ياسمين يحيى: نساء الخمسينات يُلهمنني... وتأثرت بالبساطة الأوروبية

أسعى لإبراز التجارب الإنسانية في أعمالي... ومكتبتي أعز ما أملك

المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
TT

ياسمين يحيى: نساء الخمسينات يُلهمنني... وتأثرت بالبساطة الأوروبية

المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها

تصميم الأزياء الراقية عالم تتضافر فيه الأفكار المبدعة مع الإتقان؛ أمتار من القماش الرفيع المزين بالتطريز الفاخر، يتطلب تطويعه ساعات من العمل الدؤوب، ليخرج تصميماً يحقق حلم فتاة بأن تكون أميرة في ليلة زفافها، أو حلم امرأة تبحث عن لحظة يقف عندها الزمن ليعيد لها أنوثتها. والمصمم الذي يختار الخياطة الرفيعة هو شخص غالباً ما يكون لديه حس إبداعي فريد، دقيق في تفاصيله، صارم في خطوطه، لا يدع أي مجال للخطأ. وإذا كان العالم العربي يشهد حراكاً حديثاً في عالم الأزياء بشكل عام، فإن ما وصل له في خط الأزياء الراقية واضح، لا يدع مجالاً للشك بأن هناك أنامل مبدعة تلوح من الشرق الأوسط.
واحدة من الأسماء الساطعة في عالم الخياطة الرفيعة في الشرق الأوسط المصممة المصرية ياسمين يحيى، أو كما يعرفها متابعوها «ياسمين يايا»، مؤسسة دار «ميزون يايا»، التي أصبحت واحدة من المصممين العرب الذين ارتبط اسمهم بنجمات عالميات من الهند إلى أميركا.
التقت «الشرق الأوسط» مع ياسمين، لتروي لنا قصتها، وتتذكر كيف جاءت البدايات، وتقول: «منذ طفولتي، تعلمت الخياطة الرفيعة على يد جدتي، فرنسية الأصل، وكذلك أمي التي كانت تحب التفصيل اليدوي. أتذكر أن هذه اللحظات بين حركات القماش وملمسه كانت الأسعد في طفولتي. ساعدتني هذه الأجواء على أن أنفذ أول تصميم وعمري 11 عاماً».
اختيار ياسمين يحيى خط الخياطة الرفيعة، أو الهوت كوتور، لم يأتِ صدفة، فمنذ طفولتها تعلقت بالأعمال اليدوية التي تتطلب إتقاناً وحرفية، إذ تقول: «كنت أرافق أمي لشراء الأقمشة، ولا أبالغ إذا اعترفت أن محلات القماش كانت المكان الأقرب لقلبي، حتى أنني أشعر بالحزن في نهاية رحلة تسوق الأقمشة؛ ربما كان لديّ حس إبداعي يحركني تجاه الأداة التي رسمت طريقي في وقت لاحق».
اختارت ياسمين منذ البداية أن يبقى شغفها بتصميم الأزياء مجرد هواية لا تتكسب منها، حتى أنها تقول: «لم أتوقع يوماً أن أصبح مصممة أزياء»، وتستشهد بأنها تخرجت من الجامعة الأميركية بعد دراسة إدارة الأعمال، ثم سافرت إلى الإمارات للعمل في إحدى شركات الدعاية والإعلان، لتبدأ طريقها المهني مثل أي شابة في عمرها وقتذاك.
بالطبع، سألناها عن التصميم، وأين كان كل هذه السنوات؟ لتقول ياسمين: «ظل التصميم هواية شخصية، أمارسها فقط لتصميم أزيائي. في أحد الأعراس، صممت فستاني، ويبدو أنه كان مميزاً إلى الدرجة التي جعلت صديقاتي وأقاربي يطلبن مني تصميم أزياء سهرة لهن أيضاً».
وفي عام 2007، جاءت أول محطة حقيقية في حياة ياسمين يحيى، من خلال مشاركتها، بمحض الصدفة، في برنامج «ميشن فاشن» لدعم صغار المصممين العرب، تحت رعاية المصمم العالمي إيلي صعب. تقول ياسمين: «كنت في أحد الأعراس. وكعادتي، صممت فستاني، لأُفاجأ بإحدى المدعوات تسألني عن مصمم الفستان، وعندما عرفت أنني صاحبة التصميم، عرضت عليّ فكرة المشاركة في البرنامج، لأنها بالصدفة كانت منتجة البرنامج».
وعن تجربتها في «ميشن فاشن»، تقول يايا إن «هذه التجربة وضعتني في طريق آخر لم أكن أخطط له؛ منافسة دارسين ومحترفين لتصميم الأزياء كان تحدياً صعباً، لا سيما أن الحكم واحد من أهم المصممين في الساحة العالمية. حصولي على إحدى جوائز البرنامج أكسبني ثقة، وجعلني أنظر لتصميم الأزياء بوصفه مستقبلاً أبعد من الهواية؛ أدركت وقتها أنه الطريق الذي كان ينتظرني».
وتحول الشغف إلى مهنة، والهواية إلى طريق ومستقبل لا يعول على الموهبة فحسب، فهناك سوق ومنافسة وقواعد لريادة الأعمال، ويبدو أن كل العوامل والظروف كانت ممهدة لاختراق سوق الخياطة الرفيعة. كانت البداية من مصر، وبعد سنوات قررت الانتقال إلى دبي، كونها «أصبحت مركز تواصل الشرق والغرب، والانتقال إليها يُسهل التواصل مع زبوناتي حول العالم، لكن يبقى لمصر الفضل في تكوين شخصيتي واسمي»، حسب قولها.
الأزياء الراقية يمكن اعتبارها خطاً يمتزج فيه الفن والفخامة معاً؛ يطلق المصمم العنان لأفكاره وروحه لتسبح في كل العصور، وتأتي لنا بأروع القطع الفنية، والعمود الرئيسي للخياطة الرفيعة هو الإتقان، ولا يُستخدم في إنتاجها سوى أفضل الخامات والتطريزات السخية. وصُناع هذا المجال يولون عناية فائقة بأدق التفاصيل.
سألنا ياسمين يحيي لماذا اختارت هذا الخط تحديداً؟ وكانت الإجابة: «لديّ شغف بالأشياء المتقنة وبالجمال، تلهمني نساء الخمسينات: أناقة سعاد حسني، وتفاصيل أزياء صباح؛ ها هي المرأة التي تلوح في أفقي دائماً، لذلك كان من الطبيعي أن تذهب أناملي إلى أزياء السهرة»، وتتابع: «الخياطة الراقية هي أحد الفنون المعبرة عن الأنثى بتفاصيلها الجسدية والروحية؛ أتعامل مع فستان السهرة بوصفه قطعة مجوهرات نادرة، وليس مجرد فستان ترتديه المرأة ثم تلقيه داخل الخزانة».
من يعرف ياسمين يحيى عن قرب يلمس بساطتها؛ تميل في يومها العادي إلى الأزياء العملية والألوان الأساسية (اللون الأبيض لا يفارقها)، سواء في أزيائها أو في الديكورات الداخلية لمقر الدار.
ورغم كل هذه التفاصيل البسيطة، فإن تصاميمها تبحث عن امرأة أخرى تسيطر على خيالها، حيث تقول: «أميل إلى المرأة كاملة الأنوثة، رغم أن الحياة فرضت على أغلب النساء بعض التفاصيل العملية، لكن في خيالي أرى نساء أخريات يتسابقن بفساتين مفعمة بتفاصيل الأنوثة والجاذبية».
علاقة ياسمين يحيى بتصميم فساتين الزفاف تروي فصلاً له بُعد آخر، تقول عنه: «فستان الزفاف أكثر من مجرد تصميم؛ إنه تعبير عن أحلام فتاة، كأنني أشارك في أهم لحظات حياتها، مستقبلها ومخاوفها، فهي تجربة إنسانية لمستني بشدة، وأعطيتها من كل قلبي، لتكون النتيجة تصميماً مليئاً بالتفاصيل الشخصية، يعبر عن امرأة واحدة، هي العروس».
الخليط المصري الفرنسي كان له لمسة واضحة في تصاميم ياسمين يحيى، وربما أثر على ما هو أبعد من الأزياء. تقول: «تأثرت بالبساطة الأوروبية، وتصاميمي مستوحاة من فترة الخمسينات، وقت كانت مصر مسرحاً للموضة؛ كنت تشاهد إبداعات ديور في مصر قبل العالم».
عندما تطرق الحديث إلى العالمية، كان أول رد من ياسمين يحيى هو اعتزازها الشديد بزبوناتها من دول العالم، الهند والصين وأوروبا وأميركا، فضلاً عن ملهمتها الأولى: المرأة العربية. وفي حديثها عن العالمية، وضعت الزبونات قبل النجمات، وهو ما يعكس نظرتها للمرأة على أنها نجمة، حتى وإن كانت ليست ضمن قائمة المشاهير.
ارتبط اسم ياسمين يحي بنجمات عالميات مثل كريسي تيغن، وشانينا شايك، ومهيرة خان، وسونام كابور، ومن الوطن العربي نجد مهيرة عبد العزيز، ومنى زكي، ودرة، وأنغام، وغيرهن من النجمات.
تعزيز الحس الإبداعي للمصمم لا يحدث بشكل مباشر، وإنما هو خلاصة تجاربه وتطلعاته الثقافية. وعن هواياتها، تقول ياسمين يحيى: «أعشق القراءة، ومكتبتي أعز ما أملك، وتطلعاتي الثقافية بعيدة عن الأزياء؛ أفضل القراءة في الفلسفة والأديان، ولا أعرف ما إذا كانت هذه القراءات تعزز الإنتاج الإبداعي لديّ، لكنها بالطبع تبلور فكري»،
وتضيف: «أعشق السفر أيضاً، ويمكن القول إن جمال الطبيعة وجمال الحضارات له تأثير مباشر على اختيار خطوط التصاميم، فالخبرات الحسية المتراكمة هي غذاء الروح والفكر لأي مصمم».
وتتحدث أكثر عن مصادر إلهامها، وتقول: «التجارب الإنسانية التي تعيشها المرأة تلهمني، أشعر أن عليّ مهمة أن أقدم لها، وسط عالم مكتظ بالمسؤوليات، لحظة تذكرها بأنوثتها وجمالها». وقد قدمت ياسمين يحيى عدداً من التشكيلات الموسمية منذ إطلاق دار «ميزون يايا»، كل تشكيلة كانت تحمل فكرة. وفي أحدث تشكيلاتها لخريف وشتاء 2019-2020، قدمت «يايا» تشكيلة بعنوان «كيارا أوسكورو»، وهو نوع من فنون الرسم، يعني بالإيطالية «الأنوار والظلمات».
وتقول عنها: «اخترت هذا المفهوم خصيصاً لأن له بعداً فلسفياً يعكس التجارب الإنسانية بين الأنوار والظلمات. كذلك هذه التشكيلة هي الأولى التي أقدمها بعد الانتقال إلى دبي، لذلك جاءت حاملة لتفاصيل عصرية تعكس حداثة الحياة في هذه المدينة التي أصبحت مركز التقاء الثقافات».
انتهى الحديث مع مصممة الأزياء المصرية ياسمين يحيى وهي تصف لنا حياتها: «أنا مثل كثير من النساء العربيات، أعمل، وأربي أولادي، وأبحث عما يغذي روحي وفكري، لذا أعيش حياة هادئة بعيدة عن الأضواء، لا يوجد فيها سوى أولادي وزبوناتي وكتبي».



حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة