العمران والسياسة... مدن جديدة تعيد رسم خريطة مصر

العمران والسياسة... مدن جديدة تعيد رسم خريطة مصر

مخطط لإخلاء القاهرة من المقار الحكومية العام المقبل
الأحد - 2 محرم 1441 هـ - 01 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14887]
السيسي أمام مسجد «الفتاح العليم» بالعاصمة المصرية الجديدة (الرئاسة المصرية)
القاهرة: محمد عبده حسنين
عبر 14 مدينة جديدة من الجيل الرابع، يجري تدشينها وفق أحدث التصميمات العالمية، وتضم عاصمة إدارية، يسعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإعادة رسم خريطة مصر في إطار مخطط شامل، بدأه منذ توليه الحكم، قبل نحو 5 أعوام، ولا يخلو من تأثيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، بات بعضها واقعاً ملموساً، في أكبر الدول العربية سكاناً.

وعلى مدار الأسابيع الأخيرة الماضية، كرست السلطات المصرية اهتمامها بتلك المدن المستحدثة، من خلال فعاليات كبرى متنوعة، شملت مؤتمراً قومياً، واجتماعات وزارية، عكست الإرادة السياسية المُعلنة. تبعها تكليف الرئيس السيسي، لرئيس وزرائه مصطفى مدبولي، العمل على إخلاء القاهرة من مقار الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال العام المقبل، ونقلها للعاصمة الجديدة.





تقول الحكومة المصرية إن الانتقال للعاصمة الجديدة (75 كيلومتراً شرق القاهرة)، لا يعني التخلي عن القاهرة بوصفها عاصمة تاريخية، بل يأتي بهدف تطويرها وتعظيم دورها الثقافي والسياحي. وبالإضافة للعاصمة الإدارية، هناك مدينة «العلمين الجديدة» شمالاً، ويُطلق عليها «أيقونة البحر المتوسط»، وكذلك مدنية «الجلالة» شرقا وغيرها.

وتسعى مصر من خلال «رؤية 2030» في مجال التنمية العمرانية لزيادة المساحة المتاحة للعمران من 6 في المائة إلى 12 في المائة لاستيعاب الزيادة السنوية للسكان حتى عام 2030، وتخفيف الازدحام عن المدن القديمة، وتحفيز النمو الاقتصادي من خلال مشروعات كبرى تتيح فرص عمل جديدة لآلاف المواطنين.

ويعتبر الرئيس السيسي تلك المشاريع العمرانية «حائط الصد الأول لمحاولات جماعات العنف والإرهاب التي لا تسعى إلا للتخريب والتدمير»، على حد قوله. ويؤكد مراراً أن تكاليف إنشائها بعيدة تماما عن الموازنة العامة للدولة، وإنما تأتي عبر بيع الأراضي للمستثمرين. وذلك رداً على معارضين انتقدوا توجه إنفاق الدولة نحو مشاريع البنية التحتية والمدن الجديدة، بدلاً من أن تجعل أولويتها معالجة الأزمات الراهنة، خاصة في ملفي الصحة والتعليم.

خروج حتمي

تنظر السلطات المصرية إلى إنجازاتها في مشاريع العمارة وتفكيك أكثر من منطقة عشوائية، باعتبارها براهين واضحة على نجاعة الحكم. ويقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية في القاهرة، إن «التوسع العمراني والخروج من الوادي الضيق، كان ولا يزال هدفا رئيسيا، سعت الحكومات المتعاقبة في العصر الحديث على تحقيقه، لكن ليس بقوة الإرادة السياسية الحالية نفسها التي منحها الرئيس السيسي».

ويضيف صادق لـ«الشرق الأوسط»: «المصريون منذ القدم يعيشون على نحو 6 في المائة من مساحة مصر وكان دائما حلم الحكومة أن نصل إلى 20 في المائة، وفي عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك تم تدشين عدد من المدن منها 6 أكتوبر والعاشر من رمضان وشرم الشيخ وغيرها... إذن الفكرة كانت موجودة لكن كان تنفيذها يجري ببطء ومن دون دعاية، بعكس الآن السيسي يكرس اهتماما بالمشروع ويعول عليه في أحداث تنمية اقتصادية وليس فقط للتوسع العمراني».

