إذا ما كان فيلم «الله يبارك فرنسا» هو لفتة جديدة حول العلاقة بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية في فرنسا، فإن الرسالة وصلت واضحة إنما من دون توقيع مبهر.
الفيلم من إخراج مغني الراب عبد المالك وهو من بين ما شوهد في مهرجان تورونتو الأخير، وهو الأول لمخرجه. وفي مهرجان لا جوائز رسمية له كان لافتا أنه حظي بثقة «اتحاد نقاد السينما الدوليين» التي منحته جائزة «الاكتشاف» هناك.
إنه عن الشباب الفرنسي خريج أزقّة الأحياء الفقيرة. الأحداث تقع في مدينة ستراسبورغ، لكنها قد تكون في أي مدينة فرنسية، أو حتى أوروبية أخرى، تعج بالجاليات المهاجرة أو بأبناء المهاجرين الحاصلين على مساكن حكومية تمنحهم السقف لكنها لا تمنحهم الأمان ولا حسن المعيشة.
هناك ذلك الشاب الفرنسي ريغيه (مارك زينغا) الذي يبرهن على أنه طالب نجيب في دراسته، لكن وجهه الآخر ليس بالطيبة ذاتها، فهو نشّال يعمل مع رفاق له لكي يؤمن موارده، وحين لا يعد ذلك كافيا يبدأ بتجارة المخدّرات. هذا قبل أن يجذبه الإسلام فيعتنقه ليكتشف موقعا جديدا ومسؤولية مختلفة.
لكن، وتبعا، للفيلم فإن ما يكتشفه ليس كله حسن. المسلمون عنصريون كما أترابهم المسيحيين وعبد المالك الذي اقتبس الفيلم عن كتاب سيرته المنشور قبل عامين أو نحوهما يحاول الموازاة بين الاتجاهين وجعلهما يصبّان في المصدر ذاته: الوضع المعيشي الصعب للشبيبة وذويهم من كلا الطرفين.
الأفلام الأجنبية التي تتناول الإسلام، بدافع مما يشهده العالم من أحداث وما يعايشه من مواقف متطرّفة، تكاثرت في السنوات الأخيرة. أفلام كثيرة، بعضها يعرض في مهرجانات صغيرة لا نحضرها، وبعضها الآخر في مهرجانات كبرى، وكلها تتمحور حول ما يحدث. لا أحد يريد أن يضع نفسه حاكما (حتى الآن) لكن الرغبة هي إما السعي للفهم الكامل وإما للدفاع عن النفس الأوروبية ضد ما يبدو أنه يُحاك ضدّها أو ضد ما يمثّله الإسلام من مواقف نقيضة، وإما هي من مخرجين مسلمين معارضين لما يدور ويحاولون ممارسة الوقوف في الوسط بين التيارات. «الله يبارك فرنسا» هو أحد هذه الأفلام الأخيرة.
لكن «هابي، الأجنبية»، مثلا، هو من الفريق الأول. إنه إنتاج أرجنتيني برازيلي مشترك جرى إنجازه في العام الماضي وقامت بإخراجه ماريا فلورنسيا ألفاريز وبطلته فتاة مسيحية شابّة وجميلة اسمها أناليا وهي وصلت إلى بيونس آيرس لتبيع حاجيات يدوية حاكتها والدتها في البلدة الصغيرة. تحط أناليا (تقوم بأدائها مارتينا جونكاديللا) في فندق صغير يقع في حي سكاني مختلط وهناك تتعرف على مسلمين وهي التي لم تلتق سابقا بأي منهم. يثير الإسلام فضولها. تريد أن تعرف أكثر عن هذا الدين الذي تشعر بأنه ثقافة مختلفة جذريا عن ثقافتها. تدخل مركزا تعليميا وتشاهد صورة لفتاة صغيرة مفقودة اسمها حبيبة رأفت فتقرر أن تستخدم هذا الاسم. ترحّب بها الفتيات ويمنحنها غطاء رأس وتبدأ بمتابعة دروس في القرآن الكريم والاشتراك في الصلاة.
تستخدم المخرجة بطلتها لسبر غور مجتمع قد يبدو غريبا للبعض، لكنه طبيعي في وجدانه وغير متكلف. طبعا هناك مشكلة عاطفية لاحقة عندما ينكر مسلم حبّه لهذه الفتاة حالما يعلم أنها غير مسلمة (واجهته هي بالحقيقة)، لكن الفيلم لا ينتقد ولو أنه لا يوافق أيضا. وهو يعرض مقارنة بين الثقافتين ففي حين أن المسلمات سعيدات وراضيات نجد مثيلاتهن الأرجنتينيات غارقات في المتاعب أو مثل أناليا نفسها وحيدات. المرأة التي تقطن في الغرفة الملاصقة لغرفة أناليا تعامل بالضرب من قبل صديقها. مديرة الفندق مادية جشعة والعالم المحيط في شقّه اللاتيني مظلم والإنسان فيه تائه. ذات مرّة تخلع أناليا الحجاب وتدخل مرقصا لكنها ليست سعيدة. ما عادت تلك الحياة تثيرها. وحالها ليس كما عهدته سابقا. إنه هنا احتاجت لأن تسمع من حسن كلمة حب. لكن حسن، بعدما اكتشف حقيقة أنها ليست مسلمة صرفها.. وها هي تعود إلى بلدتها الصغيرة في نهاية المطاف.
