أوبراين «الطيّع» بدلاً من بولتون «المتشدد»... يرسم ملامح سياسة ترمب الخارجية

في ظل خلاف الرئيس الأميركي مع «المؤسسة السياسية» المناهضة له

أوبراين «الطيّع» بدلاً من بولتون «المتشدد»... يرسم ملامح سياسة ترمب الخارجية
TT

أوبراين «الطيّع» بدلاً من بولتون «المتشدد»... يرسم ملامح سياسة ترمب الخارجية

أوبراين «الطيّع» بدلاً من بولتون «المتشدد»... يرسم ملامح سياسة ترمب الخارجية

تسمية روبرت أوبراين، قبل بضعة أيام، لمنصب مستشار الأمن القومي من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا تحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ لتثبيت تعيينه. لكن، مما لا شك فيه، أن تسميته تكتسب أهمية ودلالات، وتطرح كثيراً من التساؤلات حول اتجاهات السياسة الخارجية لإدارة ترمب في هذه المرحلة. فهي تأتي في وقت تعمل فيه واشنطن على ملفات، أهمها التوتر المتصاعد مع إيران، والسلاح النووي لكوريا الشمالية، والحرب التجارية المستعرة مع الصين، وملف عملية السلام في أفغانستان، والأزمة المستمرة في فنزويلا، وهي ملفات كانت كلها مصدر خلافات رئيسية بين جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، مع ترمب، وأدت في نهاية المطاف إلى «إزاحة» بولتون من منصبه.
يحظى روبرت أوبراين بقبول عام لدى «المؤسسة» الحزبية الأميركية؛ خصوصاً الحزب الجمهوري. ثم إنه يتمتع بعلاقات جيدة مع زملائه في وزارة الخارجية، وفي وزارة الدفاع «البنتاغون» أيضاً. ويوصف، عموماً، بأنه «رجل ودّي»، بخلاف سلفه جون بولتون، الذي فقد «الانسجام» مع الرئيس.
حسب موقع وزارة الخارجية الأميركية، كان أوبراين في بداية مسيرته المهنية مسؤولاً قانونياً في لجنة تابعة لمجلس الأمن الدولي وجّهت اتهامات للعراق بعد حرب الخليج. وبفضل خبرته القانونية والعسكرية الكبيرة، فقد تقلد مناصب رفيعة في الإدارة الأميركية إبان عهود الرؤساء جورج بوش الابن، وباراك أوباما، وترمب. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن أوبراين جنرال سابق في قوات الاحتياط التابعة للبحرية الأميركية، ومحامٍ مرموق تخرج من كلية حقوق جامعة كاليفورنيا – بيركلي الشهيرة.
اختار الرئيس بوش الابن، أوبراين، ضمن فريق الولايات المتحدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005، ليعمل إلى جانب بولتون، سفير واشنطن في الأمم المتحدة. وكان حتى صدور قرار تعيينه في منصبه الجديد يعمل مبعوثاً رئاسياً خاصاً لشؤون الرهائن في وزارة الخارجية، ويقدم استشارات للإدارة فيما يتعلق بمسائل الرهائن حول العالم، ويعمل على تطوير استراتيجيات التعامل مع قضايا الرهائن. وحقاً، برز اسم أوبراين خلال الأسابيع الماضية، لدوره في إطلاق سراح مغني «الراب» الأميركي، إيساب روكي، الذي اعتقل في السويد بتهمة اعتداء، وتدخل ترمب شخصياً لتأمين إطلاق سراحه، وأوفد أوبراين لحل قضيته... ورغم ذلك فقد تباينت ردود الفعل على تسميته لتولي هذا المنصب الرفيع.
صحيفة «يو إس أيه توداي» قالت إن البعض يعتبر اختيار أوبراين تقليلاً من أهمية هذا المنصب، ويشير إلى مدى النفوذ الذي يتمتع به وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي هو في الوقت الحالي رئيس لأوبراين. وفي المقابل، قال السيناتور الجمهوري لينسي غراهام، إن أوبراين «يفهم أماكن الخطر في العالم ويتمتع بمهارات تفاوضية كبيرة بصفته مفاوضاً لشؤون الرهائن»، متوقعاً له النجاح في مهمته. أما نيد برايس، الناطق باسم مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس باراك أوباما، فقال إن ترمب «بعد تحمّله تجربة بولتون لا يريد شخصية قوية أو آيديولوجية في منصب مستشار الأمن القومي».

شخصية غير صدامية
في أي حال، شخصية أوبراين وتجربته، لا توحيان بأن ردّات فعل الإدارة الأميركية على الأزمات المندلعة، كالعدوان الإيراني الأخير وغير المسبوق على أكبر وأهم منشأة للطاقة في العالم، قد يأخذ شكلاً عسكرياً، ولو لم يكن شاملاً. فالرد على الهجوم الإيراني لا يقابل بالإصرار على سلاح العقوبات وحده، على ما طلبه ترمب من وزير الخزانة ستيفن منوتشين، ليتبعه بالقول إنه «من السهل جداً إجراء مكالمة هاتفية للردّ على هجمات السعودية، لكن الأمر ليس ضرورياً اليوم أو غداً أو في غضون أسبوعين».
ترمب، الذي يصرّ على تكرار أنه لن يتعامل مع طهران، إلى أن يرى تغييراً في سلوكها باتجاه تحولها «دولة طبيعية»، لا ينفك يطلق تصريحات متناقضة، توحي بأنه متردّد. ويرى البعض أنه قد يكون يتبع خطوات سلفه باراك أوباما، ويستخدم لغته التي سخر منها سابقاً، «عبر استعداده لتقديم حوافز من شأنها تسهيل المفاوضات»، بحسب موقع «ذي هيل» الأميركي. غير أن أحداً لا يشك في أن التصعيد الإيراني الأخير، الذي اعتبر أنه أكبر استفزاز للوضع، الذي نشأ في أعقاب معاودة واشنطن فرض عقوباتها على طهران، كان أول اختبار إيراني للوضع، الذي نشأ بعد إزاحة جون بولتون من منصبه.

العدوان الإيراني الجديد
الدكتور ماتيو ليفيت، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني والجماعات الإرهابية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، كان قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «إن نمط الهجوم التصاعدي الإيراني لا يمثل تحدياً لإدارة ترمب فقط، بل أيضاً للمجتمع الدولي الأوسع، بما في ذلك الصين، في ضوء تأثير تلك الهجمات على اقتصاد النفط العالمي». وأضاف ليفيت أنه «لمن المهم للغاية الآن تقديم أدلة علنية بأن إيران هي التي تقف وراء الهجوم على منشآت النفط السعودية، ومن ثم فإن السعوديين بصفتهم الطرف المتضرّر يجب أن يدعوا إلى اجتماع خاص لمجلس الأمن الدولي».
ليفيت لم يربط الهجوم الإيراني بشكل مباشر برحيل بولتون، قائلاً إن «إيران كانت تريد أن تصعّد من الأزمة في مطلق الأحوال. إلا أن الإحساس بأن ترمب لا يريد الحرب، من المرجح أن يغذي لدى الإيرانيين فكرة أنه لن تكون هناك تكلفة تذكر للهجمات الأخيرة على منشأتي النفط في السعودية، حتى الهجمات على السفن القريبة في الخليج، والتي تم تنفيذها باحترافية عالية لإمكان نفيها».
من ناحية ثانية، كتب مايكل نايتس، خبير الشؤون العسكرية لدول الخليج في «معهد واشنطن» أيضاً، في مقالة له: «إذا افترضنا ثبوت صحة الدلالات الأولية على حدوث الهجوم بواسطة صواريخ تسيارية أطلقت من الأراضي الإيرانية، فإن الضربة تشكل مجازفة جريئة للغاية من قبل القيادات الإيرانية. ومع أنه يمكن لإيران الاعتماد على شكوك الرأي العام الدولي لإنكار مسؤوليتها، مهما كانت الظروف، فإن هجوماً بهذه الضخامة كفيل بإثارة عواقب دبلوماسية وعسكرية شديدة الخطورة». وأردف نايتس أحد الاحتمالات، هو أن «مسؤولي الأمن الإيرانيين قرّروا أن بإمكانهم مواصلة اختبار العزم الأميركي والسعودي، من دون معاناة عواقب وخيمة، ربما بهدف زعزعة أو إبطال ثقة أحدهما بالآخر، أو إجبارهما على مواجهة إيران».

