برامج التدريب الأميركية... بعضها فاشل وأخرى قد تعيد صياغة الحياة

توفر فرصاً للمحرومين وطرقاً غير تقليدية للتوظيف

جانب من برنامج التدريب «بروجكت كويست» الناجح في ولاية تكساس الأميركية (نيويورك تايمز)
جانب من برنامج التدريب «بروجكت كويست» الناجح في ولاية تكساس الأميركية (نيويورك تايمز)
TT

برامج التدريب الأميركية... بعضها فاشل وأخرى قد تعيد صياغة الحياة

جانب من برنامج التدريب «بروجكت كويست» الناجح في ولاية تكساس الأميركية (نيويورك تايمز)
جانب من برنامج التدريب «بروجكت كويست» الناجح في ولاية تكساس الأميركية (نيويورك تايمز)

لم تكن الصعوبات الاقتصادية التي واجهت أفيجيل رودريغيز قبل بضعة أعوام لتكون أسوأ مما هي عليه. فهي أمّ منفردة، ومهاجرة غير شرعية، وكانت تعيش في شقة ضيقة في حي متواضع في مدينة سان أنطونيو بجنوب ولاية تكساس الأميركية، وتتقاضى 9 دولارات فقط في الساعة عن عملها ممرضة في أحد المستشفيات.
لكن اليوم، باتت رودريغيز (26 عاماً)، تملك شقتها الخاصة الصغيرة في حي أكثر أماناً، وتربح 3 أضعاف ما كانت تتحصل عليه من قبل، بل وتمكنت من تسوية وضعيتها القانونية في البلاد. وكان مفتاح التحول الكبير في حياتها أحد البرامج التدريبية المعروف باسم «بروجكت كويست»، الذي ساعد رودريغيز في التغلب على كثير من صعوبات حياتها السابقة.
وحقق برنامج «بروجكت كويست» النجاح في المجالات التي عانت برامج أخرى مماثلة فيها من الفشل، حيث يعتني البرنامج بالعمال من ذوي المهارات المتواضعة ويعيد ترتيب حياتهم المهنية بطريقة تساعدهم في الحصول على الوظائف التي تدر عليهم دخولاً أكثر بمرتين أو 3 ما كانوا يحصلون عليه من قبل.
يقول لورانس كاتز، الخبير الاقتصادي العمالي لدى جامعة هارفارد: «يمنح هذا الأمر لأرباب الأعمال الفرصة الحقيقية للعثور على العمال والموظفين الذين لم يكونوا يفكرون في توظيفهم من قبل. وفي الوقت نفسه، يوفر فرصاً جيدة لمجموعة من العمال المحرومين من الفرص الوظيفية المعقولة من الشرائح العمرية الأكبر أو الأصغر».
ولا يبدو برنامج «بروجكت كويست» من البرامج الهينة للوهلة الأولى، فهو ينفق نحو 11000 دولار لكل متدرب، ويوفر التدريب المكثف والمساعدات المالية.
ويلفت سجل برنامج «بروجكت كويست» الانتباه إلى ما هو أبعد من مدينة سان أنطونيو. ففي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حصل البرنامج على منحة بقيمة مليون دولار من مؤسسة روكفللر، ومن مبادرة تشان زوكربيرغ. وحتى في ظل التمويل الفيدرالي غير الآمن لبرنامج «بروجكت كويست»، أظهرت دراسة نشرت في أبريل (نيسان) الماضي أنه بالمقارنة مع الأقران الذين لم يستكملوا البرنامج حتى نهايته، حاز خريجو البرنامج على مكاسب تمتد لـ10 سنوات في المستقبل.
تأتي هذه التطورات عندما تكون الحاجة أكثر إلحاحاً من حيث مواكبة التقنيات سريعة التغير في بيئات العمل المختلفة. وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلنت شركة أمازون اعتزامها إعادة تدريب نحو ثلث القوى العاملة الأميركية لديها، أو ما يقرب من 100 ألف موظف بحلول عام 2025. وفي ظل سوق العمل الضيقة للغاية، يجد كثير من أرباب الأعمال صعوبة في تحديد واختيار العمال الذين يملكون المهارات اللازمة في العمل.
ورغم حسن النوايا الواضح، كانت نتائج أغلب برامج التدريب محدودة وغير مشجعة على الاستمرار، وفق البروفسور بول أوسترمان أستاذ الإدارة لدى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مع أن برنامج «بروجكت كويست» يعتبر من الاستثناءات المعتبرة.
وقال البروفسور أوسترمان: «إن كانت لديك قائمة بكل الجهود التي تزعم أنها برامج للتدريب الوظيفي وسحب رهانات عليها، فلن تخرج بنتائج مثل التي حققها برنامج (بروجكت كويست). فهو برنامج قابل للتطوير، وليس هناك من سبب لئلا تعتمد كل مدينة وبلدة في الولايات المتحدة برنامجاً مماثلاً بصورة من الصور».
وتعتبر البيانات الصادرة في أبريل (نيسان) الماضي من أفضل الأدلة حتى الآن على كيفية تفوق برنامج مدينة سان أنطونيو على نظرائه. وفي تجربة استمرت لمدة 9 سنوات قورن فيها بين مجموعة من الأشخاص الذين شاركوا في برنامج «بروجكت كويست» لقاء مجموعة أخرى من الذين لم يشاركوا فيه، وانتهى الأمر بخريجي برنامج «بروجكت كويست» بالحصول على 5 آلاف دولار من الدخل السنوي المضاف. ولقد كان هذا مهماً بصفة خاصة لا سيما أن مكاسب الأرباح الناتجة عن برامج التدريب الوظيفي سرعان ما تتلاشى قيمتها بمرور الوقت.
يقول مارك إليوت، رئيس شركة «إيكونوميك موبيليتي كورب» البحثية غير الربحية التي أشرفت على إجراء الدراسة المذكورة: «كانت النتائج مبهرة. وعكست واحدة من أكبر تأثيرات الأرباح المستمرة المسجلة التي وقفنا عليها في أي برنامج من برامج تطوير القوى العاملة».
برغم أن برنامج «بروجكت كويست» من البرامج غير النموذجية على الصعيد الوطني في البلاد، كذلك كانت الولايات المتحدة نفسها ضمن زمرة البلدان الغربية. وكانت الدول الأخرى قد حققت نتائج معتبرة في مجال برامج التدريب الوظيفية، على نحو ما قال أنتوني كارنيفال مدير مركز جورج تاون للتعليم والقوى العاملة.
وقال كارنيفال إن كندا تملك نظاماً جامعياً قوياً لمدة عامين، وهم ينفقون أقل بكثير مما تنفقه الولايات المتحدة على التعليم والتدريب فيما بعد المرحلة الثانوية ويحققون نتائج أفضل مما نحققه.
وفي أوروبا، هناك مسارات منفصلة لبرامج التدريب المهني في المدارس الثانوية، غير أن الأميركيين لا يساورهم الارتياح لإدراج الطلاب في مثل هذه البرامج في أعمار مبكرة.
واستطرد كارنيفال: «يمكنك الذهاب إلى أوروبا، ومشاهدة برامج التدريب المهنية الممتازة، ثم تعود إلى الولايات المتحدة وتعلن أنك عثرت على الإجابات الشافية. لكن بعد مرور 20 عاماً، سوف تجد أنك لا تزال تصدم رأسك في الجدار بلا جدوى».
بدأ برنامج «بروجكت كويست» قبل 27 عاماً في حي من سكان لاتينيين في مدينة سان أنطونيو، حيث ترتفع معدلات الفقر متجاوزة بقية الأحياء في كل أرجاء المدينة. وبعد إغلاق مصنع ليفي شتراوس في الحي، تعاونت الجمعيات الأهلية هناك على إنشاء برنامج «بروجكت كويست» كوسيلة من وسائل إعداد العمال مهنياً بغية الحصول على رواتب أفضل، والتقدم لوظائف أكثر مهارة، وأقل عرضة للتقلبات الاقتصادية مع استمرار الطلب المحلي عليها.
ورغم أن مبدأ «العودة إلى الدراسة» هو الهدف الرئيسي من البرنامج، فإن برنامج «بروجكت كويست» لا يستهدف بالأساس خريجي المدارس الثانوية الجدد. حيث إن متوسط عمر المشاركين في البرنامج يدور حول 30 عاماً. وثلثا المشاركين فيه من النساء وأكثر من 60 في المائة من ذوي الأصول اللاتينية. والبعض يعلم عن برنامج «بروجكت كويست» من معارض التوظيف المختلفة، أو الفعاليات الاجتماعية، أو من الموظفين في أماكن العمل، أو من هيئات الإسكان العامة، أو من الجامعات الأهلية.
يقول ديفيد زاميليو، رئيس برنامج «بروجكت كويست»: «هؤلاء ليسوا أطفالاً يتركون الدراسة النظامية ويأتون إلينا يبحثون عن فرصة عمل. بل إنهم أناس يبحثون بكل جدية عن فرصة ثانية في حياتهم المهنية».
ولا يقوم برنامج «بروجكت كويست» بإجراء المهام التدريبية بنفسه، بدلاً من ذلك، فإنه يُدرج ما بين 300 و400 طالب سنوياً ضمن كليات المجتمع المحلي والمدارس والكليات الأخرى التي يمكن للمشاركين فيها الحصول على الدرجات العلمية في مجالات شتى مثل الرعاية الصحية، والتمريض، وتكنولوجيا المعلومات، وغيرها من المجالات الأخرى التي يرتفع فيها الطلب سواء بسواء مع الرواتب، غير أن المرشحين المؤهلين لشغل الوظائف قليلون للغاية.
خلال الصيف الحالي، شرف البرنامج بتنفيذ مشروع ريادي لتدريب عمالة تركيب الأسقف في غضون 3 أسابيع فقط، ما يضمن الحصول على وظائف تدفع لهم 15 دولاراً في الساعة، بالإضافة إلى مزايا أخرى. ومع ذلك، فإن السواد الأعظم من طلاب برنامج «بروجكت كويست» - أو ما يقرب من 70 في المائة منهم - يعملون في مجال الرعاية الصحية.
يشكل المال جزءاً من المعادلة، ولكن لا يحتويها بأكملها. ويوفر برنامج «بروجكت كويست» نصف تكاليف التعليم كما يساعد في نفقات الإيجار والمرافق عند الضرورة. وما يقرب من نصف المشاركين في البرامج هم من أولياء الأمور الذين يعولون أطفالاً، وبالتالي فهناك مساعدات مالية لرعاية الأطفال. ولكن هناك جزءاً ملتفاً من البرنامج يعتبره المشاركون على القدر نفسه من الأهمية، حيث إنه مطلوب من المشاركين في البرنامج ضرورة حضور جلسات «الرؤية، والمبادرة، والمثابرة» الأسبوعية مع مدربي البرنامج، حيث يقدمون تقارير التقدم المرحلية بشأن الفصول الدراسية، ويتناولون السلبيات والإيجابيات التي يتعرضون لها على مسار الدراسة والتدريب. وهناك دروس أخرى تتعلق بموضوعات مثل إدارة الوقت، وإسداء المشورة بشأن المناهج الدراسية والفصول على مستوى الكليات.
يقول البروفسور أوسترمان: «لا يتعلق الأمر بمجرد تدريب الناس، بل إنه يوفر الدعم الحقيقي للأشخاص المشاركين».
وتوفر جلسات «الرؤية، والمبادرة، والمثابرة» الأسبوعية الفرصة للطلاب المتعثرين في الحصول على الدعم من الرفاق والمدربين. ويقضي المتدرب العادي فترة العام ونصف العام في البرنامج، ومع اقتراب ميعاد التخرج، يعقدون بروفات للمقابلات الوظيفية، ويتعلمون كيفية إعداد السيرة الذاتية المهنية، وكيفية تقديم أنفسهم لأرباب الأعمال.
تقول رودريغيز، التي جاءت إلى الولايات المتحدة رفقة والديها وهي في الرابعة من عمرها وصارت مواطنة أميركية في عام 2017: «كان البرنامج ضرورياً للغاية، لقد استكملت والدتي الصف الثالث في المكسيك ولم تتمكن من الإشراف على تعليمي».
وتتقاضى رودريغيز، بعد حصولها على درجة جامعية متوسطة في التمريض، 24 دولاراً في الساعة الآن من عملها ممرضة في غرفة الطوارئ بالمستشفى، وهي تعتزم استكمال دراستها الجامعية في المجال نفسه اعتباراً من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
كانت الاجتماعات الأسبوعية في البرنامج ذات أهمية فائقة لرودريغيز، ولكن هناك جوانب أخرى تشكل فارقاً كبيراً في برنامج «بروجكت كويست». ينظم المدربون المهنيون دروساً خصوصية في الرياضيات واللغة الإنجليزية، وهي المواد التي قد تشكل عائقاً كبيراً أمام الطلاب العائدين لاستكمال الدراسة.
هناك بعض المشاكل الصغيرة العابرة التي قد تحدث لبعض الأشخاص الأثرياء، مثل تعطل السيارة، من شأنها أن تمنع الطلاب المعوزين من الذهاب إلى المدرسة ومواكبة المناهج الدراسية. وفي مثل هذه الحالات، يوفر البرنامج مساعدات الانتقال مثل تذاكر الحافلات المجانية بالنسبة للطلاب المحتاجين.
ويجري تشجيع الطلاب بالعيش ضمن ميزانية مالية محدودة عن طريق النصيحة بتناول الطعام في المنزل بدلاً من الخروج لتناوله في مطاعم الوجبات السريعة، وكذلك قضاء العطلات الأسبوعية في إعداد طعام الأسبوع بالكامل.
تقول ليلاني ميركادو، نائبة مدير برنامج «بروجكت كويست»: «يستمر التدريب حتى بعد انتهاء الطلاب من الدراسة في البرنامج ويزاولون مهام وظائفهم الجديدة. إننا حينئذ نتحول إلى ما يشبه الوالد البديل بالنسبة لهم، إن صح التعبير، ولن نتركهم يفشلون أبداً».
ويقول رون نيرنبريغ، عمدة مدينة سان أنطونيو، إن نقاد البرنامج يتساءلون عن جدوى إنفاق 11 ألف دولار على المتدرب الواحد، مضيفاً: «تسفر كثافة الجهود المبذولة لكل طالب عن تغييرات كبيرة وربما مستديمة في حياتهم تساعد في كسر دورات الفقر المدقع التي يعيشون فيها. وما لم نحصل على هذا المستوى من الالتزام، فإن المدن سوف تضطر لسداد أموال كبرى على المشكلة الرئيسية من دون تحقيق نتائج ملموسة».
ويقول ديفيد زاميليو، رئيس البرنامج، إنه رغم أدلة النجاح والتقدم فإن الحصول على التمويل اللازم للاستمرار ليس سهلاً ولا يمكن التنبؤ به.
ويحصل البرنامج على مليوني أو مليوني ونصف المليون دولار سنوياً فيما يطلق عليه زاميليو «التمويل التأسيسي» للبرنامج من ميزانية مدينة سان أنطونيو. وتشكل المنح والتبرعات بقية ميزانية البرنامج السنوية البالغة 5 ملايين دولار، وكانت محاولات تأمين المبلغ بالكامل من العمليات التي لا تنتهي ولا تتوقف أبداً.
ويستطرد زاميليو: «يشكل مطلع كل عام دورة جديدة من دورات عدم اليقين. ولم نتمكن من وضع خريطة العمل الكاملة لعام 2020 حتى الآن. ونحاول تحديد مسارات العمل وإدارة برامج التدريب في الوقت نفسه».
وتوقف منحة وزارة العمل الأميركية للبرنامج يعني أن يقل عدد المستفيدين من البرنامج بواقع 20 في المائة في عام 2019 الحالي، مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في عام 2017. وبقدر اهتمام زاميليو بالأمر، فإن التمويل الأفضل للبرنامج سوف يسمح له بتوسيع نطاق العمل والتأثير في المجتمع المحيط. ومع مضاعفة التمويل الذي يحصل عليه البرنامج، يمكن إدراج 700 شخص سنوياً في البرنامج بدلاً من الـ350 شخصاً الحاليين.
ويقول الدكتور تود تيمز، رئيس مجلس إدارة البرنامج: «يشعر الناس أننا ندفع أموالاً كثيرة عن المتدرب الواحد، وهذا هو السبب في نجاح البرنامج - في مجالات رعاية الأطفال، والتوجيه، والنقل، والتعليم، وتذاكر الحافلات. وتلك هي الحواجز التي تمنع الناس من إكمال برامج التدريب بنجاح وإيجاد فرص عمل ذات مغزى».
- خدمة «نيويورك تايمز»



باول: توقعات التضخم «مستقرة» رغم صدمة الطاقة

باول يلقي كلمة أمام الطلاب في جامعة هارفارد (أ.ب)
باول يلقي كلمة أمام الطلاب في جامعة هارفارد (أ.ب)
TT

باول: توقعات التضخم «مستقرة» رغم صدمة الطاقة

باول يلقي كلمة أمام الطلاب في جامعة هارفارد (أ.ب)
باول يلقي كلمة أمام الطلاب في جامعة هارفارد (أ.ب)

قال رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، يوم الاثنين، إن توقعات التضخم على المدى الطويل تبدو «مستقرة وراسخة» حتى الآن، رغم صدمة الطاقة الراهنة التي تضرب الأسواق العالمية. وأكد أن البنك المركزي لا يحتاج بعد إلى اتخاذ قرار نهائي بشأن كيفية الرد على الاضطرابات الأخيرة.

وخلال كلمته في جامعة هارفارد، قال باول: «يبدو أن توقعات التضخم راسخة بشكل جيد فيما يتجاوز المدى القصير».

وأشار إلى أنه فيما يخص صدمة الطاقة المرتبطة بالصراع مع إيران، فإن التداعيات الاقتصادية الدقيقة لا تزال غير واضحة، لكنه شدد على أن «الاحتياطي الفيدرالي» سيكون «يقظاً للغاية» لكيفية تأثير ذلك على ضغوط الأسعار، خاصة بعد بقاء التضخم فوق مستهدفه البالغ 2 في المائة لفترة طويلة.

تأتي تصريحات باول لتعكس حالة من الترقب والحذر؛ حيث يفضل البنك المركزي مراقبة البيانات الواردة بدلاً من التسرع في اتخاذ إجراءات نقدية جديدة، بانتظار اتضاح الرؤية حول مدى استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيره على المسار العام للتضخم والنمو الاقتصادي.


وزراء «السبع» يتعهدون باتخاذ «تدابير ضرورية» لضمان استقرار أسواق الطاقة

رجل يملأ سيارته بالبنزين في محطة وقود بلندن (أ.ب)
رجل يملأ سيارته بالبنزين في محطة وقود بلندن (أ.ب)
TT

وزراء «السبع» يتعهدون باتخاذ «تدابير ضرورية» لضمان استقرار أسواق الطاقة

رجل يملأ سيارته بالبنزين في محطة وقود بلندن (أ.ب)
رجل يملأ سيارته بالبنزين في محطة وقود بلندن (أ.ب)

أعلن وزراء طاقة ومالية دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية الالتزام الكامل باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية وأمنها، محذرين من التداعيات الاقتصادية المتزايدة الناجمة عن التوترات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

في بيان مشترك صدر عقب اجتماع افتراضي ضم وزراء الطاقة والمالية، ومحافظي البنوك المركزية، دعت المجموعة جميع الدول إلى الامتناع عن فرض أي قيود تصدير «غير مبررة» على المحروقات والمنتجات المرتبطة بها. وأكد البيان استعداد المجموعة للتحرك الوثيق مع الشركاء الدوليين لمواجهة أي اضطرابات قد تمس أمن الإمدادات.

وتضم المجموعة كلاً من: كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

قبيل الاجتماع، صرّح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات، خصوصاً ما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

تحذيرات يابانية من «آثار وخيمة»

من جانبها، أعربت وزيرة المالية اليابانية، ساتسكي كاتاياما، عن قلق بلادها البالغ إزاء الوضع الراهن، مشيرة إلى أن اليابان تراقب تحركات السوق «بحس عالٍ من المسؤولية والاستعجال». وأوضحت كاتاياما أن التذبذبات الحادة في عقود النفط الآجلة بدأت تؤثر بشكل مباشر على تحركات العملات، مما ينعكس سلباً وبآثار «وخيمة» على معيشة المواطنين والنمو الاقتصادي.

وقالت الوزيرة في تصريحات صحافية: «تزايدت احتمالات تأثير ارتفاع أسعار النفط ومخاوف نقص الإمدادات على الأسواق العالمية. لقد اتفقنا كدول مجموعة السبع على أنه لا يمكننا السماح باستمرار هذا الوضع الناتج عن الصراع في الشرق الأوسط».

السياسة النقدية واستقرار الأسعار

وعلى الصعيد المالي، أكد محافظو البنوك المركزية في دول المجموعة التزامهم الراسخ بالحفاظ على استقرار الأسعار. وشدد البيان على أن السياسة النقدية ستظل «مرتبطة بالبيانات»، مع استمرار التنسيق وتبادل المعلومات داخل المجموعة لمراقبة أي تطورات مستقبلية قد تستدعي عقد اجتماعات طارئة.

وأكد البيان بقاء المجموعة في حالة تأهب قصوى للاستجابة لأي مستجدات تضمن حماية الاقتصاد العالمي من صدمات الطاقة.


ماذا تفعل دول مجموعة السبع للحد من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة؟

تظهر الأسعار على لوحة بمحطة وقود في لندن (أ.ب)
تظهر الأسعار على لوحة بمحطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

ماذا تفعل دول مجموعة السبع للحد من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة؟

تظهر الأسعار على لوحة بمحطة وقود في لندن (أ.ب)
تظهر الأسعار على لوحة بمحطة وقود في لندن (أ.ب)

ارتفعت أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم بشكل حاد بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز رداً على الهجمات الأميركية - الإسرائيلية؛ ما دفع الكثير من حكومات مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي إلى البحث عن سبل لتخفيف الأثر على اقتصاداتها.

وعقد وزراء المالية والطاقة في مجموعة السبع - الولايات المتحدة، وكندا، واليابان، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا وإيطاليا - مؤتمراً عبر الهاتف، الاثنين، لتنسيق الإجراءات. ويجتمع وزراء الطاقة في الاتحاد الأوروبي لمناقشة هذه القضية، الثلاثاء.

تواجه الحكومات خيارات صعبة؛ لأن ارتفاع تكاليف الطاقة يؤدي إلى زيادة التضخم وإبطاء النمو، لكن استخدام المالية العامة للحد من هذه التكاليف يُرهق الميزانيات ويُشوه إشارات أسعار السوق التي من شأنها أن تؤدي عادةً إلى انخفاض الطلب.

إجراءات وقرارات

فيما يلي بعض الإجراءات المعلنة التي تشمل دول مجموعة السبع:

  • عالمياً: وافقت وكالة الطاقة الدولية على الإفراج عن كمية قياسية من النفط تبلغ 400 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية. وأعلنت الوكالة أن جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة أيَّدت هذه الخطوة، وهي سادس عملية إطلاق منسقة للمخزون منذ إنشاء الوكالة في سبعينات القرن الماضي.

تضطلع الولايات المتحدة بدور ريادي من خلال المساهمة بـ172 مليون برميل، في حين ستطلق كندا 23.6 مليون برميل.

  • ألمانيا: قررت برلين عدم دعم الأسعار، بل الحد من تقلباتها بالسماح لمحطات الوقود برفع الأسعار مرة واحدة فقط يومياً عند الظهر (11:00 بتوقيت غرينتش). يمكنها خفض الأسعار في أي وقت. ويمكن معاقبة المخالفين بغرامات تصل إلى 100 ألف يورو (108 آلاف دولار).
  • فرنسا: اختارت الحكومة الفرنسية تدابير دعم موجهة بدقة إلى القطاعات الأكثر احتياجاً، في تناقض صارخ مع سقوف أسعار الطاقة الشاملة التي أرهقت المالية العامة بشدة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. أعلنت الحكومة عن تقديم دعم مالي للوقود يزيد على 70 مليون يورو لقطاعات النقل والزراعة وصيد الأسماك لشهر أبريل (نيسان)، بالإضافة إلى منحة قدرها 150 يورو لـ3.8 مليون أسرة منخفضة الدخل للمساعدة في سداد فواتير الطاقة.
  • المملكة المتحدة: تتمتع معظم الأسر البريطانية بحماية حتى شهر يوليو (تموز) من التأثير المباشر لارتفاع أسعار الغاز على تكاليف التدفئة والكهرباء؛ وذلك بفضل التعريفات المنظمة، على الرغم من أن الحكومة أطلقت حزمة دعم بقيمة 53 مليون جنيه إسترليني (70 مليون دولار) للمنازل التي تستخدم زيت التدفئة. وأشارت وزيرة المالية، راشيل ريفز، إلى أن الدعم الموجه قيد الدراسة بدلاً من اتخاذ تدابير شاملة لرفع تكاليف المعيشة للأسر.

وقال رئيس الوزراء، كير ستارمر، إن الحكومة تدرس توسيع صلاحيات هيئة تنظيم المنافسة لمكافحة التلاعب بالأسعار والاستغلال في أعقاب الارتفاع الكبير في أسعار النفط والوقود.

  • إيطاليا: خصصت الحكومة الإيطالية نحو 417.4 مليون يورو (480.34 مليون دولار) لخفض الضرائب على البنزين والديزل حتى 7 أبريل، إلا أن الأسعار لم تشهد تغيراً يُذكر، وتضغط جماعات الضغط في قطاع الصناعة لاتخاذ خطوات أكثر فاعلية.
  • اليابان: تستخدم الحكومة اليابانية 800 مليار ين (5.01 مليار دولار) من احتياطياتها لتمويل الدعم الحكومي في محاولة للحفاظ على أسعار البنزين عند نحو 170 يناً للتر الواحد في المتوسط. ومن المرجح أن تصل تكلفة هذا الإجراء إلى 300 مليار ين شهرياً.

وقالت وزيرة المالية اليابانية، ساتسوكي كاتاياما، إن الحكومة مستعدة لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة «على جميع الجبهات»، لكنها لم تُعلّق بشكل مباشر على احتمال تدخل اليابان في سوق العقود الآجلة للنفط الخام.