مصممو لبنان يستبدلون «فيسبوك» و«تويتر» بمنصات عروض الأزياء

وسائل التواصل الاجتماعي وافتتاح محلات وسيلتهم للخروج من الأزمة الأمنية

من تشكيلة عبد محفوظ لخريف 2014 وشتاء 2015 (هوت كوتير)
من تشكيلة عبد محفوظ لخريف 2014 وشتاء 2015 (هوت كوتير)
TT

مصممو لبنان يستبدلون «فيسبوك» و«تويتر» بمنصات عروض الأزياء

من تشكيلة عبد محفوظ لخريف 2014 وشتاء 2015 (هوت كوتير)
من تشكيلة عبد محفوظ لخريف 2014 وشتاء 2015 (هوت كوتير)

الملاحظ في الآونة الأخيرة هجرة بعض المصممين اللبنانيين العرض في عواصم عالمية معتمدين إما على أسلوب التواصل باللسان، وهو ما يعرف بالفرنسية بـ«De bouche à oreille»، أي من الفم إلى الأذن، وإما على الأسلوب الذي يعتمد على تصوير تشكيلاتهم وطرحها في ألبومات، للترويج لمجموعاتهم وتسويقها.
مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما، بدأت أيضا تشكل أسلوبا جديدا ومهما لا يستغنون عنه لهذه الغاية.
تبرير هؤلاء المصممين أنهم عزفوا عن العرض في الخارج، وتحديدا في باريس أو ميلانو أو روما مثلا، لكي يفتتحوا محلات خاصة بهم في عدد من دول العالم. ومع ذلك فإن غيابهم يثير عدة علامات استفهام، أجاب عنها بعضهم بصراحة بالقول إن الأسباب خاصة أو تتعلق بالأوضاع غير المستقرة في لبنان والعالم العربي. أما آخرون فبرروا المسألة على أنها نزعة جديدة راجت في الآونة الأخيرة، واتبعتها دور أزياء عالمية شهيرة.
يقول المصمم اللبناني عبد محفوظ في هذا الصدد: «على مدى 13 سنة، تعودت عرض تصاميمي في روما، وفي النهاية وجدت أن تلك العروض لم تعط النتيجة المرجوة منها، فقررت أن أنتقل إلى باريس. لكن، وفي خضم التحضير لهذه النقلة، ساءت الأوضاع في لبنان وحصل انفجار في منطقة (ستاركو) على مبعدة أمتار من مشغلي، سبب دمارا لا يستهان به. هذا الأمر أثر عليّ نفسيا بشكل سلبي، فانعزلت عن العالم الخارجي، وانفردت بنفسي لفترة من الوقت ساعدتني على أن استجمع أفكاري وأرتب أوراقي من جديد». ويتابع محفوظ: «لم أستطع وقتها أن أحضر لمجموعتي الجديدة لربيع وصيف 2014، في المقابل، وبعد أن أخذت قسطا من الراحة، أنجزت مجموعتي لخريف وشتاء 2014 - 2015. كان لا بد أن أطلقها بأقل خسارة ممكنة، أي بمصاريف أقل. فالحالة الاقتصادية في البلاد تأثرت بالأوضاع الأمنية غير المستقرة، مما جعلني أقرر تصويرها وطرحها على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) و(تويتر) و(إنستغرام) وتزويد وسائل الإعلام بها».
ولكن هل هذا يعني عزوف المصمم عبد محفوظ نهائيا عن العودة إلى العالمية؟
يرد بسرعة: «بالطبع لا فهذا الوضع مؤقت، وقريبا سأحمل مجموعتي لربيع وصيف 2015 إلى باريس. يمكنك القول إن غيابي هذه المرة جاء قسريا ولأسباب شرحتها سابقا، ولكني لن أستسلم من حيث تقديم الجديد، كما أنوي توسيع نشاطاتي من خلال افتتاح محل عبد محفوظ للأزياء الجاهزة في الإمارات مثلا. فأنا موجود حاليا من خلال نقاط بيع معينة في عدة دول عربية وأجنبية، منها روسيا وقطر والرياض وجدة، لكن لا بأس من المزيد من التوسع». لا يخفي عبد محفوظ أن تكلفة عروض الأزياء، نحو 250 ألف يورو، وهو مبلغ يصعب تأمينه بالنسبة للكل، في ظل الأوضاع السائدة في لبنان والدول العربية المجاورة.
