جورج كلوني ينفي أن له يدا في اختيار فيلمه لافتتاح فينيسيا

جورج كلوني مع ساندرا بولوك والمخرج ألفونسو كوارون قبل عرض «جاذبية»
جورج كلوني مع ساندرا بولوك والمخرج ألفونسو كوارون قبل عرض «جاذبية»
TT

جورج كلوني ينفي أن له يدا في اختيار فيلمه لافتتاح فينيسيا

جورج كلوني مع ساندرا بولوك والمخرج ألفونسو كوارون قبل عرض «جاذبية»
جورج كلوني مع ساندرا بولوك والمخرج ألفونسو كوارون قبل عرض «جاذبية»

جورج كلوني مولع بجمهوره. مستعد لأن يؤخر ركبا مقابل تلبية رغبة معجب بصورة أو بتوقيع. وحين أمّ ليل يوم الأربعاء الماضي حفلة عرض فيلم «جاذبية» عمد إلى توقيع «أوتوغرافات» المعجبين على طول ذلك الحاجز المقام عند مدخل الصالة الذي يبلغ مداه نحو ثلاثين مترا احتشد عنده أكثر من ثلاثمائة معجب. لا هو ولا من يراقبه يستطيع أن يحصي كم من «الأوتوغرافات» وقّع، لكن جورج لا يرد طلبا واحدا ولا يستطيع أن يتجاهل يدا ممدودة بورقة أو بدفتر توقيعات. وتوقيعه سريع (ويجب أن يكون) وبقلمه الخاص الذي لا يخرج من دونه.
حين سألته بعد الخروج من «جاذبية» وخلال حفلة ساهرة أقامتها شركة «وورنر» احتفاء بالفيلم، عن هذا التقليد الذي يتّبعه ابتسم، وهو دائما ما يبتسم قبل أن يتكلّم، وقال:
«أفعل ذلك لأني أعرف أن هذا الحشد ينتظر مني ذلك. أنا أتوقع من نفسي ذلك لأني لا أستطيع أن أغفر لنفسي إذا ما مدّ أحدهم يده بورقة أو صورة يريدني التوقيع عليها. ولا أستطيع أن أتوقف عند عدد محدود وأترك الباقي كما لو أنني لا أهتم».
جورج يسألني إذا ما أحببت الفيلم، وكنا التقينا في جزيرة أخرى غير جزيرة «ليدو» التي يُقام عليها الفيلم وتناولنا الغداء معا وسألني السؤال ذاته، لكني لم أكن شاهدت الفيلم آنذاك ولم أستطع أن أجيبه. هذا لم يمنعه من الحديث عنه بدءا بمسألة يراها مهمّة:
«هذه المرّة لا أقوم بمهمّة الإنتاج لهذا الفيلم. المشروع جاءني قبل عامين وكان مرّ عليه نحو عامين من التحضير. قرأت السيناريو ووجدته رائعا ووافقت عليه بلا تردد رغم أن دوري فيه مساند. لكن حين بدأ التصوير زادت سعادتي لأني لست مسؤولا عن الإنتاج. كنت ممثلا فقط وهذا أراحني جدّا».
* ما الذي أعجبك في المشروع على نحو خاص؟
- «أعجبتني فكرته الجديدة. رجل وامرأة في الفضاء ولا أمل لهما في النجاة من مصير محتم. نعم هي لديها حظ أفضل من حظّي لكن فكرة أن تتعطل المركبة وهي على بعد 600 كلم عن الأرض مخيفة. أدركت أنه سيكون واحدا من تلك المشاريع المنفردة التي لا شبيه لها من قبل أو من بعد. نعم هناك أفلام خيال علمية رائعة سابقة، لكني أتوقع أن يأتي هذا الفيلم على مستوى أي من تلك الأعمال الكبيرة».
* تقول تتوقع، ألم تر الفيلم بعد؟
- «لا. سأراه الليلة للمرة الأولى. أنا وساندرا (بولوك) لم نشاهد منه إلا بضعة مشاهد مصوّرة لم يتم جمعها في سياق واحد. أعتبر نفسي لم أشاهد ما يمكن أن يكوّن لي رأيا، لكن ما شاهدته كان مفاجئا. بعض الأفلام لا تأتي حسب المتوقع منها. البعض يفوق المتوقّع وهذا الفيلم واحد منها».
* لديك تجربة سابقة كنت تحمّست أنت لها لكنها لم تحقق المطلوب منها… قبل أن أذكر اسم الفيلم قال:
- «أعرف. تقصد (سولاريس) لكن ألا تعتقد أنك تظلمه؟ السبب في أنه لم يثر الكثير من الإعجاب في اعتقادي يعود إلى أن معظم النقاد قارنه بنسخة (أندريه) تاركوفسكي ولا أنكر: (سولاريس) واحد من أذكى أفلام الخيال العلمي وإذا سألت ألفونسو كوارون، مخرج (جاذبية)، سيؤكد لك ذلك لأننا تحدّثنا في هذا الموضوع. لكن عندما تقارن فيلما معادا صنعه بالفيلم الأصلي فإن حسنات الفيلم الجديد تتوارى إذا ما كان الفيلم الأول رائعا كسب ثقة النقاد مرّة واحدة وإلى الأبد».
* لا يمكن إلا أن تُقارن… - هذا صحيح. لكن لا يجب أن نغفل أن المقارنة أضرت بـ«سولاريس» الذي قام بإخراجه ستيفن سودربيرغ.
* على ذكر سودربيرغ… أعرف أنه صديقك لذلك سأسألك إذا ما كنت تعرف ما إذا كان سينفّذ قراره بعدم الإخراج بعد فيلمه الأخير «وراء كاندلبارا»؟
- يجيب ضاحكا «نعم سنحقق (أوشن 96 معا)» وذلك في إشارة للسلسلة التي قام سودربيرغ بإخراجها وشارك في بطولتها جورج كلوني ثم يضيف مازحا:
«لم أتحدّث إليه منذ فترة. لا أدري لماذا قرر ذلك أو إذا ما كان سينفّذ هذا القرار. لكني أعرف شيئا واحدا عنه: لا يمكن تصديقه».
* جاذبية فينيسيا
* إنها ليست المرّة الأولى التي يحضر فيها جورج كلوني مهرجان فينيسيا. كان هنا حينما تم عرض فيلم «أحرق بعد القراءة» سنة 2008 ثم عاد في العام التالي عندما تم عرض فيلم من إنتاجه هو «الرجال الذين حدّقوا بالماعز» سنة 2009. وفي عام 2011 عرض فيلم آخر من إنتاجه على شاشة فينيسيا هو «منتصف أشهر مارس (آذار)» الذي قام كذلك بإخراجه. وهذه هي مرّته الرابعة ودائما ما يحل في فندق قائم على تلك الجزيرة يُقال: إن سعر غرفته الواسعة يصل إلى 17 ألف يورو في اليوم.
جورج لا يقطع مسافة بعيدة لكي يكون هنا فهو يُصيّف في منزله الكائن على ساحل بحيرة كومو التي تقع شمال ميلانو وقبل فرسخ أو أقل من الحدود السويسرية.
* هل أصبحت تتقن الإيطالية الآن؟
- «لا أتقنها لكني أستطيع التواصل. أتحدّث بها وأفهمها لكن الإتقان أمر مستحيل».
* ما هو سر تفضيلك لمهرجان فينيسيا؟
- «أحب هذا المهرجان لأنه يختلف عن المهرجانات الأخرى. لديه ميزة هي مدى اهتمامه بالفن وتشجيعه له. أعتقد أن يؤدي للفن أكثر مما يؤديه أي مهرجان آخر. هذا وحقيقة أنني بت أشعر بأني جزء من تاريخه القريب».
* هل كان لك يد في اختيار «جاذبية» للافتتاح هنا؟
- ينطلق كما لو كان يدافع عن نفسه:
«لا… ليس على الإطلاق. أعتقد أن ألبرتو باربيرا (مدير المهرجان) سمع بالفيلم وطلب من ألفونسو أن يشاهده. ثم بطريقة ما تم اختياره للافتتاح. أعتقد أن وورنر لم ترد عرضه في المسابقة وهوليوود لا تحب الاشتراك في المسابقات…. تعرف ذلك… وكانت سعيدة بأن يتم اختياره للافتتاح».
* في لقائنا هنا، وربما على هذه الطاولة التي نجلس إليها، سألتك عن سبب اعتمادك قصص حياة حقيقية تقوم بإنتاجها أو إخراجها… كان ذلك حين قدّمت «الرجال المحدّقون بالماعز» قبل أربع سنوات… هل لديك مشاريع جديدة مقتبسة عن أحداث واقعية؟
- «نعم أذكر ذلك. كانت ملاحظة في مكانها وبعدها طبعا أنتجت (أرغو) المأخوذ عن قصّة حقيقية. الحقيقة أنني أحب أن ألتقي بالتاريخ القريب. أحب أن أعيد سرد وقائع. أتخيّل أن ما يثير اهتمامي كشخص قد يثير اهتمام الآخرين إذا ما تم إيجاد التوازن المناسب بين الواقع والخيال».
* كما الحال في «أرغو»؟
- نعم وإلى حد بعيد. طبعا الأحداث حقيقية لكن كان لا بد من معالجة تبتعد عن إعادة التسجيل. وأنا معجب بالعمل. بن أفلك قام بجهد جيّد.
نصيحة لصديقيه يعمل كلوني الآن على أكثر من عشرة مشاريع… ليس معا بالطبع، لكن عدد الأفلام التي يعاينها أو التي تمر بواحد من المراحل الثلاث (قبل التصوير أو التصوير أو بعد التصوير) يصل إلى خمسة عشر مشروعا بالتحديد. إنه منتج «أوغست: مقاطعة أوساج» الذي انتهى المخرج جون وَلز من تحقيقه من بطولة ماريل ستريب وجوليا روبرتس (لأول مرّة). وهو انتهى من إخراج فيلم آخر من إنتاجه هو «رجال النُصب» The Monuments Men الذي يقود بطولته لجانب مات دامون وكايت بلانشيت وبل موراي وجون غودمان. وبعد حضوره مهرجان تورونتو مع فريق فيلم «جاذبية» يعود لاستكمال العمل على فيلم «أرض الغد»، خيال علمي آخر. وهذا بعض ما يسعى لإنجازه:
* كيف تجد الوقت لذلك؟
- هذا ما أقوم به كل يوم وليلة. لا أعمل على فيلمين معا يمرّان في مرحلة واحدة، لكن إذا كنت أصوّر فيلما ما أقرأ سيناريو فيلم آخر. علي أن أفعل ذلك الآن. علي أن أواصل العمل وأن أختار ما أفتخر مستقبلا بأني حققته. أقول الآن لأني في الغد سأكون أكبر سنّا وربما لن أستطيع الحركة.
* تربطك صداقة مع جوليا روبرتس ومات دامون وبن أفلك من بين آخرين بالطبع… هل يتّصل بك أحد لأخذ رأيك فيما سيقوم به؟
- يضحك بشدّة ويقول: «مات دامون اتصل بي البارحة وسألني رأيي. إنه محتار إذا ما سيقبل دور روبين في (باتمان ضد سوبرمان) (روبين هي الشخصية الثانوية المصاحبة لباتمان)».
* ماذا قلت له؟
- يواصل الضحك: «قلت له سوبربوي أو سوبرغيرل… لا يهم. ستجد أن المسألة لا تستحق».
* ماذا عن بن أفلك؟ هناك هجوم عليه من قِبل كثيرين غير مقتنعين بأنه يستطيع أن يكون باتمان؟… - «اتصل بي هو أيضا وشكا من ردّ فعل مستخدمي الإنترنت. قلت له ما سأقوله لك الآن: ليس من المنصف أن يستمع الممثل لآراء مستخدمي الإنترنت والـ(تويتر). الدور مهم بالنسبة لبن وسيستطيع تمثيله وسيكون نصرا له والآراء ستتغيّر. هل تذكر حين رُشح ذلك الممثل القصير والنحيف دانيال كريغ لتأدية شخصية جيمس دين؟ كان جديدا آتيا من المسرح وروايات شكسبير لكنه لم يخش ما قيل فيه وانقلب نجما ناجحا. أعتقد أن أفلك يستطيع فك هذا الحصار. قلت له، لا تنفعل ولا تبدي رأيا، وأدخل التصوير بالثقة التي أعرفها فيك».
أفلام اليوم افتتاح سابق لعصره Gravity (4*) إخراج: ألفونسو كوارون.
خارج المسابقة.
الدقائق الأولى (نحو ربع ساعة) هي إبحار في منطقة جغرافية جديدة ربما زارتها كل الأفلام الفضائية من قبل، لكنها لم تزرها على هذا النحو مطلقا. منطقة صامتة ونائية تجعلك تخشى أن تنتهي معلّقا فيها. رغم ذلك، هذا ما يحدث لملاحي فضاء ينتقلان من الأمان إلى الخطر ومنه إلى الكارثة.
إنه الفيلم الجديد للمخرج المكسيكي الأصل ألفونسو كوارون والذي اختير - بجدارة - لافتتاح الدورة الحالية وهو من بطولة جورج كلوني وساندرا بولوك. لا أحد سواهما (هناك صوتان بشريان لا نرى مصدرهما) سوى ذلك المحيط الفضائي الشاسع والداكن. أين الشمس؟ تستطيع أن تسأل نفسك لكن عدم وجودها هو جزء من الجو المنشود.
فيلمان فقط سبقا «جاذبية» في منوالهما من الخيال العلمي: «2001: أوديسا الفضاء» للأميركي ستانلي كوبريك (1968) و«سولاريس» للروسي أندريه تاركوفسكي (1972). كلاهما جدير بالمكانة الرفيعة التي استحوذاها بين كل الأفلام التي سافرت إلى الفضاء البعيد لوضع أحداثها. «جاذبية» ينتمي إليهما ولو أن يجيء في زمن من الريبة بحيث إن هناك من سيجد مجرّد رغبة في إثبات الذات على حساب العمل بالنسبة لمخرجه كوارون. لكن لا يمكن، حتى ولو كان ذلك حقيقة، إلا وتقدير عبقرية مخرج ينقل مشاهديه جميعا إلى حيث ينفرد ببطليه.
الحكاية بسيطة في الظاهر وقوامها أن الرحلة تفشل لأسباب تقنية ما يجعل ملاحيها في قبضة الكون يسبحان فيه للأبد. لا بد أن كلا منهما تمنّى لو أن قدميه تلمسان أرض كوكب الأرض ولو مرّة أخيرة ذلك لأن جوهر المسألة هنا هي أن إنسان اليوم العابث بكل المبادئ لن يفتقد الحياة التي ما عاد يعيرها اهتمامه الفعلي إلا حين يجد نفسه وقد أصبح على بعد قوسين أو أدنى من الموت. عبر حلقة مفرغة، هو عن الإنسان الذي لم يعد يعلم لماذا هو حي، رغم ذلك سيحاول أن لا يموت. أن لا يقهر. ربما الخوف سيعيده إلى وعيه وربما المسألة هي أن كوارون يقصد أن يذكّر مشاهديه أن الحياة أثمن مما يعتقدون.
في كل الحالات، هذا فيلم عملاق تقنيا، مذهل ومدهش وجدير جدّا بالمشاهدة مرّة أخرى.
Future Reloaded -(3*) 1 إخراج: كثيرون عرض خاص.
عندما طلب مهرجان فينيسيا من سبعين مخرجا (بعضهم معروف ومعظمهم جديد على المهنة) تحقيق أفلام لها علاقة بالزمن والحلم والمكان، تدافع هؤلاء لتقديم أفلام تعكس هذه العلاقة من وجهة نظرهم الخاصّة وبحرية مطلقة.
الأفلام لا يمكن لها أن تكون طويلة، وهي بالفعل تتراوح بين الدقيقة والدقيقة ونصف ويقسمها المهرجان إلى ثلاث مجموعات كل واحدة تتضمن نحو عشرين فيلما. وفي المجموعة الأولى فيلم للسينمائية السورية هالة العبد الله المعروفة بمعارضتها للحكم هناك. دخولها على الخط هنا يرتسم عبر كاميرا خفية تصوّر نتفا من الحياة خارج نافذة سيارة وخارج نافذة أخرى لحافلة تم طبع صورة بشّار الأسد على كل نافذة منها. ما تراه بالتالي هو الحياة تحت الصورة أو وراءها. تلك الثواني القليلة لا تستطيع أن تقول أكثر من ذلك وما تسرقه الكاميرا من مناظر يبدو عاديا لولا أن صورة الأسد (بنظارات داكنة) تغطيها رغبة في التعبير عن أن الوضع الحالي (الذي لا نرى منه ما هو غير عادي) بسبب الرئيس.
أفضل منه فيلم مرّ سريعا ولم أستطع التقاط مخرجه بعنوان «المستقبل كان في أعينهم». جيّد لأنه ينصرف إلى سلسلة من الصور المتلاحقة لبعض أساطين السينما الذين مرّوا من هنا. الفكرة بسيطة لكنها تترك طعما مرّا إذ ندرك أن هؤلاء الراحلين أمضوا الفترة التي أوكلت لهم فوق هذه الأرض.
هناك سمات فنية في أكثر من فيلم عابر في هذه المجموعة، لكن المشكلة هي أنها عصية على التقييم إلا على نحو منفرد (هذا يعني 70 نقدا لسبعين فيلما) ما لا يتّسع له وقت أو مساحة. كذلك لكثرة العدد لا يمكن مقارنة الأعمال بعضها ببعض والحكم على الفيلم الجامع تحت عنوان «المستقبل معاد شحنه»، سيحضر لحين ثم لا يبقى.
* ضيوف اليوم والبارحة
* السينمائيون الذين وصلوا حتى الآن يزيدون عن الخمسين من بينهم الممثل المصري عمرو واكد كونه عضو لجنة التحكيم الخاصّة بتظاهرة «آفاق» والمخرجة السعودية هيفاء المنصور عضو لجنة تحكيم للمشتركين في مسابقة الفيلم الأول.
انضم إليهم جورج كلوني وساندرا بولوك وألفونسو كوارون، صانعو فيلم الافتتاح «جاذبية»، كذلك المنتج البريطاني ديفيد هإيمان (صاحب سلسلة «هاري بوتر») والمخرج الأميركي بول شرادر كما الممثلة الإيرانية غولشفته فرحاني.
وعلى مسافة قصيرة وصل فريق آخر من بينهم الممثلة إلينا كوتا والممثلة ميا فاسيكوفسكا والممثل جيمس دين (ليس جيمس دين الراحل) كما المنتجة فاطمة فرهوس إحدى منتجي فيلم «العبور ببرغمان».
شخصيات
* هيفاء المنصور توالي نجاحاتها ترأس لجنة تحكيم مهمّتها اكتشاف المواهب الجديدة
* عندما قامت المخرجة السعودية هيفاء المنصور بعرض فيلمها الروائي الطويل الأول «وجدة» في إطار العروض الرسمية في الدورة الماضية من مهرجان فينيسيا، لم تكن تعلم، كما قالت لنا حين لقائها بعد أشهر في مهرجان «كان» أن الفيلم سينال كل هذا القدر من النجاح.
به عبرت المحيطات مشتركة فيما لا يقل عن عشرين مهرجانا، عدا عن أن عروضه التجارية انتقلت بها من باريس إلى لندن وقبل ذلك في نيويورك وبروكسل وعواصم أخرى.
والنجاح لا يزال يتوالى وهو حليفها على نحو غير مسبوق لمخرج خليجي منذ أن سطع اسم الكويتي خالد الصديق عبر فيلمه «بس يا بحر» في السبعينات. فهي الآن ترأس لجنة تحكيم تظاهرة «أوبرا بريما» التي ستعاين فيها أعمال عشرة مخرجين جدد يحققون أعمالهم الأولى. تحت إدارتها ستة أعضاء آخرين جاءوا من رومانيا والمكسيك وفرنسا وإيطاليا وروسيا وأميركا.
هذا النجاح فريد بالنسبة لسينمائي خليجي وأكثر فرادة بالنسبة للعدد المحدود جدّا من المخرجين السعوديين، إذ لم يسبق لأحد منهم بمن فيهم عبد الله المحيسن الذي بدأ السينما في الثمانينات، أن وصل إلى هذه السدّة أو الشهرة.
قالت خلال اللقاء الأخير: «أمضيت العام الماضي بأسره والعام الحالي مشغولة بفيلم (وجدة) أو بالأحرى بالمراحل اللاحقة لتصويره. أشعر بأنني صرفت وقتا كبيرا وفي الوقت الذي أحمد الله على نجاحي، أشعر أنني أريد أن أرتاح قليلا قبل أن أبدأ العمل على مشروعي المقبل».
حضور فينيسيا مرّة أخرى لم يكن أمرا يمكن تفويته، خصوصا أن رئاستها للجنة تحكيم هذه التظاهرة، أو أي تظاهرة رسمية أخرى، هو بمثابة جائزة إضافية لها وتشجيع لمواهب سعودية جديدة يأمل المهرجان أن يكتشفها في المستقبل القريب.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».