تأطير إبداعي لـ«بيت بمنازل كثيرة»

تأطير إبداعي لـ«بيت بمنازل كثيرة»

«ملك الهند» للبناني جبور الدويهي
الأحد - 16 محرم 1441 هـ - 15 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14901]
بيروت: علي العزير
لحظة الفراغ من قراءة رواية «ملك الهند» للروائي اللبناني جبور الدويهي يخطر للقارئ أنها تُحيل إلى التوصيف الذي أطلقه المؤرخ كمال الصليبي على لبنان: «بيت بمنازل كثيرة»... ثمة مداخل شتى بوسع القارئ العبور منها إلى صميم الرواية التي تحمل اسماً لا علاقة له بمضمونها... للمفارقة فإن لبنان أيضاً لا يشبه اسمه، ولعله لم يفعل يوماً.
يمكن الولوج إلى خانة الاستهداف الروائي من جهة الجدة فلومينا التي غادرت إلى الولايات المتحدة الأميركية في منتصف القرن التاسع عشر ثم عادت بثروة ذهبية ارتأت دفنها في أساس المنزل، يمكن أيضاً العبور نحو المقصد الإبداعي من مدخل الصراع العائلي بين البطل - الضحية زكريا مبارك وبين أبناء عمه الذين يشكون غبناً في حصتهم من الإرث العائلي... بالوسع أيضاً إسناد مقاصد الراوي إلى الصراع الطائفي الذي يشهده لبنان منذ تأسيسه كوطن غير مكتمل النمو، والذي يتمظهر في حقب متتالية على صورة صراع دام لا يلبث أن يُختتم بحفلة تنكرية لتعايش مزعوم.
يمكن للقارئ أن يتخطى الحدود الوهمية التي وضعها الدويهي لروايته، ويتوغل بعيداً في إسقاط تلك الأحداث التي شهدتها قرية تل صفرا الجبلية على واقع لبنان السياسي والاجتماعي، وأن يبني، من خلال الإيحاءات المتاحة، سردية تاريخية تشرح وتشرّح الواقع المأزوم العصيّ على الحل، والمحكوم بتدوير الزوايا أمام كل استحقاق.
الرواية مشرعة الأبواب أيضاً على تلك الازدواجية القاتلة التي تتيح للبناني أن يتفاعل مع شتى حضارات الأرض، وأن يغرد بمختلف اللغات، وأن يتناغم مع أرقى النتاجات الإبداعية، ثم يعود إلى مسقط ثأره العائلي أو الطائفي قاتلاً أو قتيلاً.
يكاد جبور الدويهي في عمله الروائي «ملك الهند» أن يرتكب الجريمة الروائية الكاملة، حكاية بوليسية على قدر لافت من البساطة تملك قابلية التحول إلى أطروحة آيديولوجية كاملة المعالم، وذلك بقدر محسوب من التشكيك يمارسه القارئ حيال نيات الكاتب.
بعد غياب طويل عن وطنه أمضاه في أميركا وأوروبا يعود زكريا مبارك إلى قريته الجبلية المتنوعة طائفياً بين الدروز والموارنة، وفي ذهنه أن يشق طريقاً إلى كَرْم المحمودية التي اشترته جدته فلومينا بأموال الهجرة. الثياب الأنيقة التي يحرص الرجل على ارتدائها، والصحيفة الإنجليزية التي يلتزم بشرائها يومياً ليقرأ أسعار العملات، ويداري بها حر الشمس، ولوحة «الكمان الأزرق» للفنان الروسي مارك شاغال التي أهدته إياها عشيقته الفرنسية ماتليد لا غرانج، كل ذلك لم يشفع له، حيث سيعثر المارة على جثته ملقاة في ظل شجرة تفاح جبلي، وقد أصيب بطلق ناري في القلب أودى بحياته.
توجه الاتهامات إلى أبناء عمه الذين لطالما أعلنوا أنهم يمتلكون حصة في إرث الجدة فلومينا، وأنهم لن يترددوا في تحصيل حقوقهم ولو عن طريق القوة، يثبت هؤلاء براءتهم فتتجه الأنظار نحو أبناء الطائفة الشريكة في الوطن والقرية. يتذكر الباحثون أن كَرْم المحمودية تسبب لدى شرائه من قِبل فلومينا بحادثة مؤسفة أدت بعد سنوات عديدة إلى وفاة أحد أطرافها، يومها أقدم إبراهيم، والد زكريا، على انتزاع مسدس من يد غريمه المعترض على شراء الكَرْم، مما تسبب بانطلاق رصاصة أصابت الغريم في رجله وتسببت بوفاته بعد سبع سنين، مما يطرح احتمالاً يَسْهل دحضه، فيكون على مقتفي الأثر أن ينظروا بعيداً نحو الغرب الذي أمضى فيه القتيل ردحاً طويلاً من الزمن، أفضى خلاله سلوكه غير الودي إلى استجلاب عداوات له.
في أول منعطفات الرواية تبدو الأحداث كما لو أنها تسلك مساراً تبسيطياً، حتى يشعر القارئ بأنه قريب من الإمساك بخيوط الجريمة، وهو أمر مألوف في قرية صغيرة، يعرف ناسها بعضهم البعض عن قرب، ويمكن حصر أولئك الذين يجنحون نحو ارتكاب الجرائم عادةً، وتضييق الحصار على مَن يملكون مصلحة تدعوهم إلى ذلك. لكن الأمور تنحو تدريجياً نحو تعقيد لا يمكن عزله عن البنية الناظمة للعقلية اللبنانية، حيث الحقيقة وثيقة الصلة بالمصلحة، وحيث الحق يقوم على مفاهيم مفرطة في استنسابيتها، وهي مقومات راسخة للتضليل الجماعي الذي يقصي أي محاولة جدية للخروج من الحلقة المفرغة، ويقضي على أي أمل بالتغيير المنشود، ويسمح بتقييد أي جريمة، مهما كان حجمها، ضد مجهول، صار، لفرط تجهيله، معلوماً.
ما يجدر التوقف عنده هو ذلك الامتداد التاريخي للرواية على مساحة تقارب الأجيال السبعة تبدأ من الجدة فلومينا وتمر بالوالد إبراهيم، لتصل إلى زكريا وابنته ماريا التي تموت هي الأخرى برصاصة أحد المتفلتين، يقابله تمدد في المساحة الجغرافية بين لبنان وفرنسا وأميركا. هذا التوسع في الزمان والمكان بوسعه الإحالة إلى مقولة مفادها أن مصائر الناس لا تخضع لإراداتهم الفردية، وإنما هي رهينة تاريخ مشترك للجماعات البشرية.
لا يسع الرواية أن تكون بعيدة عن الوعاء الجغرافي الذي يحتضن أحداثها وشخصياتها، وقد عُرف عن جبور الدويهي من خلال أعماله الروائية السابقة أن للمكان لديه مكانة خاصة، لكنها (الرواية) تقارب أهدافها بعيدة المدى من خلال مسارات الشخصيات المكونة لها، وفقاً لهذه القراءة تتبدى «ملك الهند» كعملية تأطير إبداعي للواقع اللبناني بموزاييكه الطائفي والسياسي وحتى العائلي، إضافة إلى كونها مقاربة للمشكلة الكيانية ولأزمة الهوية التي تعايشها المكونات اللبنانية، والتي تزداد تورطاً في تداعياتها خلال محاولاتها اليائسة للخروج منها.
من شأن الخاتمة الغامضة التي يقفل بها الدويهي روايته، والتي تحيل الجريمة إلى انتحار لا تؤكده الملابسات، أن تبرر الزعم أنه لا يسعى إلى عمل بوليسي يقف على طرف المغايرة مع أعماله السابقة، بقدر ما هو يموه مقاربة روائية لواقع سياسي ومعيشي مغرق في دمويته، ومحكوم دوماً بترحيل مآسيه إلى غدٍ لا يأتي...
لبنان كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة