في محاولة منهم للتّغلب على ضغوط العمل وتأثيراته على المستوى الذهني والجسدي، يلجأ بعض أصحاب المهن المُرهِقة إلى العزف على الآلات الموسيقية للهرب من روتين الحياة اليومية، وشهد تعلم العزف على تلك الآلات إقبالاً لافتاً من أصحاب هذه المهن في مصر في الآونة الأخيرة.
إقبال أصحاب المهن المُرْهِقة على تعلّم العزف على الآلات الموسيقية لا يرتبط بعمر محدد، وعلى الرغم من المكانة الاجتماعية التي حققتها وظائفهم التي تتطلّب جهداً كبيراً، وتستحوذ على معظم ساعات اليوم، فإنهم يحرصون على إيجاد الوقت للموسيقى التي «تليّن الأنامل» المتيبسة بفعل الضغوط الحياتية.
طبيبة الأسنان الشابة رنا عبد الحفيظ، واحدة ممن وجدوا ملاذهم في تَعلُم العزف على الغيتار، الذي تلجأ إلى نغماته ليلاً بعد يوم عمل طويل ومُرهِق.
تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»، إن «العزف على الغيتار ولو لوقت قصير يُذيب متاعب العمل، ودائماً أجلسُ ليلاً بغرفتي بعد يوم طويل وشاق، فتأخذني النغمات إلى عالم آخر، كأنها تغسل روحي، وأياً كانت متاعب ومشكلات اليوم فإن الموسيقى تُنسيني كل شيء آخر، وتجعلني أشعر بسعادة غامرة».
وتضيف «بدأتُ تعلّم العزف على الغيتار منذ نحو عامين، ومن وقتها لم أعد أشعر بمتاعب المهنة، كما تغيرت الكثير من الأمور في حياتي الاجتماعية؛ إذ دائماً ما تطلب مني أسرتي أو أقاربي خلال الزيارات أن أعزف لهم شيئاً، وكذلك أصدقائي، وهو تغير يُشعرني بسعادة كبيرة».
وفي العاصمة المصرية القاهرة تتيح أكثر من 10 مراكز ومؤسسات تعليمية تعلم الموسيقى لجميع الفئات على غرار استوديو «شابلن للفنون»، ومركز «الإشعاع» التابع لكلية التربية الموسيقية في جامعة حلوان، بحي الزمالك الراقي وسط القاهرة، الذي يتيح الاختيار من بين 15 آلة موسيقية غربية وشرقية للتّعلم عليها، مثل البيانو والعود والغيتار والكمان والقانون والإكسليفون، وذلك من خلال دورات تدريبية مدتها ثلاثة أشهر، ويقدّم المركز أيضاً هذه الدورات التدريبية لذوي الاحتياجات الخاصة. كما يقدم مركز تنمية المواهب في دار الأوبرا المصرية خدماته في تعلم الموسيقى للمواهب الشابة بداية من سن 10 سنوات، بالإضافة إلى مركز «سوناتا» لتعليم فنون العزف والغناء في حي المعادي (جنوب القاهرة)، ومعهد القيثارة بمصر الجديدة (شرق القاهرة) الذي تم إنشاؤه عام 1988، وهو من أكثر الأماكن شهرة في مجال تعليم الموسيقى والرّسم والجمباز والأيروبكس والباليه.
ومن بين تلك المراكز التي تقدم خدمات تعليمية للعزف على الآلات الموسيقية معهد موتسارت بالدقي، مقابل رسوم مناسبة لأصحاب المهن الشاقة بواقع 4 حصص شهرياً للتّعلم على البيانو ومثلها للغيتار أو العود أو الكمان.