«الفوضى»... و«النزف»
من جهة أخرى، اللافت في التطوّرات الأخيرة أنها تكشف عن وجهين للسياسة الأميركية، يبدو أن إيران قررت اختبارهما معاً. فإقالة أو استقالة بولتون، كانت النتيجة الطبيعية «للفوضى السياسية» التي تشهدها أروقة البيت الأبيض، كما يرى مراقبون. واندلاع الخلاف بين أركان إدارة ترمب حول أفضل السبل لتحقيق «صفقته» مع إيران، أسلوبه المحبب في تحقيق إنجازاته السياسية، كانت تتجمع نُذُره منذ مدة، تجاوزت الخلاف حول الموقف من «المبادرة الفرنسية». وهذه المبادرة هي التي قيل إن ترمب كان قد أعطى «الضوء الأخضر» لها للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً، عندما التقى به على هامش قمة «مجموعة الدول السبع» في منتجع بياريتز، بجنوب غربي فرنسا.
هنا، في موضوع حساسية منصب مستشار الأمن القومي، ينبغي التوقف عند قول هنري كيسينغر، «عميد» الدبلوماسية الأميركية، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لمدة سنتين، إلى جانب وظيفته وزيراً للخارجية. إذ كتب كيسينغر في مذكراته عن تجربته مع الرئيس ريتشارد نيكسون: «الأمر ببساطة يرجع إلى أن الرئيس لم يكن يحب أن يرى من حوله عدداً كبيراً من الناس... وهناك أيضاً عامل آخر، هو قرب المسافة بين مكتب الرئيس ومكتب مستشار الأمن القومي، في حين أن مكاتب الوزراء تفصلها مسافة 10 دقائق بالسيارة... الرئيس الجمهوري يرى في مسؤول الأمن القومي مستشاراً شخصياً رهن إشارته، ومعبّراً عن مصالحه واهتماماته».
غير أن تفسيرات كيسينغر قد لا تكفي لتفسير النزف الكبير الذي شهدته إدارة ترمب. بل ثمة من يقول إنها تكشف عن مشكلات تتجاوز الخلاف في وجهات نظر أركانها معه، وعن توجه حثيث للرئيس لتكريس سلطة، وصفها البعض بأنها «تسعى إلى تكريس أسلوب الاستبداد»، تشبّهاً بالأنظمة التي تمجد «الزعيم»، كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جينبينغ، وتهدّد قيم الديمقراطية التي دافع ويدافع عنها رؤساء الولايات المتحدة.
هكذا خرج كبير المستشارين الاقتصاديين، غاري كوهين، بسبب قرار ترمب رفع التعريفة الجمركية على الألمنيوم والصلب، وخرجت وزيرة الأمن الداخلي كيرستين نيلسن على قضية ضبط الحدود مع المكسيك، وخرج مدير «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي) جيمس كومي، وكذلك وزير العدل جيف سيشنز على قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية.
وبحسب تحليل لصحيفة «نيويورك تايمز»، الناقدة لسياسات ترمب، لـ21 منصباً بارزاً في البيت الأبيض ومجلس الوزراء منذ عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، يظهر أن الاضطرابات التي شهدتها إدارة ترمب كانت غير عادية خلال الأشهر الـ14 الأولى من رئاسته. إذ جرى تغيير 9 من شاغلي هذه المناصب مرة واحدة على الأقل خلال إدارة ترمب، مقارنة بـ3 مناصب خلال الفترة نفسها في إدارة كلينتون، و2 في عهد باراك أوباما، وواحد في عهد جورج بوش الابن. ومن ثم، يمكن القول عموماً إن إدارة ترمب شهدت أكبر عملية خروج من المناصب الرئيسية إبان فترته الرئاسية الأولى، في تاريخ الرؤساء الأميركيين.

إيران... و«المؤسسة السياسية»
من ناحية ثانية، يكشف خروج المسؤولين البارزين عن خلافات تتجاوز أيضاً إدارة ترمب، وتصطدم بالمؤسسة السياسية الأميركية، حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري. فالخلاف حول الموقف من إيران وأفغانستان، انخرط فيه أعضاء بارزون من قيادات الحزب ورموزه في مجلس الشيوخ، وسط تحذيرات من مغبة تأويل إيران لضبط النفس على أنه ضعف في العزيمة.
وهذا الأمر تسبب في خلاف علني نادر بين ترمب والسيناتور لينسي غراهام، الذي أعرب في تغريدة عبر «تويتر» عن خشيته من أن يشجّع ضبط النفس الأميركي إيران على مزيد من الاستفزازات، ولا سيما بعد قرار ترمب بالتراجع عن ضربها رداً على إسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة. إلا أن ترمب ردّ بالقول إن قراره «كان مؤشراً على القوة، لا يفهمه بعض الناس فقط»، مضيفاً أنه «من السهل بدء الحروب»، مذكّراً غراهام بدعمه حرب العراق، التي يصفها بالكارثة.
بدوره، وجّه السيناتور الجمهوري تيد كروز، عن ولاية تكساس، انتقادات لاذعة لوزير الخزانة الأميركية ستيفن منوشين، متهماً ما وصفه بـ«الدولة العميقة» بمحاولة الإبقاء على «شعرة معاوية»، وإجهاض سياسة أقصى العقوبات، التي لا بديل عنها لإجبار النظام الإيراني على الخضوع... وتحوّل إيران إلى «دولة طبيعية».
وفي ملف أفغانستان، أكد غراهام أيضاً على أنه من الخطأ استقبال مَن تلطّخت أياديهم بالدماء الأميركية على الأراضي الأميركية، «مثمّناً» في الوقت نفسه قرار الرئيس إلغاء الاجتماع السرّي المبرمج سابقاً مع قيادات «طالبان» في كامب ديفيد.

تحديات البعد الاقتصادي
هذه الخلافات العلنية تقدّم مؤشراً إضافياً عن عمق الأزمة التي يشهدها الحزب الجمهوري، الذي يبدو خاضعاً بطريقة استثنائية لسلطة الرئيس. وهي أزمة معقدة في ظل الخلاف المندلع مع الحزب الديمقراطي حول سبل معالجة الأزمات السياسية الخارجية والداخلية والاقتصادية والاجتماعية، كقضايا المناخ والتأمين الصحي والتعليم وضبط السلاح وملف المهاجرين والسياسات النقدية. ذلك أنه على الرغم من ادعاءات ترمب حول «الاقتصاد القوي»، تشير الدلائل والتحليلات الاقتصادية إلى احتمال تباطؤ الاقتصاد الأميركي.
كذلك يرى منتقدوه أن تشديده على إنجازاته التي سمحت للولايات المتحدة «باستعادة هيبتها الدولية» وتجديد قوتها العسكرية، لا تعدو أكثر من شعارات شعبوية، يعمل ترمب على «شحن» قاعدته الشعبية بها، لتجديد انتخابه عام 2020 لـ4 سنوات جديدة... «وربما أكثر»، بحسب «تغريدته» التي رفع فيها شعار «لنجعل أميركا قوية مرة أخرى في 2024»، رغم أن الدستور يمنع ذلك!
حتى المواقف التي أعلنها السيناتور ميتش ماكونيل، زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، المشيدة ببولتون، وانتقادات ليز تشيني كبيرة الجمهوريين في مجلس النواب، والسيناتور الجمهوري ميت رومني، المرشح الرئاسي السابق، لسياسات ترمب الخارجية، بأنها تضعف ادعاءاته بإعادة بناء قوة أميركا الدولية، فإنها لا تبدو كافية للتأثير على زعامة ترمب وتفرده بالقرار السياسي. وهو يعبر عن هذا التفرّد باستخدامه المكثّف للأوامر الرئاسية بشكل غير مسبوق أيضاً، في مواجهة السلطتين التشريعية والقضائية معاً. وهكذا تجاوز تصويت الكونغرس ضد قرار تمويل الجدار مع المكسيك، ووقف صفقات الأسلحة، وعطّل الأحكام القضائية حول دخول المهاجرين.

اعتبارات «براغماتية»
في المقابل، يقول البعض إن ترمب ليس «متشدداً بطبعه»، بل يميل إلى البراغماتية في عقد الصفقات، ويرفض الدخول في حروب لا داعي لخوضها، ولا تحقق أي فائدة أو مصلحة للولايات المتحدة. وحقاً، هذا ما عبّر عنه ترمب بشكل واضح، بعدما أوقف الضربة التي أقنعه بتنفيذها بولتون ضد إيران في اللحظة الأخيرة، إثر إسقاطها الطائرة الأميركية المسيّرة في منطقة الخليج قبل أكثر من شهرين. وتلا ذلك تصاعد التوتر معها واتهامها بتفجير بعض ناقلات النفط واحتجازها ناقلات أخرى.
غير أن قرار استبعاد الحرب قد لا يكون مرتبطاً فقط بأسباب انتخابية تفرض على ترمب الامتناع عن الدخول في حرب جديدة، بينما هو يسعى إلى سحب القوات الأميركية من ساحات الشرق الأوسط. بل قد يكون قراراً أميركياً يستعيد ما توصلت إليه إدارة أوباما، ولو مواربة، عبر ترك المنطقة للمثلث التركي - الإيراني - الإسرائيلي، بينما تحتفظ واشنطن بهيمنتها، وخصوصاً على إمدادات الطاقة العالمية.

السلف... جون بولتون
> جون بولتون مستشار الأمن القومي الثالث للرئيس دونالد ترمب، وأحد أبرز «صقور» الإدارة الأميركية.
- طرده ترمب في تغريدة، صباح الثلاثاء، في 10 سبتمبر (أيلول) 2019، بسبب خلافه الكبير معه على ملفات السياسة الخارجية في إيران وكوريا الشمالية وأفغانستان.
- محامٍ ومعلق سياسي ومستشار جمهوري ودبلوماسي سابق، تلقى تعليمه الجامعي في جامعة ييل العريقة.
- شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة من أغسطس (آب) 2005 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2006 في عهد الرئيس جورج بوش الابن. واستقال في ديسمبر 2006 بعد سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس الشيوخ.
- شارك في كثير من المنظمات المحافظة، وعرف عنه تشدده اليميني، ولا سيما الشؤون الأمنية، وقربه من تيار «المحافظين الجدد». وكان مديراً لـ«مشروع القرن الأميركي الجديد» الذي أيّد الحرب ضد العراق.

والخلف... روبرت أوبراين
> روبرت أوبراين، عيّنه الرئيس دونالد ترمب مستشاراً لشؤون الأمن القومي في 18 سبتمبر الحالي، خلفاً لجون بولتون.
- محامٍ ينتمي إلى الحزب الجمهوري، تخرج في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس، وكلية حقوق جامعة كاليفورنيا - بيركلي. وبدأ مسيرته المهنية مسؤولاً قانونياً في لجنة تابعة لمجلس الأمن الدولي، وجّهت اتهامات للعراق بعد حرب الخليج.
- تقلد بعدها مناصب رفيعة في الإدارة الأميركية، إبّان عهود جورج بوش الابن، وباراك أوباما، ودونالد ترمب.
- جنرال سابق في قوات الاحتياط التابعة للبحرية الأميركية، اختاره بوش ليكون ممثلاً للولايات المتحدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005، ليعمل إلى جانب بولتون في الأمم المتحدة.
- قبل تعيينه، عمل أوبراين مبعوثاً رئاسياً لشؤون الرهائن في وزارة الخارجية، ويقدم استشارات للإدارة فيما يتعلق بمسائل الرهائن حول العالم.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.