رحيل سيمون أسمر ... «الأستاذ» و«صانع النّجوم»

بعد معاناة طويلة مع المرض

يعدّ سيمون أسمر من أبرز المخرجين في عالم التلفزيون بلبنان والعالم العربي
يعدّ سيمون أسمر من أبرز المخرجين في عالم التلفزيون بلبنان والعالم العربي
TT

رحيل سيمون أسمر ... «الأستاذ» و«صانع النّجوم»

يعدّ سيمون أسمر من أبرز المخرجين في عالم التلفزيون بلبنان والعالم العربي
يعدّ سيمون أسمر من أبرز المخرجين في عالم التلفزيون بلبنان والعالم العربي

لم تسلم الجرة هذه المرّة مع المخرج التلفزيوني المخضرم سيمون أسمر، فصاحب لقب «صانع النّجوم» رحل (في ساعة متأخرة من مساء الأربعاء الماضي)، بعد معاناة مع المرض. فهو سبق وأُدخل أكثر من مرّة إلى المستشفى في السنوات الأربع الماضية بسبب إصابته بمرض الفشل الكلوي، ولكنّه كان في كل مرة يسلم ويخرج منها ليكمل تصوير برنامج أو حوار تلفزيوني. وكانت أحدث إطلالاته التلفزيونية في برنامج «ديو المشاهير» على قناة «إم تي في»، حيث شارك في عضوية لجنة التحكيم المشرفة على أداء المشتركين.
ولكن، في الفترة الأخيرة تدهورت صحة سيمون أسمر إثر إصابته بمرض عضال ما لبث أن تفشّى في كامل جسمه مما اضطّره لدخول العناية المشدّدة في مستشفى رزق بالأشرفية. وبقي، حسب مقرّبين منه، متماسكاً في الأيام الأولى من مرضه إلى حين دخوله منذ نحو أسبوع مرحلة الصّراع مع الموت وقد تم وضع أنابيب التنفس الاصطناعي له على أمل اجتيازه الخطر.
وبعد أخذ ورد عن حقيقة وضعه الصّحي، أُعلن رسمياً عن وفاة أحد أهم المخرجين في لبنان والعالم العربي. فـ«الأستاذ» سيمون، كما كان يحب أن يناديه المقربون منه والعاملون معه، فارق الحياة عن عمر ناهز الـ76 سنة. فهو وقف وراء اكتشاف مواهب غنائية لبنانية عديدة تكتسح الساحة الغنائية اليوم وتندرج على لائحة مطربي الصف الأول في لبنان والعالم العربي، أمثال ماجدة الرومي، وعاصي الحلاني ووائل كفوري ونوال الزغبي وإليسا وغيرهم. أمّا نصائحه فكانت بمثابة دروس يصغي إليها أهل الفن من محترفين وصاعدين لأنّها عادةً ما كانت صائبة ومفيدة. شكّل أسمر العلامة الفارقة في العمل التلفزيوني بغض النّظر عن كمية الأشخاص الذين كانوا معجبين به أو العكس حتى قيل إنّه لن يتكرر.
وفي حديث سابق له مع الـ«الشرق الأوسط»، أكّد أنّ فناني اليوم يعيشون حالة ضياع لأنّ ليس هناك من يتبناهم أو يمسك بيدهم، «أريد أن أقول لك شيئاً ينطبق على أي حالة نعيشها في هذه الحياة، فالشّخص الذي يعرف كيف يربّي لا بدّ أن يحصد بذور جهده (إذا بتربي بتلاقي). اليوم نلاحظ أنّ غالبية الفنانين الجدد يعيشون نوعاً من الضياع في غياب من يتبناهم أو يصونهم. الجميع يلهث وراء المال كأنّه سيكون منقذه من العدم والفشل، إلّا أنّ هذا المفهوم خاطئ تماماً؛ لأنّ المال يسيء إلى الأخلاق ولن يصنع منه نجماً حقيقياً». ويتابع: «مع الأسف لا أحد يريد أن يتعب على صناعة النجاح، تماماً كالذي يُرزق بالأطفال ويتركهم على الطرقات، فماذا تنتظرين منهم أن يحققوا من نجاحات؟».
كان سيمون أسمر يرى أنّ السّاحة الفنّية اليوم تحمل تغييرات كثيرة وأنّها تسجّل تراجعاً في عملية الإبداع. «حسب رأيي الشّخصي فإنّ البرامج الأميركية كسرت كل الحضارات التي صنعناها، فهم يريدوننا أن نصبح شبيهين بهم، فنتحوّل إلى بلدان من دون تاريخ».
سيمون أسمر الذي استطاع أن يبتكر أحد أهم البرامج التلفزيونية الخاصة بهواة الغناء والفن عامة في فترة السبعينات «استوديو الفن»، كان يملك هو نفسه موهبة خارقة في هذا المجال، تبلورت في برامج المنوعات والألعاب والتسلية، حتى توج سيداً لها من دون منازع. بدأ مشواره في الإخراج التلفزيوني منتصف الستينات من تلفزيون لبنان وبالتحديد من القناة 7 الواقعة في منطقة تلة الخياط في بيروت، ومن البرامج التي وقّعها في تلك الحقبة: «بيروت في الليل» مع المقدم المصري حسن المليجي، و«ماما عفاف» و«عندي مشكلة» البرنامجان اللذان توجه بهما إلى الطفل والعائلة معاً.
في عام 1972 أطلق برنامج «استوديو الفن»، فجمع تحت سقفه هواة الأغنية والشّعر والعزف وغيرهم الذين جاءوا من كل حدب وصوب يمثّلون بلدانهم اللبنانية.
كما شغل في فترة لاحقة مركز مدير قسم برامج المنوعات في المحطة اللبنانية للإرسال (إل بي سي آي). وعمل معه غالبية نجوم تلك البرامج أمثال طوني خليفة وميراي مزرعاني والراحل رياض شرارة وزياد نجيم وهيام أبو شديد وغيرهم.
وبعد تردّد وافق أسمر على الانتقال إلى شاشة «إم تي في» اللبنانية المشاركة في برنامج «ديو المشاهير». فهو اعتاد العمل وراء الكاميرا لا أمامها، إلّا أنّ إصرار ميشال المر رئيس مجلس إدارة المحطة المذكورة وتمسّكه بخبرته في موضوع الفن عامة والغناء خاصة، دفعاه إلى الموافقة. فكان الموسم الثالث منه بمثابة محطة الوداع الأخيرة له على الشاشة الصغيرة التي سرقت منه كل طاقاته الإبداعية.
كرّم سيمون أسمر أكثر من فنان عملاق وعزز أكثر من مطرب راحل، واعتبر أنّ المطربة اللبنانية صباح هي فأل خير على لبنان وعلى برامجه، ولذلك كان لا يستهلّ برامجه إلّا أن تكون الضيفة الأولى لحلقاته. وسيمون وُلد في بلدة الكنيسة في منطقة المتن الأعلى عام 1943 وتزوج عام 1977 من ندى كريدي، وله ثلاثة أولاد: وسيم وكريم، وبشير الذي مشى على خطى والده، وعمل أيضاً في مجال الإخراج التلفزيوني.
نال عدة جوائز بينها جائزة أفضل مبدع تلفزيوني عام 1994، وجائزة مفتاح سيدني في أستراليا في العام نفسه، وعام 1997 قدمت له موسوعة «Internnational Biographical Center - Cambridge - United Kingdom» جائزة العام الدُّولية، وفي عام 2003 وبمناسبة مرور 44 سنة على خدماته في مجال الفن، كرّمته لجنتا تخليد عمالقة الشّرق وأصدقاء سيمون أسمر. أمّا مجموع أعماله في المجال المرئي والمسموع فيفوق الثمانين برنامجاً.



رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».