سيمون أسمر... عاشق صناعة الأضواء ونجم لن يتكرر

«الشرق الأوسط» تحاور المقربين من المخرج اللبناني الراحل

TT

سيمون أسمر... عاشق صناعة الأضواء ونجم لن يتكرر

في 2 يناير (كانون الثاني) من عام 1943، وُلِد الطفل سمعان بطرس الأسمر في بلدة الكنيسة بمنطقة المتن الأعلى. يومها لم يخطر على بال أحد أن الابن الأصغر لورود وبطرس الأسمر سيحمل على كتفيه الساحة الفنية اللبنانية، ويعطيها عمره حتى الرمق الأخير.
وبعيد انتهائه من تخصصه في الدراسات الإلكترونية خضع لدورات خاصة ليتخرّج فيها مهندس صوت. عمل بعدها في «إذاعة لبنان» الرسمية لسنوات قليلة. وفي منتصف الستينات سافر إلى باريس، حيث درس الإخراج التلفزيوني وإدارة إعداد الفنانين. هناك لمعت في ذهنه فكرة جديدة في العالم العربي، ألا وهي إخراج برامج لهواة الغناء. وكانت أول تجربة له عام 1971 ضمن برنامج «كل المدينة تغني» (toute la ville chante) على القناة «9» التابعة لتلفزيون لبنان الرسمي والناطقة بالفرنسية.
عام 1972، بدأت انطلاقته الحقيقية في عالم التلفزيون من خلال برنامج «استوديو الفن» الذي حضّر أول موسم منه لشاشة تلفزيون لبنان. وكان البرنامج يستضيف هواة غناء ورقص شعبي وشرقي وشعر وتقديم تلفزيوني وغيرها من الفئات الفنية، ومن تقديم سونيا بيروتي. من رحم هذا البرنامج وُلِدت كوكبة من الفنانين المعروفين على الساحة اليوم أمثال وليد توفيق وماجدة الرومي وعبد الكريم الشعار ونوال الزغبي ووائل كفوري وراغب علامة وغيرهم.
شكّلت هذه المحطة مفصلاً أساسياً في حياة سيمون أسمر المهنية، بحيث أصبح لقبه «صانع النجوم» ومكتشفها، فكان مخرج برامج تلفزيونية فنية وأخرى ترفيهية كثيرة كرّت سبحتها بعد «ستوديو الفن» كـ«درج الفن»، و«افتح يا سمسم»، و«كأس النجوم»، وغيرها من البرامج التي عرضت ما بين التسعينات والألفية الثانية على شاشة «إل بي سي آي».
رغم أنه عمل تحت الأضواء، وفي صناعة النجوم، فإن الشهرة لم تكن يوماً هدفه. صحيح أنه ذاع صيته بين ليلة وضحاها وصار رجل التلفزيون الأول على الساحتين العربية واللبنانية، والمخرج صاحب الأفكار المتجددة، لكنه كان يفضل أن يبقى خلف الكاميرا بعيداً عن الأضواء. حتى إنه كان مقلّاً في إطلالاته ببرامج تلفزيونية استدعته ليحل ضيفاً عليها، ويكتفي بالقليل منها للظهور.
9 مواسم من برنامج «استوديو الفن» وُلدت على يد المخرج سيمون أسمر، وشكّل نجاح هذا البرنامج الذي أكمل عرضه بعد مغادرته تلفزيون لبنان على شاشة «إل بي سي آي» حتى عام 2000 وقعاً إيجابياً على الساحة العربية. طُلِب منه إنجاز نسخة للتلفزيون المصري في عام 2004، فقدم موسماً واحداً فقط. وفي عام 2011 كان على وشك تقديم النسخة التونسية منه، إلا أن قيام ثورة الربيع العربي وإحراق محمد بوعزيزي نفسه ألغى المشروع من أساسه.
«مرّ والدي بظروف صعبة كثيرة، وواجه خسارات مادية كبيرة، إلا أنها لم تمنعه من إكمال طريقه بعزم»، يقول بشير سيمون أسمر متحدثاً عن والده الذي رحل في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي.
ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما دخل السجن على خلفية إفلاسه لم يكن الأمر وليد اللحظة، بل تراكم نكبات مرّ بها، بدءاً من (نهر الفنون)، الذي افتتحه في منطقة عاليه، وتوقف عن العمل إثر اندلاع حرب يوليو (تموز)، مروراً باحتراق المركز الأساسي لهذا المطعم في منطقة نهر الكلب، وصولاً إلى مشروع (استويو الفن) في تونس». ويتابع في سياق حديثه: «أمضى وقتذاك 10 أشهر في السجن على خلفية تحريره شيكات غير قابلة للصرف. وكان في الوقت نفسه يعاني من مشاكل صحية كبيرة في الكلى. إلا أنني لا أتذكره يوما محبطاً أو يائساً، بل على العكس، كان رمزاً للتفاؤل في أحلك الظروف، تزين وجهه دائماً ابتسامة مشرقة تعد بالأمل القريب. فهو كان من اللبنانيين الذين يعملون تحت سقف القانون مؤدياً واجباته إلى آخر حدّ».
صحيح أن الماديات شحّت في تلك الفترة (2013)، وهو معروف بكرمه وحبه للعطاء من دون حدود، إلا أنه بقي متمسكاً بأحلامه حتى الرمق الأخير. «كان يردد دائماً على مسامعنا أن مَن استطاع أن ينجح مرة يستطيع أن ينجح ألف مرة. حتى إنه كان يحضر لتقديم نسخة جديدة من برنامج هواة الغناء (كأس النجوم) على شاشة (إم تي في) اللبنانية.
وبدأ الاستعداد لها، بعد إجراء مشاورات ومحادثات مع رئيس مجلس إدارة التلفزيون المذكور ميشال المر، إلا أن المرض كان أسرع ورحل عن هذه الدنيا قبل أن يحقق مشروعه هذا».
ولكن ما كانت وصية سيمون أسمر الأخيرة لأولاده وزوجته؟ «طلَب منا أن نكمل العمل على تأسيس جمعية خيرية لتكريم الفنانين المبدعين الذين تركوا بصمتهم على الساحة في مختلف الميادين. وأطلق عليها اسم (أوبرا لبنان). واستحصلنا على الرخصة لها، وسجلناها تحت اسمه في الدوائر الرسمية، وسننكبّ على تفعيلها قريباً، كي ينام مرتاحاً وقرير العين في العالم الآخر».
وعن حالته الصحية قبيل وفاته، وفترة صراعه مع المرض يقول بشير الأسمر: «بقي واعياً متيقظاً لكل شاردة وواردة، لم يتأفف أو يتحدث عن أوجاعه، رغم أن المرض كان قد بدأ يأكل جسمه النحيل بأكمله، حتى إنه كان يواسينا بدل أن نخفف نحن عنه».
كان سيمون أسمر «بابا» من نوع آخر. جميع الفنانين الذين اكتشف مواهبهم كانوا بمثابة أولاده يحيطهم برعايته، فيهتم بلباسهم وبإطلالاتهم وبمشكلاتهم الصغيرة والكبيرة. «لقد كان والداً حنوناً بالفعل، وجميع الفنانين كانوا بمثابة أولاده. لا أذكر أنه رفض يوماً طلباً لنا، صحيح أن حضوره إلى المنزل كان قليلاً، بفعل انشغالاته الكثيرة، إلا أنه لم يكن يفوت فرصة للاجتماع بنا، أيام الآحاد خاصة».
كان في داخل سيمون أسمر طفل صغير لا يكبر، يبحث دائماً عن لعبة تلفزيونية جديدة، لم يسبق أن فكر بها أحد غيره. كان له باعه الكبير في تحديث برامج التسلية والترفيه على شاشات التلفزة، حتى إن مشاركته الأخيرة في موسمي «ديو المشاهير» على شاشة «إم تي في» حملت له تجربة أحبها. ويروي محمد السيد، أحد المقربين من الراحل سيمون أسمر، الذي رافقه في عمله على مدى أكثر من 40 عاماً: «كان يصوّر حلقات هذا البرنامج وهو مريض. وأتذكر مرة أنني اتصلتُ به أثناء تصوير إحداها ولم يرد عليّ حتى طالعني بصوت خافت يقول لي إنه متعب، فقد كان يعاني من مرض فشل الكلى، ومخرج البرنامج كميل طانيوس كان يعلم بمعاناته».
ويتهدج صوت رفيق العمر محمد عندما يتذكر حادثة حصلت بينه وبين سيمون أسمر، ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كان بالفعل طفلاً حقيقياً في أعماقه لا يعرف الحقد أو الضغينة، يسامح من دون حدود، عصبيّاً يصرخ بلحظة ويهدأ في لحظات. أذكر مرة في عام 2006 عندما خضع لعملية زرع كلى، وقبل توجهه إلى المستشفى، قال لي: محمد سأجري عملية أريد أن أقول كلمتين، فقد أموت فيها. إذا كنتُ قد أخطأتُ معك سامحني».
سيمون أسمر الذي أسهم في ولادة أكثر من نجم كانت تعزّه الدنيا مرات، وقلة منهم كانت تسأل عنه. «في إحدى الفترات وأثناء وجوده في المستشفى قبيل رحيله سنحت لي الفرصة لأكون وحدي معه للحظات. فأسر لي بعتبه على نجوم لم يزوروه أو يسألوا عنه، ولو باتصال هاتفي».
ويتابع محمد السيد: «ألم يكن من الأفضل لمن قاموا بواجبهم معه عند وفاته، وحضروا جنازته أن يسألوا عنه ويزوروه وهو حي يرزق؟». ويتابع: «قلة قليلة منهم أمثال المايسترو إيلي العليا والمطربتين ماجدة الرومي ونجوى كرم كانوا يتواصلون معه بشكل دائم. أما رئيس مجلس إدارة تلفزيون (إل بي سي آي) بيار الضاهر، فكان الأكثر وفاء له. صحيح أن ظروفاً معينة حصلت بينهما في الماضي، لكن موقف الشيخ بيار من سيمون في الفترة الأخيرة يشهد لها. حتى إنه عندما تُوفي وجاءت الممرضات كي يلففن جثمان أستاذ سيمون، طلب منهن أن يقوم بهذه المهمة بنفسه؛ فهو من لفّ بيديه كفن سيمون أسمر على جسده».
ثاقب النظر وصاحب أذن لا تخطئ، وتوقعات قلما تفشل. أما الحديث عن كرمه وحبّه للعطاء فلا ينتهي؛ فقد كان يحرص على تأمين ما يحتاج إليه أحدهم، حتى لو تطلّب منه الأمر أن يستعير فستاناً من خزانة زوجته كي ترتديه متسابقة في برنامجه ذات إمكانيات مادية محدودة. حتى إن العاملين معه كانوا ينبهرون بسرعة استنتاجاته وتفوقه في عمله إلى أبعد حدود. و«أبو السيم» كما كان يحب أن ينادوه، لا سيما أنه رُزِق بأول أولاده وأطلق عليه اسم «وسيم»، كي لا يفقد اللقب هذا، كان يستطيع أن يقرأ الشخص الذي أمامه منذ اللحظة الأولى لمشاهدته له. وجوسلين أبو فرحات التي عملت مساعدة له لنحو 30 عاماً، وكان يناديها بـ«بنت البيت»، هي أكثر مَن يستطيع أن يتحدث عنه في مجال العمل.
«كان بمثابة موسوعة متنقلة؛ يملك معلومات غنية في أي موضوع. ففي التصوير كما في الإخراج والغناء والرقص وحتى في مجال الطبخ كان شاملاً بمعرفته. كما كان كريماً ومتواضعاً وبسيطاً، لا يحب التبجح وعرض العضلات. أتذكر مرة عندما دخلت المكتب، وكان يُعدّ القهوة وطلبت منه أن أعدها له. نظر إليّ يقول: (يجب أن نكون بسطاء في الحياة). وهي عبارة بقِيَت محفورة في ذاكرتي حتى اليوم».
واكبته جوسلين أبو فرحات في جميع محطاته الناجحة والقاسية، ولم تفارق أفراد عائلته في مشوارهم معه في المرض. «لقد تناولت مؤخراً طعام الغداء في منزله مع أفراد عائلته بعيد رحيله. وكنا جميعاً نشعر بفقدان سيمون على المائدة، نلمح طيفه حيناً، وتطن ضحكته في آذاننا حيناً آخر، ونتخيله يحمل أطباقاً حضَّرها بنفسه». وعن اللحظات الأخيرة التي واكبته فيها تقول: «كان يتألم بصمت الكبار، وأنابيب الأكسيجين موصولة إلى رئتيه. وكان يردد الصلوات باستمرار، فلقد كان يعرف في قرارة نفسه أنه اقترب موعد الرحيل. وكانت زوجته الرائعة ندى، التي لم تتركه يوماً إلى جانبه دائما فيناديها: (مامي)، وهي تبادله بالمثل. إنه بمثابة الأب الذي فقدته باكراً، وفي إحدى المرات أثناء وجوده في غرفة العناية المشددة قبيل وفاته بنحو أسبوع، أدار رأسه نحوي، وقال لي: (أحبك)، وكانت الابتسامة لا تفارقه أبداً حتى وهو في حالة صحية رديئة».
في 20 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل سيقام لسيمون أسمر قداس تأبينيّ بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته، وذلك في كنيسة غزير بالقرب من مكان إقامته. وبعدها ستتم زيارة مدفنه الذي أعده بنفسه قبل فترة. «هو مدفن يليق به ويشبهه مصنوع من الحجر الصخري». وتختم أبو فرحات متأثرة: «هو شخص لن يتكرر برأيي. كان قاسياً وحنوناً في آن، ديناميكياً وشغوفاً بمهنته إلى أبعد حدود».
وبمناسبة الأربعين، تحضّر المؤسسة اللبنانية للإرسال لسيمون أسمر حفلاً تكريمياً تنقله مباشرة على الهواء.
أما الفنانة جورجيت جبارة، صديقته المقربة ورفيقته في برنامج «استوديو الفن» لسنوات طويلة، فتستذكره صديقاً وفياً لم يتوانَ يوماً عن الوقوف على رأيها، والعمل به. «إن العمل معه عميق وشفاف وصادق، فهو مخرج له الفضل على نجوم الساحة الغنائية اليوم. وأرفض أن يُقال عنه: محتكر للمواهب، ويا ليتهم ينظرون إلى الوعاء بنصفه الملآن؛ فلولاه أين كان سيصبح هؤلاء، ومن كان سيعرفهم؟ وفي جميع بلدان العالم هناك إدارة أعمال فنان ومكتب استشاري يتبنى أعماله. وسيمون أسمر كان السباق في نقل هذا الأمر إلى الوطن العربي. ومن بعده كرّت السبحة وصار هناك وجود لشركات إنتاج تعمل على الاحتكار من بابه العريض». وتتابع في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «كان سيمون أسمر واضحاً لا يوارب ولو على حساب سمعته. فكان شجاعاً إلى حد يجعله يكشف جميع أوراقه على الملأ، لأنه يكره الكذب، كما أن الصداقة بالنسبة له لا يمكن أن تهتز. وفي الفترة الأخيرة أثناء مشاركته في برنامج (ديو المشاهير)، كنا نتحدث دائماً كصديقين قديمين وعزيزين لم تستطع الأيام أن تفرقهما يوماً. وأنا أصف كاميرته بريشة الرسام التي كانت تترك أثرها أينما حلّت».


مقالات ذات صلة

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«الخيانة العظمى»... ترمب يلوّح بأقصى العقوبات ضد الإعلام بسبب تغطية الحرب الإيرانية

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات حادة لعدد من المؤسسات الإعلامية، مطالباً بمحاكمتها بتهمة «الخيانة العظمى» على خلفية تغطيتها للحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.


منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
TT

منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)

عزّز التفاعل مع حفل توزيع جوائز الأوسكار على منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة مع التلفزيون. فوفق بيانات لشركة «نيلسن» المتخصّصة في قياسات وأبحاث سوق الإعلام، نشرتها شبكة «إيه بي سي» الأميركية أخيراً، اجتذب البث التلفزيوني لحفل الأوسكار هذا العام 17.9 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، بانخفاض بنسبة 9 في المائة عن العام الماضي، وهذه أدنى نسبة مشاهدة منذ عام 2022.

وتبعاً للشبكة نفسها، وتزامناً مع تراجع مشاهدة البث التلفزيوني للحفل السنوي السينمائي الكبير، ازداد التفاعل مع الحفل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 42 في المائة هذا العام بالمقارنة مع عام 2025 ليصل إلى ‌أكثر من 184 مليون مشاركة.

خبراء التقدم بـ«الشرق الأوسط» رأوا أن «منصّات التواصل تفرض الآن واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار»، وذكروا أن المنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظة بلحظة. والبيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الآن الطروحات التي ترى أن العالم دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي.

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقةً إن ما يحدث «جزء من التحوّل في أنماط استهلاك المحتوى حول العالم، في ظل الاعتماد على الهواتف الجوالة ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأردفت أن «البيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الطروحات التي تقول إن العالم قد دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي... وحتى الرياضة التي كانت الحصن الأخير للتلفزيون التقليدي شهدت انتقالاً لحقوق البث نحو المنصات الرقمية». ولفتت في هذا الصدد إلى صفقة «نتفليكس» مع «WWE بقيمة 5 مليارات دولار، واستحواذ شركة «Prime Video» على حق تغطية مباريات دوري الكرة الأميركية (NFL)، مضيفةً أن «هذه مؤشرات لا يمكن تجاهلها وستسهم في سحب جزء كبير من جمهور التلفزيون نحو منصات المشاهدة الرقمية».

إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي ترى أن «التلفزيون يستطيع مع هذا تبني بعض الاستراتيجيات التي تضمن بقاءه ضمن هذه البيئة التنافسية»، وأن من بين هذه الاستراتيجيات «استراتيجية محرك الاكتشاف» عبر تصميم المحتوى القصير ليعمل «محرك اكتشاف» يحوّل المشاهدين الرقميين إلى جمهور مخلص للتلفزيون. ثم هناك استراتيجية ثانية تعتمد على «تفعيل نموذج التلفزيون الاجتماعي»، موضحةً أن هذه الأخيرة «تعتمد على تبني نموذج التسويق عبر البث المباشر من خلال دمج التفاعلية في الوقت الفعلي».

وأوضحت د. مي عبد الغني أن «التلفزيون يظل المصدر الأكثر ثقة للأخبار في الأوقات العصيبة مقارنةً بمنصات التواصل المزدحمة... ولكنّ تعزيز هذه المكانة يتطلب الالتزام الصارم بالتدقيق المهني وتطوير مهارات الكوادر البشرية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وبالمناسبة، في ضوء التنافس بين المنصات والتلفزيون، من المقرر أن ينتقل بث حفل الأوسكار عام 2029 من شبكة «إيه بي سي» إلى موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل».

من جهة أخرى، أوضح محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار». وأشار إلى أن «قواعد اللعبة التنافسية بين التلفزيون والمنصات الرقمية تغيّرت، فتحولت من صراع بقاء إلى تكامل استراتيجي». ثم تابع أن «المعلنين ما عادوا الآن يكتفون بالإعلان التلفزيوني، إذ تثبت البيانات أن العلامات التجارية التي تدمج حملاتُها بين التلفزيون والمنصات تحقق عائداً أعلى بنسبة تصل إلى 800 في المائة». وأضاف أن «المنافسة ليست على جذب المشاهد لترك التلفزيون، بل على الاستحواذ على انتباهه في أثناء المشاهدة؛ فالمنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظةً بلحظة».

ولفت فتحي إلى أن «التلفزيون فقد القدرة على الاحتكار، ولم يعد البوابة الوحيدة للأحداث، بل أصبح جزءاً من منظومة كبرى... نتيجة تغيير سلوك المشاهدة. فالمشاهد اليوم لا يشاهد 3 ساعات متواصلة، ويفضل اللحظات المفضلة والمقاطع القصيرة والقصص».

واستطرد أن «تراجع التلفزيون سيكون مفزعاً... نعم... إذا استمر التلفزيون بنفس الشكل القديم». لكنه استدرك ليشير إلى قدرته على الاستمرار بسبب بثّه الأحداث الرياضية والحفلات، وقدرته على الوصول إلى شريحة جمهور غير قادرة على امتلاك شاشات ذكية أو الوصول إلى الإنترنت، وهي شريحة تتقلص بمرور الوقت».

واختتم بالقول إن «المنافسة بين التلفزيون والمنصات الرقمية لم تعُد تهدف لإقصاء الآخر، بل أدّت إلى خلق نظام تكاملي، فالتلفزيون يتراجع بوصفه وسيلة وحيدة للبث، فيما تعمل المنصّات الرقمية مسوّقاً للأحداث وداعماً أكبر للانتشار».


حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».