نانسي كامل، مديرة استوديو «شابلن للفنون» تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «إقبال أصحاب المهن التي تتطلب مجهوداً وتركيزاً كبيرين أصبح أمراً لافتاً، فمعظم هؤلاء لديهم مكانة اجتماعية ومهنية جيدة، لكنهم وجدوا في الموسيقى ملاذاً لمواجهة متاعب الحياة، وعلى عكس الشائع يتطلب تعلم العزف جهداً كبيراً، لكنه يُحقق لصاحبه الكثير من الأمور التي تحتاج إليها روحه، فبالنسبة لجميع البشر تشكل الموسيقى غذاءً للروح ومصدراً للبهجة، وتزداد تأثيراتها عندما تعمل في مهنة ذات طبيعة مُرْهِقة وترتبط بالتوتر والقلق؛ إذ إن العزف ينقل الشخص إلى عالم آخر، ويُزيل متاعب العمل ومشكلات الحياة».
وتضيف «ندرّس مناهج أكاديمية كاملة مطابقة لما يُدرس في الكليات والمعاهد الموسيقية، وبشكل عام لدينا طلاب من أعمار ما بين 4 و65 عاماً، يختار كل منهم المستوى الذي يريد الوصول إليه في مراحل الدراسة، فالبعض يكتفي بتعلم مهارة العزف على الآلة التي يدرسها، ثم يواصل التدريب منفرداً، وآخرون يكملون الدراسة والتدريب ويتعلمون النوتة الموسيقية والمقامات».
وتُعد الوتريات مثل العود والغيتار والكمان، وآلات النفخ مثل الناي، من أكثر الآلات الموسيقية التي تشهد إقبالاً واسعاً على تعلمها، وتجتذب هواية العزف على الآلات الموسيقية مهناً كثيرة، بينهم مهندسون وأطباء ومحامون ومدرسون، ووظائف أخرى متنوعة.
وعلى الرغم من ضيق وقت عمرو هشام (مهندس ميكانيكي)، وانشغاله الدائم، فإنه يحرص على مواصلة التدرب على عزف «الناي» يومياً عقب انتهاء عمله. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «مهنتي مرهقة جداً، وأحب الموسيقى التي وجدت فيها عالماً جديداً يُعلي من قيمة الروح، ويُعزز المعاني والقيم الإنسانية، وعندما أجلس في غرفتي ليلاً مع نغمات الناي أنسى كافة متاعب العمل وهموم الحياة».
بعض الذين يُقبلون على تعلّم العزف على الآلات الموسيقية تدفعهم طبيعة مهنهم إلى البحث عن هواية تعطي معاني جديدة لحياتهم، والكثير منهم ينجذب إلى الموسيقى إدراكاً لحلم قديم ضاع في الاتجاه لدراسة مختلفة وتعقيدات الحياة العملية، وكان من بين هؤلاء المهندسة منة يسري، التي تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الموسيقى مكون أساسي من مكونات إنسانيتنا لا يمكن مقاومته؛ فالجميع يسعد بسماع الموسيقى التي يحبها، وبالطبع أن تعزف بنفسك هو أمر مختلف، ويشكل مساحات متنوعة من السعادة والبهجة، فعلى الرغم من مهنتي العملية، فإن تعلمي عزف (الكمان) غيّر نمط ومسارات حياتي كثيراً». وتضيف «الحياة مليئة بالمتاعب ومشكلات العمل، ويكفي أن أبدأ العزف ليلاً فتنتهي كل متاعبي مع انطلاق أول نغمات من الكمان، وأشعر بعدها كأنني أولد من جديد، وتتجدّد طاقتي النفسية لمواصلة الحياة».
9:44 دقيقه
نغمات الموسيقى تليّن أنامل أصحاب المهن المرهقة في مصر
https://aawsat.com/home/article/1928806/%D9%86%D8%BA%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89-%D8%AA%D9%84%D9%8A%D9%91%D9%86-%D8%A3%D9%86%D8%A7%D9%85%D9%84-%D8%A3%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%87%D9%82%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1
نغمات الموسيقى تليّن أنامل أصحاب المهن المرهقة في مصر
يقبلون على تعلم العود والغيتار والكمان
- القاهرة: عصام فضل
- القاهرة: عصام فضل
نغمات الموسيقى تليّن أنامل أصحاب المهن المرهقة في مصر
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

