ياسمين يحيى: نساء الخمسينات يُلهمنني... وتأثرت بالبساطة الأوروبية

ياسمين يحيى: نساء الخمسينات يُلهمنني... وتأثرت بالبساطة الأوروبية

أسعى لإبراز التجارب الإنسانية في أعمالي... ومكتبتي أعز ما أملك
الخميس - 4 صفر 1441 هـ - 03 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14919]
القاهرة: إيمان مبروك
تصميم الأزياء الراقية عالم تتضافر فيه الأفكار المبدعة مع الإتقان؛ أمتار من القماش الرفيع المزين بالتطريز الفاخر، يتطلب تطويعه ساعات من العمل الدؤوب، ليخرج تصميماً يحقق حلم فتاة بأن تكون أميرة في ليلة زفافها، أو حلم امرأة تبحث عن لحظة يقف عندها الزمن ليعيد لها أنوثتها. والمصمم الذي يختار الخياطة الرفيعة هو شخص غالباً ما يكون لديه حس إبداعي فريد، دقيق في تفاصيله، صارم في خطوطه، لا يدع أي مجال للخطأ. وإذا كان العالم العربي يشهد حراكاً حديثاً في عالم الأزياء بشكل عام، فإن ما وصل له في خط الأزياء الراقية واضح، لا يدع مجالاً للشك بأن هناك أنامل مبدعة تلوح من الشرق الأوسط.

واحدة من الأسماء الساطعة في عالم الخياطة الرفيعة في الشرق الأوسط المصممة المصرية ياسمين يحيى، أو كما يعرفها متابعوها «ياسمين يايا»، مؤسسة دار «ميزون يايا»، التي أصبحت واحدة من المصممين العرب الذين ارتبط اسمهم بنجمات عالميات من الهند إلى أميركا.

التقت «الشرق الأوسط» مع ياسمين، لتروي لنا قصتها، وتتذكر كيف جاءت البدايات، وتقول: «منذ طفولتي، تعلمت الخياطة الرفيعة على يد جدتي، فرنسية الأصل، وكذلك أمي التي كانت تحب التفصيل اليدوي. أتذكر أن هذه اللحظات بين حركات القماش وملمسه كانت الأسعد في طفولتي. ساعدتني هذه الأجواء على أن أنفذ أول تصميم وعمري 11 عاماً».

اختيار ياسمين يحيى خط الخياطة الرفيعة، أو الهوت كوتور، لم يأتِ صدفة، فمنذ طفولتها تعلقت بالأعمال اليدوية التي تتطلب إتقاناً وحرفية، إذ تقول: «كنت أرافق أمي لشراء الأقمشة، ولا أبالغ إذا اعترفت أن محلات القماش كانت المكان الأقرب لقلبي، حتى أنني أشعر بالحزن في نهاية رحلة تسوق الأقمشة؛ ربما كان لديّ حس إبداعي يحركني تجاه الأداة التي رسمت طريقي في وقت لاحق».

اختارت ياسمين منذ البداية أن يبقى شغفها بتصميم الأزياء مجرد هواية لا تتكسب منها، حتى أنها تقول: «لم أتوقع يوماً أن أصبح مصممة أزياء»، وتستشهد بأنها تخرجت من الجامعة الأميركية بعد دراسة إدارة الأعمال، ثم سافرت إلى الإمارات للعمل في إحدى شركات الدعاية والإعلان، لتبدأ طريقها المهني مثل أي شابة في عمرها وقتذاك.

بالطبع، سألناها عن التصميم، وأين كان كل هذه السنوات؟ لتقول ياسمين: «ظل التصميم هواية شخصية، أمارسها فقط لتصميم أزيائي. في أحد الأعراس، صممت فستاني، ويبدو أنه كان مميزاً إلى الدرجة التي جعلت صديقاتي وأقاربي يطلبن مني تصميم أزياء سهرة لهن أيضاً».

