موسكو على خط المواجهة الإسرائيلية ـ اللبنانية

العلاقة مع تل أبيب «زواج مصلحة سرّي» مريح للطرفين

موسكو على خط المواجهة الإسرائيلية ـ اللبنانية
TT

موسكو على خط المواجهة الإسرائيلية ـ اللبنانية

موسكو على خط المواجهة الإسرائيلية ـ اللبنانية

تلاحقت في الفترة الأخيرة، تطورات مرتبطة بإسرائيل، وتحركاتها على الصعيد الإقليمي، وبدت كلها وثيقة الصلة، بشكل أو بآخر، بمسار تعزيز الحضور الروسي في الشرق الأوسط. إذ اتضح بعد المواجهة المحدودة بين إسرائيل و«حزب الله» في المناطق الحدودية أخيراً، أن الطرفين اللبناني والإسرائيلي اتجها إلى موسكو لمحاصرة احتمالات اتساع نطاق المواجهة. وأعقب ذلك إعلان تل أبيب بدء ترتيبات لعقد لقاء جديد على مستوى رؤساء مجالس الأمن القومي في روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل لمناقشة الوضع في المنطقة، ومحاولة تقريب وجهات النظر حول آليات التعامل مع إيران في سوريا ولبنان، والمنطقة عموماً. ولم تلبث موسكو وتل أبيب أن أعلنتا، في وقت متزامن، بعد ذلك مباشرة، عن إعداد زيارة بشكل عاجل، لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى منتجع سوتشي الروسي للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، وينتظر أن يكون موعدها قبل الانتخابات الإسرائيلية في 17 من الشهر الحالي. وهي تهدف، كما بات معلوماً، فضلاً عن دعم فرص نتنياهو الانتخابية، إلى وضع رؤية مشتركة للتحرّكات الجارية في سوريا ولبنان.
«كل الطرق تقود إلى موسكو»... هكذا يفاخر بعض المحللين الروس، وهم يتحدثون في هذه الأيام عن اتساع حجم الحضور الروسي في الملفات الشرق أوسطية. وحقاً، تتطلع موسكو إلى لعب أدوار أكبر في مسائل لم يكن لها حضور بارز فيها في السابق، مثل موضوع الاشتباك الإسرائيلي مع «حزب الله». إذ كان لافتاً بعد المواجهة المحدودة أخيراً، أن موسكو نشطت اتصالاتها مع الأطراف المعنية، وسعت إلى محاصرة احتمالات التصعيد.
ولم تُخفِ أوساط دبلوماسية روسية مخاوف من أن «لبنان وإسرائيل يقفان الآن على بعد خطوة واحدة من حرب جديدة». وأنه على الرغم من استبعاد أوساط روسية أن يقع تغير كبير في موازين القوى القائمة حالياً في حال نشبت هذه الحرب، فإنها ترى أنها ستكون مكلفة بالنسبة لموسكو، التي ترى في أي مواجهة كبيرة في المنطقة حالياً تهديداً لخططها في سوريا. لذا سارعت موسكو إلى التقاط فرصة الاتصالات التي جرت من الطرفين اللبناني والإسرائيلي معها، لبذل جهود لتقليص فرص وقوع مواجهة كبرى، وهي نجحت في هذا الاتجاه.
تشير مصادر إعلامية عربية وروسية متطابقة إلى أن موسكو نقلت رسائل عدة بين إسرائيل و«حزب الله»، وأن الطرفين أعلنا خلالها «أنهما لا يريدان توسيع المواجهة». ووفقاً للمعطيات، فقد أكدت موسكو للجانب الإسرائيلي أنه «لا يوجد أي تغيير على قواعد المواجهة القائمة، بمعنى أن استهداف (حزب الله) الآلية هدف إلى حفظ ماء الوجه لا غير، وأن الحزب لا يسعى لتوسيع مساحة المواجهة». ونقل الدبلوماسيون الروس رغبات مماثلة من جانب إسرائيل إلى الأطراف اللبنانية. وبرأي خبراء روس، فإن التحرك الروسي العاجل، الذي استند إلى قناعة روسية بعدم ميل الطرفين إلى التصعيد، أظهر وفقاً لتعليق صحيفة روسية أنه «بات بإمكاننا أن نتحدث بثقة عن وصول بلدنا إلى مستوى جديد. والآن أصبحت كلمته مهمة في حل حتى أكثر الصراعات الإقليمية حدة. إنه لأمر مؤسف أن هذا لم ينجح حتى الآن مع أوكرانيا».
جهود روسيا المتوسعة
أشارت مصادر عسكرية روسية، أخيراً، إلى أن روسيا بدأت بالفعل تنخرط في جهد أوسع لتخفيف التوتر اللبناني الإسرائيلي، وفي إشارة ذات مغزى، أكدت أن إيران «تساعد بشكل كبير في هذا الأمر». والواقع أن مساعي موسكو تنطلق من أن وجود علاقات جيدة مع إسرائيل، والمحافظة على قنوات اتصال مع كل الأطراف اللبنانية، يساعدان في إنجاح هذا الدور. إلا أن هذا لا يعني، وفقاً لخبراء روس، أن الأمور قد لا تتفاقم بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل، لأن ثمة «لاعبين آخرين هنا»، في إشارة إلى الولايات المتحدة. ثم إن ملف المواجهة اللبنانية الإسرائيلية مرتبط بمسارات عدة، بينها الوضع في سوريا والمواقف المتباينة حيال سياسات إيران الإقليمية، وأخيراً، بسبب طموحات واشنطن لتكريس واقع إقليمي جديد يسهل تمرير «صفقة القرن».
رغم ذلك، تنطلق موسكو في جهودها للمحافظة على هدوء نسبي يوفّر آلية لمنع وقوع مواجهات واسعة من قناعة بأن «الولايات المتحدة لن تذهب نحو المساعدة على زعزعة استقرار لبنان، لأنها تتطلع إلى تعاون مع السلطات الموالية جزئياً في البلاد في مشروعات مستقبلية للاندماج في الشرق الأوسط ضمن إطار خططها لرسم ملامح جديدة للنظام الإقليمي».
اللقاء الأمني الثلاثي
في هذه الأثناء، جاء إعلان رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، مساعي لعقد قمة أمنية ثلاثية ثانية، بين إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة، في الفترة المقبلة، ليضيف بعداً جديداً للنقاشات الدائرة حول هذا الموضوع، ونقلت مصادر أن «المفاوضات تجري لعقد اللقاء الجديد في القدس خلال الأسابيع المقبلة». غير أن مصدراً مطلعاً على الملف في موسكو أبلغ «الشرق الأوسط» أن «موسكو لم تحسم قرارها بالمشاركة بعد»، وترى أوساط روسية أن المشكلة لا تكمن في عقد اللقاء من حيث المبدأ، بل في الأهداف المتوخاة من هذا اللقاء.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن رؤساء مجالس الأمن القومي في روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة كانوا قد عقدوا اجتماعاً في يونيو (حزيران) الماضي في القدس، كرس لمناقشة الوضع في سوريا، خصوصاً على صعيد الوجود الإيراني في هذا البلد. وفشلت الأطراف يومذاك في تقريب وجهات النظر حول الملف الخلافي الأكبر. وقال سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف، في حينه، أن «موسكو تعير اهتماماً كبيراً لضمان أمن إسرائيل»، لكنه شدد على أن «تحقيق هذا الهدف يتطلب استتباب الأمن في سوريا أولاً».
وبالتالي، بدا واضحاً خلال ذلك اللقاء أن الخلاف الرئيس لا يكمن في وضع ملف الوجود الإيراني في سوريا على طاولة المفاوضات، وبحث السياسات الإقليمية لإيران، بل في رفض موسكو الخضوع لإملاءات مسبقة. وفي هذا السياق، قال دبلوماسي اطلع على سير المفاوضات لـ«الشرق الأوسط»، إن موسكو أبلغت الجانبين الإسرائيلي والأميركي أنها لا تمانع مناقشة الملف (الوجود الإيراني)، لكن «لا يمكن القبول بالذهاب إلى مفاوضات يرى الطرفان الإسرائيلي والأميركي أن نتائجها يجب أن توضع سلفاً». وبهذا المعنى، فإن موسكو تبدي مرونة في مناقشة ملف خروج إيران والقوات التابعة لها من سوريا، أو تقليص وجودها الظاهر على الأقل، لكنها ترى أن هذا الأمر يجب أن يتحقق في سياق تفاوضي يلبي حاجات دفع التسوية واستقرار الوضع في سوريا (لمصلحة الأسد)، ويضمن لإيران وللأطراف الأخرى متطلباتها وحاجاتها الأمنية.
هذا الجانب ذكره باتروشيف بوضوح خلال اللقاء السابق في القدس، عندما قال: «ترى موسكو أنه من الأكثر فاعلية التحدث مع إيران، بدلاً من ممارسة الضغط عليها»، و«نحن نتفهم المخاوف التي لدى إسرائيل، ونريد القضاء على التهديدات الموجودة، ولكن في الوقت نفسه علينا تذكر المصالح الوطنية للدول الإقليمية الأخرى».
تفاهم كامل بين موسكو وطهران
هذه هي النقطة الخلافية الأساسية التي عرقلت التقدم في مسار المفاوضات الأمنية الثلاثية، وما زالت عالقة حتى الآن. ومعها، فإن موسكو، التي تدرك حجم التباين في المواقف، كانت تتطلع إلى نتيجة أخرى للقاء القدس هي تحويل هذه الصيغة - اللقاء على مستوى مجالس الأمن القومي - إلى قناة حوار ثابتة ودائمة لمناقشة، ليس فقط الملف المتعلق بإيران، بل كل الملفات الإقليمية التي تهم الأطراف الثلاثة. وانطلاقاً من هذا الهدف، قد تذهب موسكو نحو الموافقة على عقد لقاء جديد، وإن كانت تثق بأن نتائجه أيضاً ستكون محدودة.
محللِّون روس يرون أن موسكو تتبع سياسة «منفتحة على الحوار»، لكنها ليست متسرعة في تقديم تنازلات عن مواقفها. ووفقاً لأحد الخبراء، فإنها قدمت للولايات المتحدة وإسرائيل نوعاً من «الإنذار الناعم». أما مطلب روسيا الرئيس من الولايات المتحدة وإسرائيل هو أن على الأميركيين والإسرائيليين في سوريا «تجنب استفزاز إيران». ووفقاً لهذا التحليل - الذي نشر في مادة مطولة أخيراً في إحدى الوكالات الروسية - فإن «موقف موسكو هو نتيجة العمل المشترك لروسيا وسوريا وإيران والعراق في إطار مركز بغداد للمعلومات العسكرية رباعي الأطراف، الذي أنشئ في عام 2015 فقط من أجل الحرب المنسّقة ضد الإرهاب الدولي. ووجهة النظر الروسية متفق عليها تماماً مع إيران وسوريا والعراق. وتشترك الصين منذ مايو (أيار) الماضي في التنسيق مع هذه المجموعة».
في السياق نفسه، كانت مصادر إعلامية قد أشارت، بالفعل، إلى أنه في 30 مايو الماضي، ناقش ممثلو الأجهزة الخاصة للعراق وروسيا وإيران وسوريا في اجتماعاتهم في بغداد الوضع الحالي، وتم خلال اللقاء وضع رؤية مشتركة للتحركات اللاحقة، وفي هذا الاجتماع برز حضور الصين للمرة الأولى. وفي حينه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي، «إن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، التي كانت واحدة من التحديات الدولية الرئيسية خلال الأشهر الأخيرة، تنطوي على جوانب ونتائج قد تتجاوز مستوى العلاقات الثنائية بين البلدين». وأعلن أن إيران تدين هذه السياسة الأميركية كمثال على «الإرهاب الاقتصادي». وبعد ذلك، مباشرة، أعلن مصدر عراقي أن الصين أعربت عن رغبتها في الانضمام إلى مركز بغداد للمعلومات العسكرية، ورأت فيه «خطوة مهمة نحو تعزيز الأمن الإقليمي».
