مراسم دفن شيراك غداً وحضور دولي مرتقب

إجماع فرنسي على الإشادة بالرئيس الراحل وماكرون يعلن الاثنين يوم حداد وطنياً

TT

مراسم دفن شيراك غداً وحضور دولي مرتقب

يوارى جثمان الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك الثرى، يوم الاثنين، في مقبرة مونبارناس الواقعة جنوب باريس في إطار عائلي محض، وفق أمنيات زوجته برناديت وابنته كلود. وسيدفن شيراك إلى جانب ابنته لورانس التي توفيت في عام 2016، وكانت طيلة حياتها وبسبب مرضها المزمن الجرح الدامي للرئيس الأسبق. لكن قبل ذلك، سيقام قداس احتفالي في كنيسة سان سولبيس الباريسية بحضور كثير من رؤساء الدول الذين انصبت تعازيهم على فرنسا منذ الساعات الأولى التي عرفت فيها وفاته.
ولأن شيراك كان، قبل كل شيء، متواضعاً وقريباً من الناس، رغم المناصب العليا التي تقلدها في حياته السياسية؛ ومنها أنه كان رئيساً للجمهورية لولايتين امتدتا إلى 12 عاماً، فقد قررت عائلته إفساح المجال للمواطنين ليلقوا عليه نظرة الوداع الأخير، وذلك في قصر الأنفاليد الوطني، حيث ترقد رفات الإمبراطور نابوليون بونابرت. وسينقل جثمان شيراك إلى الأنفاليد بعد ظهر غد (الأحد).
وقال فريدريك سالا - بارو، صهر شيراك وزوج كلود، إن شيراك «بنى علاقات وثيقة مع الفرنسيين ولذا، فإن كل محبيه يستطيعون المجيء من أجل وداعه». لم ينسَ الفرنسيون تعلق شيراك بدائرته الانتخابية الريفية الواقعة في مقاطعة «كوريز» وسط فرنسا، حيث كان يزورها باستمرار ونسج مع سكانها علاقات تتميز بالبساطة والقرب. كذلك لم ينسوا زيارات الرئيس الأسبق السنوية إلى «المعرض الزراعي» الذي يجري نهاية فبراير (شباط)، بداية مارس (آذار) من كل عام. وكان شيراك يمضي يومه متنقلاً بين أجنحته يصافح هذا ويداعب ذاك، يشرب من هنا ويأكل من هناك ولم يكن يتردد في ملامسة الأبقار والأغنام ويستفسر من أصحابها عن أوزانها وأجناسها وإنتاجها... كذلك لا ينسى الفرنسيون حملات شيراك الانتخابية خصوصاً حملته الرئاسية لعام 1995، حيث كان شعاره شجرة التفاح وكانت تسبقه صناديق التفاح إلى مهرجاناته الانتخابية ولم يكن يتردد في دعوة مستمعيه إلى أكل التفاح، رمزاً لتأييدهم له.
منذ أن عرف خبر وفاة شيراك صباح الخميس، بدأ الباريسيون بالتجمهر في محيط منزله الواقع في الدائرة السادسة قريباً من قصر لوكسمبورغ، حيث مقر مجلس الشيوخ وحديقته الشهيرة. ذلك أن الباريسيين عرفوه عن قرب رئيساً لبلديتهم لعقود. وفي عام 1995، انتقل شيراك مباشرة من القصر البلدي إلى قصر الإليزيه. وخلال سنينه الطويلة، عرف أن يغير وجه العاصمة وأن يستخدمها منصة لطموحاته السياسية.
وبالنظر للهفة الشعبية التي تبدت سريعاً، فقد أمر الرئيس إيمانويل ماكرون بفتح سجل ذهبي في قصر الإليزيه أمام المواطنين لتسجيل كلماتهم الوداعية، كما أمر بتنكيس الأعلام وجعل يوم الاثنين يوم حداد وطنياً على الرئيس الراحل. كما عمد ماكرون إلى تغيير برنامجه الرسمي يوم الخميس ليزور وزوجته عائلة شيراك لتقديم التعازي. كذلك عمد البرلمان إلى تغيير برنامج أعماله وتأجيل إطلاق النقاش الذي كان مقرراً يوم الاثنين حول موضوع الهجرات الذي أراد ماكرون من النواب تناوله استباقاً للانتخابات البلدية التي ستجري في مارس (آذار) المقبل، ولمنع احتكاره من قبل «التجمع الوطني»، وهو حزب مارين لوبن اليميني المتطرف. وقد جعل هذا الحزب من مسألة الهجرة والدفاع عن الهوية الفرنسية والتنديد بالمهاجرين والدعوة إلى الحد من تدفقهم على فرنسا أحد الأركان الرئيسية لآيديولوجيته.
ومن جانب آخر، عمدت بلدية باريس إلى نصب شاشة عملاقة في ساحة البلدية المطلة على نهر السين لإظهار صور المحطات المهمة في حياة شيراك. منذ أن ترك شيراك رئاسة الجمهورية في عام 2007، ندر ظهوره العام بسبب حالته الصحية التي تدهورت سريعاً. ويعد يوم 21 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014 آخر ظهور له بمناسبة تسليم جائزة المؤسسة التي تحمل اسمه في متحف «الفنون الأولى» أو متحف «برانلي». وقال بعض جيرانه إلى القنوات التلفزيونية إنهم كانوا يرون شيراك، من وقت لآخر، في كرسيه المتحرك في حديقة المنزل جالساً للتنعم بأشعة الشمس. والحقيقة أن الرجل طويل القامة ووسيم الوجه فقد كثيراً من أبهته في سنواته الأخيرة. ويرد السبب في ذلك إلى الذبحة القلبية التي أصيب بها في آخر سنوات حكمه.
كثيرة هي المؤسسات والمدن التي تريد أن تكرم ذكرى شيراك الذي كان طيلة 40 عاماً محوراً أساسياً للحياة السياسية في فرنسا منتخباً محلياً ونائباً ووزيراً ورئيساً للحكومة ورئيساً للجمهورية. فالرجل الذي جال في فرنسا طولاً وعرضاً بمناسبة حملاته الانتخابية كان أيضاً في تجوال عبر القارات؛ من العالم العربي الذي أحبه ونسج معه علاقات وثيقة، إلى القارة الأفريقية؛ حيث كان يسمى «بابا شيراك»، إلى اليابان وأميركا اللاتينية والشمالية. وخلف الرجل السياسي، كان يختبئ رجل عميق وواسع الثقافة، ومما كان يحبه الشعر الياباني و«صراع السومو» وهو الرياضة اليابانية الوطنية. ومما يعد إرثاً ثقافياً لشيراك، أنه كان صاحب فكرة إنشاء متحف خاص لما يسمى «الفنون الأولى»؛ أي الفنون البدائية من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وقررت إدارة المتحف القريب من برج إيفل الشهير فتح أبوابه مجاناً طيلة 40 يوماً وإقامة احتفالية تكريمية للرئيس الراحل. وقال رئيسه، ستيفان مارتن، في رثائه: «شيراك أبان مع مرور الزمن أنه رجل واسع العلم والاطلاع على الفنون والحضارات غير الغربية».
وإلى جانب متحفه، تنوي منطقة «كوريز» ومدينة نيس ومدن أخرى تكريم الراحل الكبير، ليس فقط الطبقة السياسية وفيها من حاربه لسنوات، وإنما أيضاً عالم الرياضة، خصوصاً لاعبي كرة القدم الفرنسيين الذين فازوا بالبطولة العالمية عام 1998. ووصفه زين الدين زيدان المعروف بـ«زيزو» وكان أحد صانعي انتصار العام، بأنه كان «صديق كل الرياضيين 1998». وقال عنه: «إنني حزين وكنت أعرفه شخصياً وأعرف أنه كان سعيداً عندما تتاح له الفرصة بشيء آخر غير السياسة». وسيعمد لاعبو كرة القدم الفرنسيون إلى تكريمه نهاية الأسبوع الحالي والوقوف دقيقة صمت حداداً عليه. كذلك قررت إدارة بطولة فرنسا للدراجات الهوائية تكريم الرئيس الراحل بأن يمر السباق في مدينة سران «منطقة كوريز».
وفي الكلمة المتلفزة التي ألقاها مساء الخميس، وصف ماكرون سلفه في الرئاسة بأنه كان «رجلاً فرنسياً كبيراً حراً يحب الناس بتنوعهم، ومهما تكن مهنتهم أو قناعاتهم أو أوضاعهم». وأضاف ماكرون: «نحن الفرنسيين، خسرنا رجل دولة، كنا نحبه وكان يحبنا». هكذا عاش جاك شيراك وهكذا رآه مواطنوه بعد مماته. وعندما سألت صحيفة «سود وست» واسعة الانتشار رئيس الحكومة الأسبق ألان جوبيه، الذي، كما يقول، عايش الرئيس الراحل طيلة 40 عاماً، عن السر الكامن وراء تعلق الفرنسيين بشيراك بعد وفاته فيما لم يقدروه عندما كان في السلطة، أجاب: «مع مرور الزمن، وعى الفرنسيون أخيراً قدرة شيراك على لم شملهم وعلى الاهتمام بهم وبرفاهيتهم». قد تكون آخر «مآثر» شيراك أنه نجح في مماته ما لم ينجح في تحقيقه في حياته.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.