في المقابل، ولمن لم يلحظ بعد، هناك انحسار في عدد الأفلام الهوليوودية المستعدة للنيل من المسلمين أو تصويرهم على نحو نمطي. لا نتحدث هنا عن الأفلام المتوجهة تلقائيا إلى سوق أسطوانات الأفلام، فهذه صعب حصرها، بل عن الأفلام التي تنتجها استوديوهات رئيسة مثل كولمبيا وباراماونت ويونفيرسال وسواها.
إنه كما لو أن الإدراك بأن هذه الأفلام هي جزء من المشكلة وليست جوابا عنها، وأن الأفلام التي تصوّر المسلمين والعرب كإرهابيين تمادت في فترة ما قبل كارثة نيويورك 2001 فصار لزاما تحجيمها، أو أن ما كان يعرض على الشاشات من دون ردود فعل كثيرة (باستثناء ردود فعلنا المحصورة في هذا الجزء من العالم) لم يعد ممكنا عرضه على هذا النحو من دون مخاطر جمّة.
للمقارنة فقط، أنجزت هوليوود في السبعينات 15 فيلما رئيسا حمل على الإسلام والعرب (لا يفرّق بالضرورة بين الشأنين) من بينها «يوم الأحد الأسود» لجون فرانكنهايمر (1977) حول غارة إرهابية يشنّها عرب وألمان على ميدان رياضي أميركي مكتظ لكن المخابرات الإسرائيلية تكشف وتساعد تلك الأميركية على التصدّي. قبله بعام قام المخرج سيدني لوميت بتحقيق «نتوورك» الذي يحذّر فيه من قيام سعوديين بشراء أكبر المحطات التلفزيونية الأميركية وتوظيفها لأهداف سياسية!. ومن هذه الأفلام أيضا «أشانتي» لرتشارد فلايشر (1979) الذي كال للعرب فإذا هم تجار رقيق خشنون وليسوا أهل ثقة يعاملون الغربيين معاملة غير إنسانية وهم على حق وما عداهم دوما على باطل.
النسبة ذاتها سادت في العقود السابقة أو زادت. والأسباب لا يمكن أن تكون مفهومة بالكامل أو أنها تصلح لأن تخرج من نطاق نظرية الكره للآخر ومعاملته على نحو عنصري تماما كما كان حال سينمات كثيرة مع الأقليات في كل مكان.
في عام 1918 على سبيل المثال، قامت شركة أميركية صغيرة اسمها «ناشنال فيلم كوربوراشن أوف أميركا» بإنتاج أول فيلم من بطولة الشخصية المشهورة طرزان تحت عنوان «طرزان والقرد». كان المؤلف إدغار رايس بوروز وضع الحكاية الأولى قبل ذلك التاريخ بسنوات قليلة، والشركة استحوذت الفكرة وأطلقتها وحقق لها الفيلم أرباحا فورية دفعها لإنتاج فيلم آخر قبل أن تدخل شركة أكبر حجما (مترو غولدوين ماير) الحقل وتشتري حقوق كل ما لدى المؤلف من روايات طرزانية.
هنا ما يستدعي الانتباه: يتمسّك الفيلم (الذي أخرجه سينمائي روتيني اسمه سكوت سيدني) بأحداث القصّة على نحو أمين تماما. إذ تقرأ الرواية الأصلية سوف لن تلحظ أي اختلاف جوهري: والدا طرزان ركبا السفينة من بريطانيا صوب المستعمرات البريطانية في أفريقيا للتحقيق في شكوى المواطنين من سوء المعاملة. تمرّد على ظهر السفينة يدفعهما للهرب بحاجياتهما. يجدان نفسيهما في الأدغال ويبنيان كوخا. تلد الزوجة طفلا ثم تموت وهو لا يزال رضيعا. تخطف قردة الطفل وترعاه بينما يموت الأب وقد أضاع حبّيه. الفيلم، كالقصّة، يمضي ثلثه الأول في حكاية حول الأب وليس حول طرزان.
الاختلاف الوحيد هو أن الفيلم حشر العرب في ثلاثة مشاهد كلها عنيفة ودموية. ليس مذكورا في نسخة عام 1912 وجود عرب. لكن الفيلم ابتدعهم وأساء إليهم، فإذا هم تجار رقيق يكبّلون الأفارقة ويقودونهم بعيدا عن قراهم تحت لذعات الأسواط والتعذيب. ثم هم في المشهدين الآخرين عنيفون شرسون وقتلة. لا بد أن يكون هناك سبب ما لا علاقة له بالحقيقة. كذلك الحال مع كل تاريخ العلاقة بين الطرفين.
هذا لا يعني أن السينما الغربية وقفت دوما على نحو معاد لما هو إسلامي وعربي. سلسلة أفلام «السندباد» التي أنتجتها هوليوود وبريطانيا في الستينات والسبعينات قدّمت بطلا فذّا. ومن قبل في «لص بغداد» لراوول وولش (1924) فإن العنوان وحده مجحف، أما المضمون فهو بطولي ناصع. وفي مقابل «روزبَد» و«يوم الأحد الأسود» و«نتوورك» وسواها في السبعينات، كان هناك «الريح والأسد» لجون ميليوس (1975) وهو فيلم نادر من حيث جوهر موضوعه ومختلف عن كل فيلم آخر دارت أحداثه في صحاري شمالي أفريقيا. شون كونيري يوفّر شخصية عربية رزينة وحكيمة ومع نهاية الفيلم تبقى صورة بطله، مولاي الرسولي، بارقة إذ هو يافع عن المرأة وعن ثقافة الصحراء وتقاليدها الأخلاقية.
في الثمانينات، قام المخرج الفرنسي كوستا غافراس بتحقيق «هانا ك.» حول حكاية ذلك الفلسطيني (محمد البكري) الذي يقنع المحامية الإسرائيلية (الراحلة جيل كلايبورغ) بحقه في العودة إلى أرضه ضد من يحاول منعه والاستيلاء على ممتلكاته من الإسرائيليين. هذا النقد للسياسة الاستيطانية لم يكن مسموعا (ولا مسموحا) به آنذاك. والمخرج توقّف بعد ذلك عن العمل بضع سنوات إلى أن تقرر نسيان هذه السابقة ومحوها من تاريخه.
عندما ازداد عدد الأفلام المعادية بالظهور من شركات هوليوودية في الثمانينات والتسعينات، كانت ردود الفعل الرافضة أخذت بالارتفاع. صوتها المحجوب إعلاميا لم يجعلها مسموعة، لكن إذا ما كانت هناك أفكار شائعة اليوم من أن «الغرب ضدّنا» وأن «السينما الأميركية تصوّر المسلمين على نحو مشوّه ومسيء» فإنها وُلدت هناك على يدي أفلام مثل «بروتوكول» لهربرت روس حيث الشيوخ العرب والمثليون في موقع واحد و«سُلطة» لسيدني لوميت حيث وضعوا أحد مرشّحي الرئاسة الأميركية في جيبهم ضد المرشّح اليهودي ذي الحظ الضعيف في الفوز لولا تنبّه المدير الإعلامي للمرشّح المسيحي فإذا به يغيّر معسكره ويصطف لجانب المرشح الضعيف، ومثل «جوهرة النيل» للويس تيغ، حيث الشعوب العربية تستحق ما يحدث لها فهي دائما مع الحاكم الجديد حتى ولو مارس السلطة ذاتها. في «آيرون إيغل» و«دلتا فورس» العرب يستحقّون الإعدام من دون محاكمة، وفي «شروط التعامل» (وليام فريدكن، 2000) كلهم متواطئون ضد الأميركي.
رغم كل ذلك، لم تخل، حتى السنوات السابقة مباشرة لكارثة نيويورك من أفلام مدافعة «جريمة كاملة» (أندرو ديفيز 1998) الكل في هذا الفيلم البوليسي شرير ما عدا التحري واسمه محمد كرمان. في «بولوورث» في العام ذاته، قام وورن بيتي بتعرية السياسة الخارجية في الشرق الأوسط وسخر منها، وقبل ذلك قام رني هارلن، بتمويل مباشر من هوليوود، بتحقيق فيلم عنوانه «قبلة الليل الطويلة» التي يُظهر أن إرهابيين غير عرب وغير مسلمين هم الذين قد يعمدون إلى القيام بعملية إرهابية وترك بصمات وآثار لاتهام العرب بها.
على كثرة الأفلام المتضادة، لا بد أن نسأل إذا ما كنا نساعد الغرب في فهمهم لنا وما نحن عليه. صحيح أن صانعي فيلم «طرزان القرد» قصدوا الأذى لكننا نفعل ذلك بدورنا بعلم أو من دونه.
أفلام مثل «الله يبارك فرنسا» تحاول ردم الفجوة بين الإسلام والغرب
الفيلم باكورة مخرجه مغني الراب عبد المالك.. واتحاد النقاد يمنحه جائزة «الاكتشاف»
عبد المالك أثناء التصوير
أفلام مثل «الله يبارك فرنسا» تحاول ردم الفجوة بين الإسلام والغرب
عبد المالك أثناء التصوير
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