وفي عام 2007، جاءت أول محطة حقيقية في حياة ياسمين يحيى، من خلال مشاركتها، بمحض الصدفة، في برنامج «ميشن فاشن» لدعم صغار المصممين العرب، تحت رعاية المصمم العالمي إيلي صعب. تقول ياسمين: «كنت في أحد الأعراس. وكعادتي، صممت فستاني، لأُفاجأ بإحدى المدعوات تسألني عن مصمم الفستان، وعندما عرفت أنني صاحبة التصميم، عرضت عليّ فكرة المشاركة في البرنامج، لأنها بالصدفة كانت منتجة البرنامج».

وعن تجربتها في «ميشن فاشن»، تقول يايا إن «هذه التجربة وضعتني في طريق آخر لم أكن أخطط له؛ منافسة دارسين ومحترفين لتصميم الأزياء كان تحدياً صعباً، لا سيما أن الحكم واحد من أهم المصممين في الساحة العالمية. حصولي على إحدى جوائز البرنامج أكسبني ثقة، وجعلني أنظر لتصميم الأزياء بوصفه مستقبلاً أبعد من الهواية؛ أدركت وقتها أنه الطريق الذي كان ينتظرني».

وتحول الشغف إلى مهنة، والهواية إلى طريق ومستقبل لا يعول على الموهبة فحسب، فهناك سوق ومنافسة وقواعد لريادة الأعمال، ويبدو أن كل العوامل والظروف كانت ممهدة لاختراق سوق الخياطة الرفيعة. كانت البداية من مصر، وبعد سنوات قررت الانتقال إلى دبي، كونها «أصبحت مركز تواصل الشرق والغرب، والانتقال إليها يُسهل التواصل مع زبوناتي حول العالم، لكن يبقى لمصر الفضل في تكوين شخصيتي واسمي»، حسب قولها.

الأزياء الراقية يمكن اعتبارها خطاً يمتزج فيه الفن والفخامة معاً؛ يطلق المصمم العنان لأفكاره وروحه لتسبح في كل العصور، وتأتي لنا بأروع القطع الفنية، والعمود الرئيسي للخياطة الرفيعة هو الإتقان، ولا يُستخدم في إنتاجها سوى أفضل الخامات والتطريزات السخية. وصُناع هذا المجال يولون عناية فائقة بأدق التفاصيل.

سألنا ياسمين يحيي لماذا اختارت هذا الخط تحديداً؟ وكانت الإجابة: «لديّ شغف بالأشياء المتقنة وبالجمال، تلهمني نساء الخمسينات: أناقة سعاد حسني، وتفاصيل أزياء صباح؛ ها هي المرأة التي تلوح في أفقي دائماً، لذلك كان من الطبيعي أن تذهب أناملي إلى أزياء السهرة»، وتتابع: «الخياطة الراقية هي أحد الفنون المعبرة عن الأنثى بتفاصيلها الجسدية والروحية؛ أتعامل مع فستان السهرة بوصفه قطعة مجوهرات نادرة، وليس مجرد فستان ترتديه المرأة ثم تلقيه داخل الخزانة».

من يعرف ياسمين يحيى عن قرب يلمس بساطتها؛ تميل في يومها العادي إلى الأزياء العملية والألوان الأساسية (اللون الأبيض لا يفارقها)، سواء في أزيائها أو في الديكورات الداخلية لمقر الدار.

ورغم كل هذه التفاصيل البسيطة، فإن تصاميمها تبحث عن امرأة أخرى تسيطر على خيالها، حيث تقول: «أميل إلى المرأة كاملة الأنوثة، رغم أن الحياة فرضت على أغلب النساء بعض التفاصيل العملية، لكن في خيالي أرى نساء أخريات يتسابقن بفساتين مفعمة بتفاصيل الأنوثة والجاذبية».

علاقة ياسمين يحيى بتصميم فساتين الزفاف تروي فصلاً له بُعد آخر، تقول عنه: «فستان الزفاف أكثر من مجرد تصميم؛ إنه تعبير عن أحلام فتاة، كأنني أشارك في أهم لحظات حياتها، مستقبلها ومخاوفها، فهي تجربة إنسانية لمستني بشدة، وأعطيتها من كل قلبي، لتكون النتيجة تصميماً مليئاً بالتفاصيل الشخصية، يعبر عن امرأة واحدة، هي العروس».

الخليط المصري الفرنسي كان له لمسة واضحة في تصاميم ياسمين يحيى، وربما أثر على ما هو أبعد من الأزياء. تقول: «تأثرت بالبساطة الأوروبية، وتصاميمي مستوحاة من فترة الخمسينات، وقت كانت مصر مسرحاً للموضة؛ كنت تشاهد إبداعات ديور في مصر قبل العالم».

عندما تطرق الحديث إلى العالمية، كان أول رد من ياسمين يحيى هو اعتزازها الشديد بزبوناتها من دول العالم، الهند والصين وأوروبا وأميركا، فضلاً عن ملهمتها الأولى: المرأة العربية. وفي حديثها عن العالمية، وضعت الزبونات قبل النجمات، وهو ما يعكس نظرتها للمرأة على أنها نجمة، حتى وإن كانت ليست ضمن قائمة المشاهير.

ارتبط اسم ياسمين يحي بنجمات عالميات مثل كريسي تيغن، وشانينا شايك، ومهيرة خان، وسونام كابور، ومن الوطن العربي نجد مهيرة عبد العزيز، ومنى زكي، ودرة، وأنغام، وغيرهن من النجمات.

تعزيز الحس الإبداعي للمصمم لا يحدث بشكل مباشر، وإنما هو خلاصة تجاربه وتطلعاته الثقافية. وعن هواياتها، تقول ياسمين يحيى: «أعشق القراءة، ومكتبتي أعز ما أملك، وتطلعاتي الثقافية بعيدة عن الأزياء؛ أفضل القراءة في الفلسفة والأديان، ولا أعرف ما إذا كانت هذه القراءات تعزز الإنتاج الإبداعي لديّ، لكنها بالطبع تبلور فكري»،

وتضيف: «أعشق السفر أيضاً، ويمكن القول إن جمال الطبيعة وجمال الحضارات له تأثير مباشر على اختيار خطوط التصاميم، فالخبرات الحسية المتراكمة هي غذاء الروح والفكر لأي مصمم».

وتتحدث أكثر عن مصادر إلهامها، وتقول: «التجارب الإنسانية التي تعيشها المرأة تلهمني، أشعر أن عليّ مهمة أن أقدم لها، وسط عالم مكتظ بالمسؤوليات، لحظة تذكرها بأنوثتها وجمالها». وقد قدمت ياسمين يحيى عدداً من التشكيلات الموسمية منذ إطلاق دار «ميزون يايا»، كل تشكيلة كانت تحمل فكرة. وفي أحدث تشكيلاتها لخريف وشتاء 2019-2020، قدمت «يايا» تشكيلة بعنوان «كيارا أوسكورو»، وهو نوع من فنون الرسم، يعني بالإيطالية «الأنوار والظلمات».

وتقول عنها: «اخترت هذا المفهوم خصيصاً لأن له بعداً فلسفياً يعكس التجارب الإنسانية بين الأنوار والظلمات. كذلك هذه التشكيلة هي الأولى التي أقدمها بعد الانتقال إلى دبي، لذلك جاءت حاملة لتفاصيل عصرية تعكس حداثة الحياة في هذه المدينة التي أصبحت مركز التقاء الثقافات».

انتهى الحديث مع مصممة الأزياء المصرية ياسمين يحيى وهي تصف لنا حياتها: «أنا مثل كثير من النساء العربيات، أعمل، وأربي أولادي، وأبحث عما يغذي روحي وفكري، لذا أعيش حياة هادئة بعيدة عن الأضواء، لا يوجد فيها سوى أولادي وزبوناتي وكتبي».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة