مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

50 مليار طن سنوياً يستهلك نصفها في أعمال البناء

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب
TT

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

بينما كانت بعض الدول العربية تشهد ما اصطلح على تسميته بـ«الربيع العربي»، كانت مدينة أصيلة في شمال المغرب تواجه ثورة من نوع آخر.
فخلال السنوات بين 2012 و2014، عرفت المدينة الساحلية زيادة غير مسبوقة في بناء الشقق والمنازل والفنادق والمنتجعات السياحية. وفي قلب طفرة التطوير العقاري هذه، كانت شركات البناء تبحث عن الخيارات الأرخص للتوفير في تكاليف الإنشاء، فوجدت غايتها في الرمال الشاطئية التي جرى استخراجها بأيادي المئات من الشباب الباحثين عن فرصة للعمل.
ونتيجة لتراجع الطلب على العقارات لاحقاً، توقف ضخ المال في هذه السوق، وتباطأ سحب الرمال. وأمام الشقق الفارغة وغير المكتملة، كشف الشاطئ الذي أزيلت رماله، وانخفض منسوبه، عن صخور أخذ المد يطالها ويخلف فيها بحيرات وبركاً. أمام هذه الخسائر الاقتصادية والثقافية والبيئية، قامت بلدية أصيلة في صيف 2016 باستيراد الرمل من أماكن أخرى لترميم أكثر الأماكن جلباً للسياح.
وفيما يعاقب القانون المغربي بالحبس من سنة إلى 5 سنوات على استغلال الرمال، بشكل غير قانوني، يستمر نهب الشواطئ في أصيلة، وعلى كامل السواحل المغربية، التي تمتد على طول 3500 كيلومتر. ويشير تقرير صدر مؤخراً عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن نصف حجم الرمال المستعملة كل سنة في البناء في المغرب، أي ما يعادل 10 ملايين متر مكعب، يتم توفيرها بشكل غير قانوني. ويصف التقرير، الذي حمل عنوان «الرمل والاستدامة»، ما يجري على شواطئ المغرب، بأنه جريمة منظمة تديرها «مافيا» تنهب الرمال خلافاً للقانون أو بتجاوز للرخص الممنوحة، وتتهرب من دفع الضرائب، وتعمل على تبييض أموالها بطرق غير شرعية. الأوضاع في المغرب هي أقل سوءاً مما يحصل في أماكن أخرى، كالهند والصين مثلاً، وهذا يجعل البعض يتساءل: ما هي القيمة الحقيقية لهذه المادة التي تنتشر في كل مكان وتجري وراءها المافيات؟

- أساس الحضارة المدنية
تعد الرمال والحصى ثروات لا تشغل بال الكثيرين، على الرغم من أهميتها في الاقتصادات العالمية، باعتبارها أكثر المواد الصلبة استخراجاً، واعتمادنا عليها من حيث الحجم يأتي في المرتبة الثانية بعد الماء. وإلى جانب الحصى، يدخل الرمل في صناعات أساسية كالإسمنت والإسفلت، وفي حالته النقية يستخدم الرمل في تصنيع الزجاج والدوائر الإلكترونية المتكاملة التي تعتمد عليها الحواسيب والهواتف المحمولة وجميع الأجهزة الإلكترونية.
ويجري استخراج الرمال والحصى على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، لكن هناك القليل من البيانات العالمية حول هذا النشاط. ويقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن مجموع ما يجري استخراجه من الرمال والحصى يبلغ نحو 40 إلى 50 مليار طن في السنة، حيث يتم استهلاك أكثر من نصف هذه الكمية في صناعة البناء وحدها. ووفقاً لدراسات شركة «زيون» الأميركية، بلغ حجم السوق العالمية للرمال والحصى في قطاع البناء 360 مليار دولار في سنة 2018.
وفي كل مكان، يشهد الطلب على الرمال ارتفاعاً سنة بعد سنة، مدفوعاً بتغير أنماط الاستهلاك وتزايد عدد السكان وزيادة التوسع الحضري وتطوير البنى التحتية. ومن المتوقع أن يقترب حجم السوق العالمية للرمال والحصى في قطاع البناء في سنة 2025 من 500 مليار دولار، بمعدل نمو عالمي يبلغ 4.6 في المائة سنوياً.
اللافت هو تضاعف الطلب على الرمال بمقدار ثلاث مرات خلال العقدين الماضيين، لا سيما في آسيا وأفريقيا، حيث تعد الاقتصادات الناشئة الأكثر شرهاً للرمال. فالصين وحدها تستخرج نحو ثلثي مجموع الرمال على مستوى العالم، حتى أن التقديرات تشير إلى استهلاكها في ثلاث سنوات ما استهلكته الولايات المتحدة طيلة القرن العشرين بأكمله. ومن النادر أن يخضع استخراج الرمال في الصين إلى تقييم للأثر البيئي، وفي كثير من الأحيان ينطوي هذا العمل على انتهاك القوانين المحلية بشكل روتيني. وعلى الرغم من وفرتها وانتشارها، لا يمكن استخدام الرمال الصحراوية في صناعة مواد البناء، لأن حبيباتها المكورة لا ترتبط جيداً بالخرسانة. لذلك يتم الحصول على الرمال من المقالع الجبلية، كما في لبنان، ويتم استخراجها بشكل متزايد من الشواطئ وتجريفها من النظم الإيكولوجية الهشة في البحار والأنهار، ما يتسبب بأضرار كبيرة.

- مشكلات بيئية واجتماعية
تفضل صناعة البناء استخدام رمل المقالع أو الرمل النهري على الرمل البحري، الذي يتوجب غسله جيداً لتنظيفه من الأملاح التي تؤدي إلى تآكل حديد التسليح المستخدم في الخرسانة الإنشائية. ونظراً لانخفاض كلفتها، تستخرج الرمال النهرية بالاعتماد على منصّات تجريف تتسبب بتغير كبير في تدفق الأنهار، وتآكل ضفافها، كما تؤدي إلى جفاف روافدها وانخفاض منسوبها.
ويُلحق تجريف الرمل لتنفيذ مشروعات البنى التحتية ضرراً واسعاً في النظم الإيكولوجية البعيدة عن مواقع هذه المشروعات. ففي إندونيسيا انخفضت كثافة مروج الأعشاب البحرية، وتراجعت أعداد سلاحف «تيرابين» النهرية المهددة بالانقراض في ماليزيا وبنغلاديش والهند، ولحق الضرر موائل تمساح «غاريال» النادر في شمال الهند ودلافين نهر الغانج. كما نتج عن تجريف الرمل في نهر اليانغستي الأدنى انخفاض كبير في مستوى المياه، ما أدى إلى خلل في النظام الغذائي للطيور المهاجرة في الصين.
ومع انتشار تجريف الرمال على نطاق واسع، لا يزال العالم حتى الآن يغض النظر عن البصمة البيئية الخطيرة لهذه الممارسة، في غياب معاهدات دولية تنظّم استخراج الرمال واستخدامها والتجارة بها. وتشير تقارير قام بجمعها الصندوق العالمي للطبيعة إلى حصول أعمال تنقيب واسعة عن الرمال الشاطئية والنهرية بشكل غير قانوني في 70 بلداً حول العالم. وتؤكد هذه المنظمة الدولية، في تقرير أصدرته عام 2018 بعنوان «آثار تعدين الرمل»، أن بعض أعمال التنقيب، بما فيها تلك الحاصلة على رخصة رسمية، كانت تجري في جوار المحميات الطبيعية أو داخلها.
وإلى جانب تأثيراته البيئية، يترك استخراج الرمال أثراً اجتماعياً متبايناً. فهو مورد عيش للكثير من الأسر، وفي المقابل يتسبب بقطع أرزاق أسر أخرى نتيجة إضراره بالمصائد السمكية والمقاصد السياحية وموارد الغابات. كما تشمل مخاطره السلامة المباشرة للعاملين في هذا القطاع، إذ سُجّل العديد من حوادث الغرق خلال استخراج الرمال من قاع الأنهار، إلى جانب حصول وفيات نتيجة الهبوط المفاجئ في التربة أو الانزلاقات الأرضية.
وكأي جريمة منظمة، لا يخلو التنقيب غير الشرعي عن الرمال من حوادث العنف، التي تصل أحياناً حد ارتكاب جرائم القتل. ففي الهند، ثاني أكبر بلد مستخرج للرمل في العالم، تدير عصابات منظمة استخراج الرمل غير الشرعي على نطاق واسع في البلاد. وتقوم هذه العصابات المارقة بتغطية أعمالها عن طريق الرشوة، وبلغ بها الأمر أن قتلت شرطياً حاول وقف أنشطتها في محمية وطنية للتماسيح في ولاية ماديا براديش. وتوفر العصابات المسلحة الحماية لعمال استخراج الرمال في محيط مدينة نيروبي، عاصمة كينيا. وفي ماليزيا، اتهم 34 مسؤولاً حكومياً بالتغاضي عن تهريب الرمل إلى خارج البلاد مقابل رشى. وفي العام الماضي، لقي ثلاثة أشخاص حتفهم في مظاهرات شعبية جرت في ولاية كومبو الغامبية احتجاجاً على التأثير الضار لاستخراج الرمل على حقول الأرز، الذي يشكل مصدر دخل السكان المحليين.
وفي العالم العربي، تتنوع المظاهر السلبية لإدارة الرمال ابتداءً بالعصابات المنظمة التي تنهب شواطئ المغرب والجزائر، مروراً بمافيا الكسارات والشواطئ في لبنان التي تدمر الثروات الطبيعية للبلاد، وانتهاءً بمشروعات التطوير العقاري في بعض الدول الخليجية، التي تقوم على استيراد الرمال وردم الموائل البحرية لإنشاء الجزر الاصطناعية. ومن المتوقع أن تؤدي الحروب المدمرة التي شهدتها بعض البلدان العربية إلى زيادة الطلب على الرمال والحصى. ففي العراق، تسعى العديد من البلديات إلى تعديل التشريعات الوطنية التي تحظر تجريف الحصى والرمال من أحواض الأنهار. وفي حال نجاحها في تحقيق ذلك، فإن مشكلة تهدّم المساكن والمنشآت سترخي بعبئها الثقيل على النظم البيئية المائية، خصوصاً في نهر دجلة.

- ما هي البدائل المتاحة؟
من الناحية التقنية، توجد بعض الخيارات للتخفيف من استهلاك الرمال، ومن ذلك مثلاً استغلال الطمي المتراكم في قاع السدود. في هذه الحالة، تكون المعادلة هي فوز جميع الأطراف. فمن جهة تحظى صناعة البناء بمادتها الأولية، ومن جهة أخرى يستفيد مشغلو السدود من خلال توفير سعة إضافية لتخزين المياه.
وفي البلدان المتقدمة، يحل البناء الجديد غالباً مكان البناء المهدم، وهنا تظهر أهمية تدوير أنقاض المباني في تقليل الحاجة لمواد بناء جديدة. ثلث مواد البناء المستخدمة للإسكان في بريطانيا هي مواد معاد تدويرها، وهذا الخيار يبدو واعداً في البلدان العربية التي دمرت حواضرها الحروب. كما أن تدوير مخلفات الزجاج يقلل من حاجة هذه الصناعة إلى الرمل الجديد. وتوجد بدائل للرمل في صناعة الخرسانة، كرماد محارق محطات الطاقة وغبار مقالع الصخور. إلا أن رخص سعر الرمل مقابل قيمة هذه البدائل يبقى عائقاً أمام تبنيها.
أياً تكن البدائل المقترحة، سيبقى استخراج الرمال أمراً لا مهرب منه. وأفضل الخيارات المتاحة هو تنظيمه في حدود قدرة الطبيعة على ضمان استدامته. وإلى أن يحصل ذلك، سيبقى استخراج الرمال جريمة منظمة تقع أمام أعيننا من دون أن نقيم لها وزناً.


مقالات ذات صلة

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

شمال افريقيا صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

بعدما غمرت مياه الأمطار عدداً من شوارع نواكشوط، عاد إلى الواجهة جدل متجدد حول غياب شبكة صرف صحي متكاملة في مدينة يزيد تعداد سكانها على 1.5 مليون نسمة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».