استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

كتاب جديد يبحث في خلفيات ودوافع المنضمات للتنظيم الإرهابي

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»
TT

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

تحت عنوان «استراحة تأمل في عقول الداعشيات»، جاء كتاب أزاده مافيني قوياً ومليئاً بالتحديات، حيث تناولت عبر صفحاته الحياة الداخلية ودوافع النساء اللائي انضممن إلى أو ساندن تنظيم «داعش» الإرهابي، في سرد روائي سلس رائع وسهل الفهم.
يتناول كتاب «استراحة تأمل في عقول الداعشيات» الكثير من المحرمات التي أعاقت النقاش الحاد عن التطرف الأصولي بشكل عام وتنظيم «داعش» بشكل خاص. الكتاب لا يقدم تصحيحاً مضيئاً لفهمنا للجماعة التي أرعبت المسؤولين والشعوب في جميع أنحاء العالم فحسب، بل أيضاً لمفهوم «الحرب الكبرى على الإرهاب» وللسياسات غير الفعالة، وغالباً غير المجدية للحكومات الغربية والشرق أوسطية.
تتبعت مافيني خطى ثلاث عشرة امرأة وفتاة من تونس وبريطانيا وسوريا وألمانيا، حيث ترسم صوراً ثلاثية الأبعاد لعوالمهن ومناطقهن والخيارات المتاحة وغير المتاحة لهن؛ وهو ما جعلني في كل مرة أتوقف لمعرفة ما سيحدث لهن. قد يثير هذا النهج غضب بعض القراء، وبخاصة بعد سنوات من التغطية الإعلامية التي مالت إلى تصوير هؤلاء النساء على أنهن شر فريد من نوعه، أو متطرفات متعطشات للدماء، أو نسوة متلهفات للقاء الجهاديين الرجال.
توقعت مافيني مثل هذه الاعتراضات وتعترف بحالة الرعب وبأهمية المعاناة التي عاشها ضحايا تنظيم «داعش»، مثل الإيزيديات اللائي حاز استعبادهن واغتصابهن تغطية هائلة، وأحياناً متقنة. لكن، بحسب الكاتبة، «ربما أعمانا الغضب الشديد ومنعنا من تقدير الظروف التي أفضت إلى ظهور أنصار تلك الجماعة»، و«لفهم حقيقة تلك الظروف» بحسب مافيني، «يجب علينا النظر إلى الفوارق بين هؤلاء النسوة ببعض التعاطف».
توجه الكاتبة نداءً بعد أن استشعرت معاناة المئات من المنتسبات لـ«داعش» – الحاليات والسابقات – وكذلك أطفالهن في المخيمات وفي مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وما رأته من محاكمات قصيرة وتجريد من الجنسية والسجن إلى أجل غير مسمى في ظروف بشعة، في حين تلقى الحكومات، بما في ذلك حكومتا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بمشكلات مواطنيها المنضمين إلى «داعش» على كاهل السلطات غير المجهزة في العراق وسوريا.
الملاحظة الأهم لمافيني، وهو الموضوع الذي طفا على السطح مراراً وتكراراً في سردها التفصيلي، هي أن قرارات مجندات «داعش» - وبعضهن من الفتيات الصغيرات – كانت ذات مغزى لهن. في الواقع، لم يكلف أحد نفسه عناء معالجة ذلك في حينه؛ ولذلك يسلط الكتاب الضوء على إخفاق العائلات والمجتمعات والحكومات في الإنصات إلى المخاوف الحقيقية والمشروعة للنساء والفتيات، والمخاوف التي استغلها تنظيم «داعش»، وعدم معالجتها بطرق كان من الممكن أن تكون أفضل من الدعوة لـ«داعش».
وبحسب مافيني، يكمن أحد التحديات في أن مثل هذه المناقشات كان من الممكن أن تفهم على أنها تعاطف مع «داعش». فمن الولايات المتحدة وأوروبا إلى الدول العربية، غالباً ما تساهم شبكات مكافحة الإرهاب في أن تفهم أي سياسة متعلقة بالإسلام على أنها دعم لتنظيم «داعش» أو «القاعدة». والأسوأ من ذلك، في هذا الجو، فإن أي نقاش سياسي بين الشباب المسلم حول القضايا الجيوسياسية أو الاجتماعية الأكثر إلحاحاً من الممكن أن يفهم على أنه موضوع يخص المتشددين.
تبدو مافيني واقعية بشأن الأسباب التي أفضت بنا إلى هنا. فبينما أقامت «داعش» ما يسمى بـ«دولة داعش» وسط صراعات أكبر ذات دوافع سياسية في سوريا والعراق، كتبت مافيني تقول، إن التنظيم استخدم أدوات «فعالة للغاية» لجذب المجندين وإخضاع السكان والقضاء على «المنطقة الرمادية» للتعايش مع المسلمين في الغرب. ومن خلال اللعب على مخاوف العالم من الإسلام، تمكن التنظيم من «بث الزعر من المزاعم الدينية التي سعوا إلى ترويجها».
وهكذا، بحسب مافيني، «بات (داعش)، في الخيال الغربي، ينظر له باعتباره قوة شيطانية أكثر من أي شيء واجهته الحضارة منذ أن شرع الإنسان في تسجيل تاريخ القتال منذ حروب طروادة».
كان ينظر إلى «داعش» على أنه تنظيم فريد بشكل صعب الفهم ويتطلب فئة جديدة من علماء الأرواح وطرد الشياطين، كما تصفهم مافيني، وأنها تتطلب جهداً لفهم ما إذا كانت ممارسات «داعش» مغروسة في الإسلام السائد. لم يكن هناك اهتمام كبير بأصول تلك الجماعة في «السياسات والحروب الأميركية» أو بالتجارب الحية للمسلمين في الغرب وفي أماكن أخرى، أو «للحسابات الباردة» للكثيرين في الغرب بأن الرئيس السوري القمعي العنيف بشار الأسد، كان أفضل من أي بديل ديني محتمل.
وبحسب مافيني، ربما توفر النصوص الإسلامية أدلة حول بعض قادة «داعش» واللاهوتيين، لكنها كانت إلى حد كبير بعيدة عن ممارسات آلاف الجنود والإداريين والمقيمين في الخلافة الذين كانوا يفتقرون في الغالب إلى الخبرة الدينية وكانوا مدفوعين بمزيج متنوع من الدوافع السياسة والإيمانية والاقتصادية والرغبة في الحفاظ على الذات.
للأشخاص المعنيين، هنا الذي تناولت مافيني حكاية كل منهن قصة تدور أحداثها في سياق شيق مما يجعل تحليل الكتاب سهلاً، لكن نقاط انطلاقهن متنوعة. فنور، على سبيل المثال، مراهقة تونسية شعرت بالحنق والاختناق من حكومة علمانية كانت الثورة السلمية مصدر إلهام لها، لكن أملها تبدد بعد أن تلاشت وعود الثورة. أما إيما، فهي شاب ألمانية وحيدة اعتنقت الإسلام لأنها أحبت الجالية المسلمة الدافئة القريبة من أصدقائها الألمان ذوي الأصول التركية. أما لينا، وهي ألمانية من أصول لبنانية، فقد تركت زوجها المسيء ووجدت عزاء في التطرف بعد أن نبذها والدها اللبناني العلماني. أما أسماء، ودعاء، فهما لم يكونا من سكان الرقة المتدينين، لكنهما أجبرتا على العيش في الرقة عندما سيطر «داعش» على مدينتهما.
وهناك الفتيات الثلاث اللاتي قدمن من مدرسة ثانوية شهيرة بمنطقة «بيثنال غرين» بضواحي لندن. فقد كن صديقات شيماء (شميمة) بيغوم، وهرب الأربعة للانضمام إلى «داعش» في سن المراهقة. ظهرت بيغوم، ذات الأصول البنغلادشية، في أحد المعسكرات وجردت من جنسيتها البريطانية بعد أن رفضت الاعتذار. أنجبت شميمة ثلاثة أطفال، أحدهم في المخيم. لكنهم ماتوا جميعاً لنقص الرعاية.
كما تعترف مافيني، قد يكون لدى بعض مصادرها الدوافع للتقليل من عنصر التورط وكونهن ضحايا، والتأكيد على عنصر تعمد المشاركة. ومع ذلك، يتوافق تصورها مع ما تعلمته أنا وزملائي خلال سنوات من إعداد التقارير الصحافية والتجارب تغلغلنا من خلالها في عمق المصادر بحثاً عن إجابات مقنعة لألغاز كبيرة محيرة. ولنصل إلى إجابة، دعونا نتساءل: لماذا كانت تونس التي تعد قصة النجاح النسبية لباقي الثورات العربية، المورد الأول للمتطرفين؟ هنا تشير الكاتبة إلى الإصلاحات الفاشلة والآمال المحطمة للشباب حديثي العهد بالتطرف). لماذا انجذب بعض البريطانيات من الجيل الثاني الناجح أكاديمياً إلى تلك الجماعة، وكيف لم يعلم آباؤهم بذلك ولماذا لم يمنعوهم؟
تشير مافيني هنا إلى نقطة مهمة: إذا كان لدى أولياء الأمور المهاجرين الفقراء وغير الناطقين بالإنجليزية وقت لملاحظة الفتيات اللاتي كن يقضين وقتاً أطول في المساجد، فإن كل ملاحظاتهن كانت تصب في أن ذلك علامة ومؤشر على تمسكهن بالقيم الحميدة والإيمان، لكنها في الحقيقة كانت انعكاساً لحيرة الأطفال بين بيئتهم الحرة في لندن والضغوط العائلية المحافظة. وشأن الأطفال (والفتيات) المعزولين عن مجتمعهم الغربي بدافع من آبائهن، جاء حديثي العهد بالإسلام من دون امتداد أو جذور عائلية أيضاً عرضة للمتطرفين.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

سوريا: مقتل عنصر أمني في هجوم لـ«داعش» على حاجز بمدينة الرقة

العالم العربي قوة تابعة للسلطات السورية بمحافظة الرقة (أ.ب)

سوريا: مقتل عنصر أمني في هجوم لـ«داعش» على حاجز بمدينة الرقة

قُتل عنصرٌ من الأمن الداخلي في سوريا وأصيب آخر بهجوم مسلح نفذه تنظيم «داعش» على حاجز السباهية في المدخل الغربي لمدينة الرقة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لـ«داعش».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
تحليل إخباري روكسان محمد 37 عاماً (يسار) المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة تنتظر برفقة مقاتلات من قوات الأمن الداخلي حاملةً رشاشها بالقرب من مطار القامشلي في 8 فبراير (أ.ف.ب)

تحليل إخباري حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي تلاشى بعد الاتفاق مع الشرع

في قاعدة عسكرية في شمال سوريا، تروي روكسان محمّد ورشاشها على كتفها كيف قاتلت تنظيم «داعش» في صفوف «وحدات حماية المرأة الكردية» التابعة لقوات «قسد»

«الشرق الأوسط» ( الحسكة (سوريا))
المشرق العربي عنصران من الشرطة في سوريا (الشرق الأوسط)

مقتل عنصر أمن وإصابة آخر في هجوم لتنظيم «داعش» بشرق سوريا

أعلن تنظيم «داعش» اليوم الخميس مسؤوليته عن هجوم أسفر عن مقتل عنصر أمن في الحكومة السورية ​وإصابة آخر في شرق سوريا، في تصعيد لهجمات التنظيم ضد القيادة

«الشرق الأوسط» (دمشق)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended