات المعرفية التي باتت تلقى مقروئية هائلة على أوسع النطاقات في العالم الغربي:
1. قصة الأصول: التأريخ الكبير لكلّ شيء
Origin Story: A Big History of Everything
لمؤلفه (ديفيد كريستشيان David Christian).
2. خرائط الزمان: مقدمة في التأريخ الكبير
Maps of Time: An Introduction to Big History
لمؤلفه (ديفيد كريستشيان)
3. التأريخ الكبير: من الانفجار العظيم وحتى وقتنا الحاضر
Big History: From the Big Bang to the Present
لمؤلفته (سينثيا ستوكس براون Cynthia Stokes Brown)
4. الكتاب الصغير للتأريخ الكبير
The Little Book of Big History
للمؤلّفين (إيان كروفتون Ian Crofton) و(جيريمي بلاك
Jeremy Black).
5. التأريخ الكبير ومستقبل البشرية
Big History and the Future of Humanity
لمؤلفه (فرِد سبير Fred Spier)

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن



قرية القضاة المصرية تحقق شهرة واسعة بفضل كرة القدم

البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
TT

قرية القضاة المصرية تحقق شهرة واسعة بفضل كرة القدم

البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

نجحت قرية مصرية صغيرة في دلتا النيل بمحافظة الشرقية في تحقيق حضور إعلامي وجماهيري لافت تجاوز حدودها الجغرافية بفضل كرة القدم، بعدما تحولت دورة محلية تنظمها سنوياً إلى حدث رياضي واجتماعي يجتذب آلاف المتابعين، والمسؤولين الحكوميين، وشخصيات عامة، ورعاة، ومعلنين، في مشهد يعكس الدور المتنامي لكرة القدم الشعبية في مصر.

فمن قلب القرى والمحافظات فرضت دورات مراكز الشباب والملاعب الترابية حضورها بقوة خلال السنوات الأخيرة، بعد أن نجحت تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى، بينما تخطف مواهب لاعبيها عقول وقلوب الجماهير.

وأسدل الستار أمس (الأربعاء) على منافسات دورة قرية القضاة لكرة القدم 2026، وسط حضور جماهيري كثيف، وأجواء احتفالية غير معتادة بالنسبة لقرية صغيرة، وبحضور وزير الشباب والرياضة المصري، جوهر نبيل، للمباراة النهائية، برفقة قيادات برلمانية، وتنفيذية، وشعبية، في انعكاس للمكانة التي تحظى بها البطولة.

حضور جماهيري كثيف للمباراة النهائية لدورة قرية القضاة 2026 (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

وتوّج فريق قرية القضاة (صاحب الأرض) بلقب البطولة بعد فوزه على فريق ميرا بركلات الترجيح بنتيجة 7/6، عقب مباراة أقيمت تحت الأضواء الكاشفة، وحضور جماهيري ملأ جنبات الملعب، والطرق، والأسطح المحيطة به. وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية حتى تحولت شوارع القرية إلى ساحة احتفال كبيرة، حيث أضاءت الألعاب النارية السماء، وخرج الأهالي للاحتفال بفوز فريقهم.

أما الجوائز المالية فعكست حجم التطور الذي وصلت إليه البطولة مقارنة بالدورات الشعبية الأخرى، حيث رصدت اللجنة المنظمة جوائز مالية كبيرة للمباراة النهائية، إذ حصل الفريق الفائز بالمركز الأول على جائزة قدرها 40 ألف جنيه (الدولار يساوي 53.92 جنيها)، فيما حصل الفريق صاحب المركز الثاني على 30 ألف جنيه، بإجمالي جوائز بلغ 70 ألف جنيه.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ حظي النهائي بتغطية إعلامية مباشرة عبر قناة رياضية متخصصة تولت نقل المباراة بأحدث تقنيات التصوير والإخراج التلفزيوني، في مؤشر على تنامي الحضور الجماهيري والإعلامي للبطولة، وتحولها إلى حدث تتجاوز أصداؤه حدود القرية، ومحافظة الشرقية.

وهو ما دفع وزير الشباب والرياضة للتعليق بأن «بطولة القضاة تمثل نموذجاً متميزاً لدور الرياضة في تعزيز العلاقات المجتمعية، وإعلاء قيم الروح الرياضية، والتنافس الشريف»، مؤكداً أهمية استمرار هذه المبادرات والبطولات الشعبية التي تجمع أبناء المجتمع حول ممارسة الرياضة، وتسهم في اكتشاف المواهب، وتعزيز روح الانتماء.

وزير الشباب والرياضة المصري جوهر نبيل يسلم كأس البطولة (وزارة الشباب والرياضة)

يوسف كهربا، المسؤول الإعلامي لـ«بطولة القضاة للمحترفين»، وأحد المُنظمين لها، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن البطولة منحت قرية القضاة شهرة غير مسبوقة على مستوى مصر، ويوضح أن القيمة الأساسية للبطولة تكمن في الحضور الإعلامي الكبير الذي حققته للقرية، موضحاً أن اسمها بات متداولاً على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعلها، بحسب وصفه، من أكثر القرى المصرية حضوراً في المشهد الرياضي الشعبي خلال السنوات الأخيرة.

ويشير إلى أن التأثير الأبرز كان في رواج اسم القرية خارج حدود محافظة الشرقية، مشيراً إلى أن المواد المصورة الخاصة بالبطولة حققت مئات الملايين من المشاهدات عبر المنصات الرقمية المختلفة الخاصة بها، التي تولت تغطية المباريات، ونشر أبرز اللقطات، والأهداف، وهو ما ساهم في اتساع دائرة المتابعين بصورة كبيرة.

ويضيف كهربا أن النجاح الإعلامي والتنظيمي للبطولة دفع العديد من منظمي الدورات الرياضية الشعبية في المحافظات الأخرى إلى التواصل مع اللجنة المنظمة للاستفادة من تجربتها، خصوصاً كيفية تجهيز الملعب، وإدارة المباريات، واستقدام الفرق، والحكام، فضلاً عن رغبة بعض المنظمين في استضافة فرق اعتادت المشاركة في بطولة القضاة، بهدف رفع مستوى التنافس لبطولاتهم المحلية.

بطولة شعبية منحت قرية القضاة شهرة غير مسبوقة على مستوى مصر (وزارة الشباب والرياضة)

ويرى عضو اللجنة أن حضور وزير الشباب والرياضة للمباراة النهائية مثل لحظة فارقة بالنسبة لأهالي القرية، لأنها عكست حجم الاهتمام الذي باتت تحظى به البطولة، مبيناً أن الزيارة كانت مصدر فخر كبير للسكان، ورسالة بأن حدثاً رياضياً شعبياً انطلق من قرية صغيرة أصبح قادراً على جذب المسؤولين وصناع القرار إلى قلب الريف المصري.

ويرى الناقد الرياضي، أيمن هريدي، أن حضور وزير الشباب والرياضة للمباراة النهائية لدورة القضاة أكسبها قوة، ومكانة، وجدية، وزاد من أهمية الدورات التي تقام في الأقاليم، وأكد أن المواهب موجودة في كل مكان، وتحتاج فقط الفرصة، مؤكداً أن الدورات التي تقام في المحافظات والريف هي «منجم» للموهوبين، وتعد فرصة لاكتشاف المواهب، وبديلاً حقيقياً عن الأكاديميات الرياضية باهظة الثمن، ويمكن أن يخرج منها أسماء لامعة في سماء الكرة المصرية.

أجواء احتفالية غير معتادة شهدتها قرية القضاة عقب انتهاء البطولة (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

ويبين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»، أن لهذه الدورات دوراً في توسيع قاعدة الممارسة الرياضية، بما يسهم في شغل أوقات فراغ الشباب والنشء بشكل إيجابي، وتوجيه طاقاتهم نحو نشاط بدني ينمي مهاراتهم، وقدراتهم الذهنية، والبدنية.

كما يشير هريدي إلى أن دورات كرة القدم الشعبية والريفية في المحافظات المصرية لها أهمية اجتماعية ورياضية كبيرة، حيث تتجاوز كونها مجرد مباريات ترفيهية لتشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي، والمجتمعي، فلها دورها في تعزيز الروابط الاجتماعية، حيث يشارك سكان القرية في الاستعدادات التنظيمية، ما يجمع أهل القرية والشباب في أجواء من الألفة، والانتماء، والتنافس الشريف.


«عبد الوهاب» في أمسية موسيقية تستعيد إرثه الفني في لبنان

الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
TT

«عبد الوهاب» في أمسية موسيقية تستعيد إرثه الفني في لبنان

الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تحيي الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية أمسية غنائية تكريماً للموسيقار محمد عبد الوهاب، تحمل عنوان «في حبّ موسيقار الأجيال عبد الوهاب والخلود». وتتولى إحياء الأمسية الفنانة نادين عواد، التي تؤدي على مسرح كازينو لبنان باقة من روائع الموسيقار الراحل. وتُسجِّل نادين بهذه المناسبة سابقة فنية، إذ ستكون أول فنانة لبنانية تؤدي أغنية «من غير ليه» كاملة على المسرح.

ويشير المايسترو أندريه الحاج، قائد الأوركسترا الوطنية والمشرف على البرنامج الموسيقي للأمسية، إلى أن اختياره صوتاً نسائياً جاء انطلاقاً من اقتناعه بموهبة نادين عواد، وما تمتلكه من نضج غنائي يؤهلها لخوض هذه التجربة. ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «نادين هي ابنة الموسيقي الراحل فؤاد عواد، وقد سبق أن تعاونّا قبل نحو سنتين في حفل غنائي. يومها أدَّت أغنية (أنا لك على طول) لعبد الوهاب، فلفتني صوتها. وانتظرت الوقت المناسب لتقف منفردة على المسرح وتقدّم باقة من أغنياته».

المايسترو أندريه الحاج يدعو المدارس لإدراج هذه النشاطات في مناهجها التربوية (المايسترو أندريه الحاج)

ويؤكد الحاج أن أداء «من غير ليه» كاملة بصوت نسائي لبناني يشكّل تجربة لافتة، موضحاً أنها المرة الأولى التي تؤدي فيها امرأة هذه الأغنية كاملة على المسرح. ويقول: «أعدّها فرصة سانحة لنادين لإبراز موهبة غنائية مميزة. وكان دوري أن أكشف عن هذه الموهبة، لا سيما أنني أقوم بذلك انطلاقاً من حبي لاكتشاف أصوات تمتلك هذا المستوى من التميّز».

ويرى الحاج أن لبنان يزخر بمواهب غنائية كثيرة لم تحظَ بفرصة الظهور، مشدداً على أهمية البحث الدائم عن أصوات جديدة قادرة على مواصلة مسيرة الأغنية الأصيلة التي تركها كبار الفنانين. ويضيف أن الأمسية تستند إلى ثلاثة عناصر فنية أساسية لا غنى عنها في أي أمسية غنائية، هي الموسيقى والصوت والكلمة، وهي عناصر يراها ضرورية لنجاح أي عمل غنائي. ويقول: «حرصنا على حضورها مجتمعة، وهي قاعدة كان الرحابنة يعتمدونها على الخشبة لإنتاج أعمال مسرحية رفيعة المستوى».

وتُفتتح الأمسية بموسيقى أغنية «أنا وحبّي»، قبل أن تؤدي نادين عواد أغنيتَي «لا مش أنا اللي أبكي» و«يا مسافر وحدك». وفي منتصف الحفل، يقدّم الحاج مع الأوركسترا المقطوعة الموسيقية الشهيرة «النهر الخالد»، التي لحّنها عبد الوهاب عام 1954، من كلمات الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل، باللغة العربية الفصحى، وعلى مقام الكورد، وتتغنى بنهر النيل الخالد، وترتبط بوجدان المواطن والفلاح المصري، إذ تصف جمال ضفافه وأشجار النخيل المحيطة به بلغة شعرية وموسيقية رفيعة، تعبّر عن ارتباط المصريين بنهرهم.

ويتضمن البرنامج مجموعة من الأعمال الموسيقية والغنائية لعبد الوهاب، تمتد معها الأمسية لأكثر من ساعة. ويلفت الحاج إلى الإقبال الذي تشهده هذه الحفلات، مشيراً إلى نفاد بطاقات الدخول منذ اليوم الأول للإعلان عنها. وتأتي الأمسية في إطار التعاون بين المعهد الوطني للموسيقى وكازينو لبنان.

ومن بين الأغنيات التي تؤديها نادين عواد «إمتى الزمان»، من كلمات أمين عزّت الهجين، وهي واحدة من أشهر الطقاطيق الرومانسية الخالدة في تاريخ الموسيقى العربية.

يقام الحفل بالتعاون بين الكونسرفاتوار الوطني وكازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)

أما ختام الأمسية، فيكون مع «من غير ليه»، التي تؤديها نادين عواد كاملة على مدى نصف ساعة متواصلة، في تجربة تُعدّ الأولى من نوعها بصوت نسائي لبناني. ويعلّق الحاج: «لم يسبق أن قُدّمت الأغنية بهذا الشكل في لبنان، وأعدّ ذلك حدثاً فنياً من شأنه تعزيز مكانة لبنان الثقافية والفنية».

ويُفتح الحفل مجاناً أمام الجمهور، في خطوة تتيح للبنانيين من مختلف الشرائح الاجتماعية المشاركة في هذه الأمسية الموسيقية. وفي هذا السياق، يشدد الحاج على ضرورة توسيع قاعدة جمهور الحفلات الموسيقية، وعدم حصرها بفئة عمرية أو اجتماعية معينة. ويقول: «علينا الإكثار من هذا النوع من الحفلات، وتشجيع تلامذة المدارس على حضورها. فبرأيي، تبدأ التربية الفنية من البيت والمدرسة. هناك جيل بأكمله يجهل أغنيات عمالقة الفن في لبنان والعالم العربي. ومن هنا، أدعو المدارس إلى إدراج الحفلات الموسيقية الكلاسيكية ضمن مناهجها التربوية، لتعزيز هذا الجانب لدى التلامذة واصطحابهم إلى الأمسيات كي يتعرّفوا إلى الموسيقى الأصيلة».

ويشير الحاج إلى أن الأوركسترا الوطنية تحيي 4 حفلات من هذا النوع شهرياً، مما يتيح للمدارس إدراجها ضمن نشاطاتها الفنية. ويضيف: «ما الفائدة من أن يحضر هذه الحفلات الأشخاص أنفسهم ومن جيل معيّن؟ من الضروري توسيع آفاقها وإشراك جيل الشباب، ليتمكّن من التعرّف إلى تراثه الفني العربي. وأتفاجأ اليوم بوجود جيل لم يسبق له أن سمع بفيروز وفريد الأطرش ووديع الصافي وصباح، أو أم كلثوم وعبد الوهاب. وأعدّ ذلك نقصاً في الثقافة الفنية العامة. فالأوركسترا الوطنية ليست حكراً على أحد، بل هي حق من حقوق الشعب اللبناني، ومن واجبها أن تتيح له الاستفادة ثقافياً من كل ما تقدّمه من حفلات».


بعد 100 يوم من الضياع في المحيط... إنقاذ 5 أشخاص من قارب مفقود

 الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
TT

بعد 100 يوم من الضياع في المحيط... إنقاذ 5 أشخاص من قارب مفقود

 الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)

عُثر على خمسة أشخاص في دولة كيريباتي الواقعة جنوب المحيط الهادئ، بعدما أمضوا ثلاثة أشهر تائهين في عرض البحر على متن قارب صغير لا يتجاوز طوله 20 قدماً (نحو 6 أمتار)، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وأفاد خفر السواحل الأميركي في غوام بأن القارب، الذي كان على متنه تسعة أشخاص، فُقد أثره في 30 يوليو (تموز)، بعدما لم يصل إلى جزيرة «رو» التابعة لميكرونيزيا.

كانت السلطات قد أوقفت عمليات البحث عقب إخفاق فرق الإنقاذ في العثور على أي أثر للقارب أو ركابه، رغم تمشيط مساحة بلغت 85 ألفاً و700 كيلومتر مربع على مدى 10 أيام.

لكن سكان قرية في جزيرة «جنوب تاراوا» التابعة لجمهورية كيريباتي رصدوا القارب الصغير الأسبوع الماضي، وتمكنوا من إنقاذ خمسة من ركابه.

ووفقاً للتقارير، عُثر على القارب على بُعد نحو 5400 كيلومتر من الموقع الذي شوهدت فيه المجموعة للمرة الأخيرة.

وقال خفر السواحل الأميركي لوكالة «أسوشييتد برس»: «إنها أخبار مذهلة ورائعة؛ فقد عُثر على هؤلاء الأشخاص الخمسة، وهم يتلقون الرعاية حالياً».

وأضاف: «نتقدم بخالص تعازينا إلى عائلات وأصدقاء أولئك الذين لم يصلوا معهم».

رحلة مدتها ساعة تتحول إلى محنة استمرت أشهراً

كان الأشخاص التسعة في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو، عندما باغتتهم عاصفة حوّلت رحلتهم القصيرة إلى محنة امتدت لأشهر، عانوا خلالها الجوع وفقدوا عدداً من رفاقهم.

وحسب آرثر آيرونز الثاني، وهو مسؤول في ميكرونيزيا، فقد نفد وقود القارب في أثناء رحلة العودة، مما أدى إلى انحرافه عن مساره.

وأوضح آيرونز لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الركاب شاهدوا سفناً وطائرات في الأفق، ولوّحوا طلباً للمساعدة، لكن المسافة التي كانت تفصلهم عنها كانت كبيرة جداً.

وبعد نحو 100 يوم في عرض البحر، لمح الركاب جزيرة في الأفق، قبل أن يجنح قاربهم الصغير ويستقر على الشاطئ.

واهتدى الناجون الخمسة، وهم ثلاثة رجال ومراهقان، إلى البلدة مسترشدين بأصوات أجراس الكنيسة.

وفي البداية، اعتقد سكان القرية أن القادمين كانوا في حالة سُكر، بعدما شاهدوهم يترنحون في أثناء دخولهم البلدة.

ووفقاً للتقرير، توفي أربعة من ركاب القارب، بينهم طفل، خلال الأشهر التي قضوها تائهين في عرض البحر.

جفاف شديد وسوء تغذية حاد

وقال المشرّع كاو تيتاكي راكوروا، من دولة كيريباتي، إن الناجين يتلقون الرعاية حالياً على يد قسّ في الجزيرة.

من جانبها، أفادت الممرضة بوكين تورورو بأن الناجين الخمسة كانوا يعانون من جفاف شديد وسوء تغذية حاد. وأوضحت أنهم يخضعون للعلاج باستخدام المحاليل الوريدية، وأن علامات التعافي بدأت تظهر عليهم.

وأفادت: «إنهم يبتسمون، ويُبدون رغبتهم في تناول الطعام».

من جهته، أعلن حاكم ولاية تشوك في ميكرونيزيا، ألكسندر ناروهن، أنه بدأ محادثات مع حكومة كيريباتي لترتيب عودة الناجين إلى وطنهم.

وقال الحاكم: «كان على متن القارب المفقود تسعة أشخاص. نشكر الله على محبته ورحمته، إذ تم العثور على خمسة منهم».

وأضاف: «نواصل الدعاء لرفاقهم الأربعة الآخرين».