على هذه الخلفية، يظهر أن موسكو نجحت حتى الآن، مستفيدة من سياسات واشنطن، في تعزيز محوّر ترى أوساط المحللين أنه سيكون له كلمة مسموعة في الوضع في الشرق الأوسط، وكذلك في القوقاز، وحتى في آسيا الوسطى وأفغانستان. وهو محور يعزّز مواقع موسكو التفاوضية أيضاً في النقاشات الجارية حول الوضع في سوريا وفي لبنان، وفي موضوع العلاقة مع إسرائيل.
«مواطنون روس» في إسرائيل
جاء الإعلان المتزامن في موسكو وتل أبيب عن زيارة سيقوم بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى منتجع سوتشي بجنوب روسيا، في غضون أيام، ليربط مباشرة عدة ملفات في سلة واحدة... ستكون مطروحة للنقاش خلال اللقاء مع الرئيس فلاديمير بوتين.
إذ يأمل نتنياهو، الذي يقوم تقليدياً بزيارة موسكو قبل كل استحقاق انتخابي، أن تمنحه المنصة الروسية أوراقاً لتعزيز فرصه التنافسية. وهذا لا يقتصر على فكرة حشد تأييد في أوساط الناطقين بالروسية في إسرائيل. وهؤلاء، بالمناسبة، يشكلون قاعدة انتخابية تزيد على مليون نسمة، ويرتبطون بعلاقات وثيقة مع موسكو لدرجة أن بوتين في أكثر من موقع كرّر التأكيد على أهمية العلاقة مع «مواطنينا في إسرائيل».
أما الأكثر أهمية من ذلك، فهو أن نتنياهو يأتي إلى روسيا حاملاً ملفات الوضع مع لبنان على خلفية الدور الروسي الأخير في احتواء المواجهة، مع ملف توسيع الهجمات الإسرائيلية على مواقع متهمة بالولاء لإيران، لتصل إلى أبعد من سوريا، في العراق. وكانت وسائل إعلام روسية حذرت أخيراً من أن إسرائيل لم تعد تهتم في الآونة الأخيرة، بإبلاغ الروس بإحداثيات ضرباتها، قبل موعد كافٍ، في مخالفة لتفاهمات سابقة في هذا الشأن.

تنسيق مواقف ومصالح مشتركة رغم الضربات الإسرائيلية
> مع أن أوساطاً في العاصمة الروسية موسكو رأت أن تحذيرات وسائل الإعلام الروسية الأخيرة لتل أبيب هدفها الرئيسي إظهار أن موسكو ليست راضية تماماً عن الضربات الإسرائيلية، أو على الأقل «ليست متواطئة» مع تل أبيب فيها، يركز محللون على أن أحد أهم أهداف زيارة بنيامين نتنياهو المقبلة لروسيا هو «تنسيق المواقف» في هذا الاتجاه.
وللتذكير، فإن نتنياهو كان في أعقاب كل زيارة سابقة لموسكو، يؤكد أنه أبلغ الجانب الروسي بأن الضربات الإسرائيلية على مواقع إيرانية ستتواصل، وقال في بعض الأحيان إنه حصل على ضوء أخضر من جانب روسيا لمواصلة هذه التحركات، في المقابل لم تعلق موسكو أبداً على هذه التصريحات.
تقارب اقتصادي وسياحي
الجديد قد يكون في أن هذه الزيارة تأتي على خلفية تقارب واسع على المستويات الاقتصادية ومجالات الاستثمارات تم تحقيقه بين موسكو وتل أبيب خلال الفترة الأخيرة. فتقليدياً، كانت إسرائيل تعد شريكاً مهماً لموسكو في المنطقة بحجم تبادل تجاري يزيد على 10 مليارات دولار أميركي، وهو رقم مهم جداً بالمقارنة مع حجم التعاون الروسي في المجال التجاري مع منطقة الشرق الأوسط. وفي الفترة الأخيرة تم توقيع عدة اتفاقات وصفت في موسكو بأن لها أهمية كبرى، بينها اتفاقات لتوسيع النشاط السياحي بين الطرفين، وزيادة حجم السياحة الروسية إلى إسرائيل التي تصل حالياً إلى نحو 400 ألف سائح.
ووفقاً لتقارير وسائل إعلام متخصصة في المجال السياحي، فإن الفترة الأخيرة شهدت تسارعاً في وتائر سيطرة الشركات الإسرائيلية على قطاع السياحة بين الطرفين، وسط حديث عن توظيف رساميل كبيرة لدعم هذا التوجه. لكن الأهم من ذلك أن مؤسسات إعلامية حكومية تابعة للكرملين، مثل وكالة أنباء «نوفوستي»، أفردت مساحات واسعة في الآونة الأخيرة للترويج السياحي في إسرائيل، بما في ذلك في القدس، بصفتها عاصمة لإسرائيل. ولقد تزامن ذلك، مع تزايد الإشارات حول توسيع التعاون في المجالات الصناعية والتقنية. كذلك، تغطيات إعلامية موسعة جرت على خلفية معرض «ماكس» لصناعات الطيران قبل أيام، عن «القفزة التكنولوجية التي حققتها روسيا في مجال الطائرات المسيرة بفضل إسرائيل». كان نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، أعلن خلال أعمال المعرض عن إطلاق الإنتاج المتسلسل للطائرات المسيرة الضاربة «الصياد»، من عام 2025. وذكرت المصادر الروسية أن ظهور خطط صناعة الطائرات المسيّرة في روسيا بدأ في عام 2010، بعدما أبرمت صناعة الطيران الإسرائيلية عقداً مع وزارة الدفاع الروسية (قيمته 400 مليون دولار أميركي) «لنقل بعض أهم تقنيات الطائرات المسيرة إلى روسيا». وترددت معطيات في ذلك الوقت أفادت بأن الصفقة تمت مقابل إعلان موسكو نيتها التراجع عن بيع منظومة «إس - 300» لإيران وسوريا. ومع أن موسكو سلمت لاحقاً النظام الصاروخي الروسي إلى كل من إيران وسوريا، فإن الأوساط الروسية قالت إن هذا لا يعني التخلي عن الالتزام بعدم إلحاق الأذى بمقاتلات الجيش الإسرائيلي.
«زواج مصلحة سرّي»
أيضاً، ذهبت موسكو وتل أبيب عام 2015 إلى إبرام صفقة عسكرية أخرى، في مجال صناعة الطيران، تلاها إعلان تل أبيب التراجع عن بيع مجموعة من طائراتها العسكرية المسيرة المتقدمة إلى أوكرانيا. وهكذا تبدو درجة ارتباط العقود والصفقات الكبرى التي تجريها موسكو مع تل أبيب بالمتغيرات السياسية حول الطرفين، وبشكل يقوم على تفاهم أساسي غير معلن، بأن كل طرف لن يعمل على تهديد مصالح وأمن الطرف الآخر، بل على العكس من ذلك، سيعمل على تعزيز جهود الطرف الآخر في الملفات الأمنية الأساسية. ووفقاً لتحليل كاتب روسي «استفادت إسرائيل إلى أقصى حد من الحرب الأهلية في سوريا لتوطيد سيادتها على مرتفعات الجولان، التي يبدو أن سوريا خسرتها إلى الأبد. ومن ناحية أخرى، ساهمت روسيا، في ذلك، بتجاهلها حرب إسرائيل الجوية ضد إيران و(حزب الله)». ووفقاً للباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أولريك فرانك، الخبير في مجال الطائرات العسكرية المسيّرة، فإن روسيا وإسرائيل عقدتا «زواج مصلحة سرياً»، وأنهما تتصرفان بحزم وفقاً للقاعدة الأساسية التي تضع المصالح المشتركة فوق كل اعتبارات تحالفية أخرى.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.