«الفرقان» و«المنارة البيضاء» ذراعا «داعش» و«النصرة» في الحرب الإعلامية

المنظمات المتشددة تستفيد من الدعم المالي والمواقع الإلكترونية لتطوير مهاراتها.. وانتشارها «بات خارج السيطرة»

«الفرقان» و«المنارة البيضاء» ذراعا «داعش» و«النصرة» في الحرب الإعلامية
TT

«الفرقان» و«المنارة البيضاء» ذراعا «داعش» و«النصرة» في الحرب الإعلامية

«الفرقان» و«المنارة البيضاء» ذراعا «داعش» و«النصرة» في الحرب الإعلامية

لم يشهد إعلام المنظمات الجهادية تطورا بصريا، وانتشارا بهذا الحجم، قبل الصيف الحالي، إذ بات هذا الإعلام، الذراع الدعائية القادرة على تجييش الرأي العام، وحثه على تحويل المنظمات المصنفة إرهابية إلى حديث الساعة، سواء عند المؤيدين والمعارضين. وفيما تستفيد المنظمات الجهادية من التطور التقني، والانفتاح الإلكتروني لبث دعايتها، وتحقق انتشارا أوسع، اتجهت منذ بداية الصيف الحالي إلى مأسسته، وتطويره على نحو يضاهي الإنتاج السينمائي، فضلا عن استخدامه كأداة توثيقية إلكترونية، مستفيدة من الدعم المادي الهائل الذي تمتلكه المنظمات الجهادية.
وبينما كان تنظيم «القاعدة» يعتمد على المقاطع الصوتية لقيادييه، قلب تنظيم «داعش» وتنظيم «جبهة النصرة» كل المفاهيم السابقة، لتحويل الضخ الإعلامي باتجاه الصورة، التي تعادل عشرة آلاف كلمة، بحسب المفاهيم الإعلامية، مرفقة بمقاطع حية.
ويتنافس التنظيمان الآن، استنادا إلى الخصومة السياسية والفقهية والآيديولوجية بينهما، على بث مواد إعلامية تقاتل على جبهتين؛ الأولى تتمثل في القتال الإعلامي بينهما، والثانية تتمثل في القتال ضد الخصوم، وهم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، و«حزب الله» اللبناني، والحكومة اللبنانية، والحكومة العراقية، والمقاتلين الأكراد، إضافة إلى الحكومات الغربية التي تحالفت أخيرا لضرب «داعش» في العراق.
واتسعت دائرة القتال الإعلامي من الصوت إلى الصورة والبيان الصحافي، ثم الصور القليلة الجودة التي كانت تُصور بكاميرا الجوال، وصولا إلى الصورة المحترفة، الخاضعة لعملية مونتاج دقيقة بهدف إبراز الجانب المنوي الإضاءة عليه، مرفقة بخلفية صوتية، تنسجم مع الامتداد العقائدي لتلك المنظمات.
وإذا كانت «جبهة النصرة» (فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام) اتجهت إلى مأسسة ذراعها الإعلامية، تحت عنوان مؤسسة «المنارة البيضاء» منذ شهرين، ودشنتها بفيديو يوثق معركة مقاتليها ضد مقاتلي «حزب الله» في جرود القلمون بريف دمشق الشمالي، فإن «داعش» كان السباق إلى مأسسة ذراعه الإعلامية «الفرقان»، وهي مؤسسة الإنتاج البصري الأبرز في التنظيم، قبل تطوير الخيارات إلى مؤسسات أخرى، وإنشاء صحف ناطقة بلغات أجنبية إلى جانب العربية «لتلبي حاجات مقاتليها المهاجرين (الأجانب)»، إضافة إلى إنشاء إذاعات محلية في مناطق سيطرتها.
وانطلقت «الفرقان»، بوصفها مؤسسة إعلامية محترفة، من تصوير فيديو «إعلان الخلافة»، الذي ظهر فيه زعيمها أبو بكر البغدادي، في شهر يوليو (تموز) الماضي، يعلن فيه إقامة دولته في العراق وسوريا. كان ذلك الظهور الأول والأخير للبغدادي، لكن وقعه كان صادما. فقد اعتمدت «الفرقان» تصوير زعيمها بـ5 كاميرات عالية الدقة، من زوايا مختلفة، تسلط الضوء على تفاصيل تحرك البغدادي، وتنقل تعابير وجهه ويديه، وتبرز جزءا من شخصيته.
قرأ الإعلام الغربي في تلك الصورة جانبا دعائيا ضخما لتصوير هالة الزعيم، ونقل صورته إلى ملايين المشاهدين حول العالم، بوصفه زعيما لمنظمة «يفوق منافسه زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن تأثيرا»، خصوصا فيما يرتبط باختيار المكان. وساهم في ذلك التطور التقني وطريقة اختيار اللقطات، والتقطيع المشهدي لصورة البغدادي. ويرجع الخبير في الإعلام والاتصال د. محمود طربيه، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» تلك الاحترافية في نقل الصورة، إلى «الموارد المالية الضخمة التي يمتلكها تنظيم (داعش)، والكفاءات في استخدام تلك التقنيات، والاستفادة من التجربة الغربية في التصوير السينمائي»، فضلا عن «إتقان المنظمة لسر الحرب الإعلامية والجانب النفسي والدعائي، مما يكرس وجود التنظيم في العالم كنقطة لجذب الأنظار إليه»، مشيرا إلى أن تلك الصورة «دفعت العالم إلى متابعة التنظيم».
ويقول طربيه إن فيديو «إعلان الخلافة»، يمثل «التأكيد على أن (داعش) يتقن اللعبة الإعلامية على أصولها»، كونه «في مجال الإعلام، إذا لم تقترن الرسالة بنوعية محددة من الشكل والمضمون، فإن قدرتها على الاستمرارية تنخفض إلى حدود موازاتها برسالة يقدمها هاوٍ». وعليه، فإن «وجود الكاميرات وعملية اختيار اللقطة وطريقة وقوفه، وإظهار ساعة اليد في يمناه التي أثارت وسائل إعلام عالية لمتابعتها، تنم عن احترافية عالية»، لافتا إلى أن الفريق الإعلامي في «داعش».. «يتمتع بمهارات إعلامية (ميديا سكيلز) لاختيار الكلمات القادرة على التحشيد دعائيا، استنادا إلى ثقافة دينية واسعة، وإلمام بالمفردات والآيات القرآنية التي تصب في الهدف»، وذلك وفقا لقاعدة أن «الإعلام هو ذراع، لا سياسة ولا حرب بلا إعلام توصل فيه إلى الخصم والحليف».
ويرى طربيه أن أداء فريق مؤسسة «الفرقان».. «يدل على أنهم متمرسون بالعمل الدعائي لإبراز قضيتهم للخصم وللمؤيد والحليف بأنهم موجودون، وقد استفادوا من التطور التقني الحالي».
ولا يقتصر إعلام «داعش» على مؤسسة «الفرقان»، فقد أوسع ماكينته الإعلامية لتشمل مؤسسات إنتاج مرئي أخرى، مثل «الاعتصام» و«الحياة» و«أجناد»، ووكالة أنباء «البركة»، ومجلات بالعربية والإنجليزية مثل «دابق» و«الشامخة»، وإذاعات مثل إذاعة «البيان» في معقله بالموصل، وإذاعة أخرى ينوي إطلاقها في الرقة (شمال سوريا)، كما يحضر لإطلاق محطة تلفزيونية خاصة به، من غير أن يتنازل عن العمل في المدونات، أهمها مدونات باللغتين الروسية والإنجليزية، وترجمة الإصدارات الإعلامية إلى لغات أجنبية، مثل الألمانية والإسبانية.
وعلى النقيض، لا تزال الماكينة الدعائية لدى «جبهة النصرة»، محصورة بـ«المنارة البيضاء»، وإذاعة «فجر الجهاد». ونشرت مراسلين لـ«المنارة البيضاء» على طول الجغرافيا السورية، في القلمون بريف دمشق، والقنيطرة ودرعا وحلب ودير الزور شرقا، وفي حمص وسط البلاد.
وتصدر أفلاما لعمليات بعد يوم على الأقل لحدوثها، تتضمن مشاهد حية، بعد خضوعها لعمليات المونتاج والميكساج، وإضافة المقاطع الصوتية. وكانت برزت أيضا في تصوير اعترافات رهائن لديها بطريقة سينمائية، وبثها في مواقع الإنترنت.
بالفعل، رسم التطور الإلكتروني معالم انتشار واسع في العالم الافتراضي للمجموعات المتشددة التي تعتمد الفضاء الإلكتروني وسيلة للتحشيد وتقديم نفسها بوصفها منظمات تتمتع بحيثية واسعة في العالم، حتى باتت صفحاتهم، سواء في «تويتر» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، مصدرا بالنسبة لوسائل الإعلام التقليدي.
ويقول طربيه: «يجب ألا ننسى أن وسائل التواصل تساهم في انتشار الفيديوهات من شخص إلى آخر، لتكون جزءا من الإدراك لسر الاستمرارية والترويج لرسالة تلك المنظمات، في ظل إتاحتها الفرصة لمليارات الناس لمشاهدتها عبر مواقع التواصل».
ويضيف: «الإنترنت منذ أيام (تنظيم القاعدة) حتى اليوم، لطالما كان وسيلة للانتشار، لكن ما حصل أنه مع التطور ودخول وسائل التواصل والقنوات، مثل (تويتر) على خط الترويج، فإنه كان البديل عن المنع الذي يلحقهم في وسائل الإعلام العامة، وبالفعل بات لهم متابعون»، لافتا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي «تعوّض عن بث الرسالة في قنوات كانت تعرضها، مثل (الجزيرة) في السابق، وباتت طريقهم الأقصر إلى مختلف القنوات الأخرى».
غير أن هذا الجانب، ليس الحيّز الوحيد الذي منح «داعش» أفضلية على سائر المنظمات الأخرى من ناحية الانتشار. فقد بث التنظيم مقاطع الفيديو والرسائل في آلاف الحسابات الإلكترونية في وقت واحد، بما يحقق انتشارا لها، من دون خضوعها لرقابة أو فلترة.. وهي استراتيجية ترويج إلكترونية مبتكرة، للتحايل على القيود. تلك المهارة التقنية والقدرة التكنولوجية، يقف وراءها عقل مدبر، هو الأميركي من أصل سوري أحمد بوسمرا، كما كشفت تقارير أميركية، قبل أسبوعين.
وحال اعتماد هذه التقنية، دون المنع العالمي لمواقع وصفحات الجهاديين، ومحاولات إغلاق الصفحات الجهادية التي يضغط الغرب باتجاه حجبها. لكن تلك العملية مستمرة، ويبدو أنها قوضت إلى حد كبير انتشار الجهاديين، بدليل إطلاقهم حملات دعم واسعة لحسابات بديلة، عبر حسابات أخرى، بعد إقفالها.. وبدليل تهديد التنظيم بشن هجمات إلكترونية ضد أهداف غربية، نظرا إلى محاولات التنظيمات الجهادية، الوصول إلى معدات إلكترونية تساعدهم على شن تلك الهجمات.
لكن حجب تلك المواقع، ومحاصرتها، ليست مهمة سهلة. ويقول عميد كلية الإعلام في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا في لبنان د. جورج فرحة لـ«الشرق الأوسط»، إن انتشار المنظمات الإرهابية في القضاء الإلكتروني «بات خارج السيطرة، ولم يعد بالإمكان ضبطه»، رغم محاولات تلك المنظمات «الانكفاء قليلا، وتجميد بعض أنشطتها منعا للرقابة». ويرى أن القدرة العالمية على منع تلك المنظمات من توجيه الرسائل «ليست متوفرة الآن، بعدما تبين أن تلك المنظمات تمتلك أشخاصا محترفين في البروباغندا، ويعملون على مستويين؛ الأول يتمثل في الضغط على جمهور معين، عبر تقديم صورتهم المخيفة، عن طريق أسلوبي الترغيب والترهيب، أما الثاني فيتمثل في طريقة تقديم أنفسهم بصورة محددة إلى الجمهور»، موضحا أن المنظمات الجهادية «باتت تعرف جيدا اختيار جمهورها بطريقة محترفة».
ويضيف: «في السابق، كان يمكن السيطرة على التلفزيون، أما الآن، فإن السيطرة على مواقع التواصل ليست سهلة، في ظل النقاش المستمر حول الحريات وإشكالية الحرية الشخصية».
لكن ذلك «ليس مستحيلا»، بحسب ما يقول فرحة.. «إذا وجدت إرادة لمنعهم وإقفال منافذهم». وحتى تحقيق ذلك «تواصل المنظمات تسويق نفسها دعائيا باستخدام الصورة للتأثير على فئات الشعب، وجمهور خائف من ممارساتهم».



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».