لكنه يشرح: «ومع ذلك لا يمكننا أن نعد التكلفة كبيرة، لأنه قد تجري الاستعانة بمستثمرين يدخلون في شراكة مع المصمم ويدعمونه ماديا. في الماضي، كنت ضد الفكرة، أو بالأحرى لم أمنحها اهتماما، لكني بدأت أخيرا أميل إليها». ويشير المصمم بأن زبائن دول الخليج العربي هم حاليا بمثابة «الحجر الذي يسند الخابية»، بمعنى أن الفضل يعود إليهم لإسناد صناعة الأزياء في لبنان، وبفضلهم استطاع عدد من المصممين الاستمرار والحفاظ على مكانتهم. فرغم أنهم لا يأتون إلى لبنان بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة، فإن التعامل معهم لم يتوقف. فتطور وسائل السفر، سهلت الأمر على المصممين الذي يمكنهم السفر إلى زبائنهم أينما كانوا لتلبية طلباتهم. ويعلق عبد محفوظ: «كانت الأسواق العربية، من بينها ليبيا ومصر وسوريا، تشكل أهمية كبيرة بالنسبة لي، لكن عندما قامت ثورات الربيع العربي، لم يبق أمامنا سوى سيدات دول الخليج العربي نعلق عليهن كل الآمال».
من جهته، يوضح المصمم اللبناني روبير أبي نادر، الذي غاب عن منصات عروض الأزياء لموسمين متتاليين، أسباب قراره قائلا: «لا يمكننا الاستغناء عن المنصات العالمية فهي ترسخ مكانتها في الساحة، لكنها لم تعد تشكل الهدف الأول لنا. فالموضة الجاهزة هي الرائجة اليوم، لأن المرأة صارت تفضلها على الـ(هوت كوتير)، هذا الأمر دفعنا إلى افتتاح (بوتيكات) في عدد من الدول العربية، لأنها سوقنا الأساسية. وتضم هذه المحلات كل ما تطلبه المرأة من أزياء جاهزة إلى فساتين الزفاف وغيرها، وبالفعل تلاقي رواجا كبيرا. فالمنافسة اليوم، انتقلت من الـ(هوت كوتير) إلى الجاهزة منها». ويتابع: «الموضوع لم نتبعه من باب التوفير المادي، فالتكلفة هي نفسها إذا ما حسبنا ما نتكبده من إعلانات ورحلات سفر وتحضيرات تسبق كل مجموعة وتصويرها وغيرها من الأمور. في العام الماضي، مثلا، سافرت إلى روما لتصوير مجموعتي الجديدة، واندهشت عندما حصلت على شهرة أكبر من تلك التي نحصل عليها بعد كل عرض في باريس مثلا. لكن هذا لا يلغي أهمية العرض على منصة عالمية، وبالتالي لا يمكنني أن الغي الفكرة تماما، لأنها وسيلة لإثبات وجودي في الساحة».
أما المصمم اللبناني نيكولا جبران، الذي عرف عنه طيلة مشواره في عالم الأزياء، اختياره بيروت كمحطة أساسية لإطلاق تصاميمه الموسمية، فقال في هذا الصدد: «لم تجذبني المنصات العالمية أبدا، وكنت أول من استمر في إقامة عروض الأزياء في بيروت. صحيح أني توقفت عن ذلك، منذ نحو الثلاث سنوات، لكن السبب معروف وهو أن اخترت أن أتريث وأن أحسب كل خطوة. كان مهما أن أتبع أسلوبا مختلفا، تجلى في افتتاح صالة عرض في لوس أنجليس، وهناك خطط مستقبلية بأن أجد لي مكانا في فرنسا بأن أشارك في أسبوع باريس للموضة. لكن قبل ذلك، سأطلق مجموعة أزياء جاهزة خاصة بي. لقد قاومت وتحديت المصاعب في حرب يوليو (تموز) مثلا، واستقدمت مشاهير من الخارج، ولكني اليوم لست على عجلة من أمري، وخصوصا أن الأوضاع السياسية والأمنية لا تساعد». ويرى نيكولا جبران أن دور أزياء عالمية سبقته في تبني الأسلوب الذي يتبعه اليوم، وأن الاتكال على التصوير والتسويق المحليين، وخصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي، أعطى نتائجه وأصبح قادرا على الوصول إلى الناس بسرعة البرق.
مثل روبير أبي نادر، يتفق نيكولا جبران بأن وجود المصمم في الخارج مهم لإثباب الذات: «ولكن لكل منا خطته في العمل، فالظروف تتغير وعلينا مواكبتها والتأقلم معها، وليس غض النظر عنها».
قد تكون موضة الـ«هوت كوتير» أصبحت نوعا من الرفاهية تستقطب نسبة قليلة جدا من النساء في العالم، وقد تكون الأزياء الجاهزة، كما تشير الإحصائيات هي المستقبل في لبنان والوطن العربي، إلا أن اللافت هو أن الكثير من مصممي الأزياء اللبنانيين يعيدون ترتيب أوراقهم حاليا ومستعدون لمعانقتها للخروج من الأزمة التي وجدونا أنفسهم وسطها بسبب الأوضاع السياسية والأمنية. أما الاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت وسيلة كل من وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه بعد أن أكدت تأثيرها وفعاليتها.



جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.