ويعد مسعى الحكومة المصرية لإنشاء مدن جديدة اعترافا واضحا بالصعوبات التي تواجه عملية الإصلاح في المدن القديمة، وفقا لصادق، الذي يرى أن «المدن المصرية الحالية لن تستوعب الزيادة السكانية المتنامية، في ظل زيادة تقدر بـ2.6 مليون نسمة سنوياً في مصر، وهو ما يتطلب بنية تحتية قوية، ومن ثم أصبح الخروج حتميا».

ويرى الخبير السياسي أن اهتمام الرئيس السيسي بموضوع الرأسمالية العقارية، هو امتداد لعصري السادات ومبارك، ومشاريعهما البارزة في مجال البنية التحتية، لكن بشكل أسرع وأقوى.

بدوره، يرى الدكتور علي الدين هلال، وزير الرياضة الأسبق، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن «ما يحدث في مصر في الواقع هو إنجاز ليس من باب المبالغة بل عن طريق المقارنة بدول أخرى تماثل مصر، فدول مثل البرازيل ونيجيريا وكازخستان، نقلت عواصمها في مدن جديدة، لكنها أخدت وقتا أطول».

وينسب هلال «هذا الإنجاز العمراني المصري - الذي بدت ملامحه تظهر في وقت قصير - إلى مؤسسة الجيش، التي تشرف على تنفيذ مئات الشركات الخاصة لتلك المشروعات، فهي تقوم بدور رقابي إشرافي، نظرا لتمتعها بدرجة أعلى من الانضباط»، فضلا عن «المتابعة الدائمة للرئيس السيسي، وهو ما يشير إلى وجود إرادة سياسية قوية».

عاصمة مؤمنة

بخلاف العوائد الاقتصادية وضرورة التوسع العمراني استجابة للزيادة السكانية، يرى صادق أن «بناء عاصمة جديدة وخروج مقر الحكم والوزارات والبرلمان من القاهرة، يستهدفان أيضا تأمين مركز الحكم، فتجربة ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 عندما طالت مظاهرات المحتجين وزارتي الدفاع والداخلية، دفعت الدولة لإنشاء عاصمة محكمة مؤمنة، يقطنها بالضرورة أصحاب الدخول المرتفعة، القادرين على تحمل تكاليف الإقامة بها وبالطبع هؤلاء لا يثورون على السلطة».

ويتابع: «الدولة ستكون بمعزل تماما عن أي اضطرابات، وفي أمان، لكن هذا لا يمنع وجود مخاوف من أنه قد يعزز الانفصال بين الشعب والسلطة». كما يشير إلى تغييرات اجتماعية مرتبطة بالتأكيد بانتقال أصحاب الدخول المرتفعة إلى المدن الجديدة، ليعمق سياسة الفصل بين الطبقات.

ويبلغ عدد السكان المستهدف في العاصمة الجديدة خلال المرحلة الأولى نحو 0.5 مليون نسمة بالإضافة إلى نحو من 40 إلى 50 ألف موظف حكومي يتم نقلهم بالمقرات الجديدة، مع التخطيط لزيادة الطاقة الاستيعابية إلى 100 ألف موظف بعد الثلاثة أعوام الأولى، وتبلغ المساحة الإجمالية للمدينة 170 ألف فدان، وعدد السكان عند اكتمال نمو المدينة 6.5 مليون نسمة، وتقام المرحلة الأولى للعاصمة الجديدة على مساحة تقدر بـ10.000 فدان.

بينما تبلغ إجمالي مساحة الحي الحكومي بالعاصمة الجديدة 1133 فدانا بما يعادل 4.8 مليون متر مربع، وتشمل المرحلة الأولى مبنى مجلس النواب ومجلس الوزراء، بالإضافة إلى المرحلة الأولى من المباني الوزارية بإجمالي 34 مبنى تسع 29 وزارة على مساحة 153 فدانا.

جيل مصري جديد

ويرى الدكتور علي الدين هلال، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أنه «يجب النظر إلى عملية بناء المدن الجديدة، والتوسع العمراني الذي ينتهجه الرئيس السيسي، باعتبارهما جزءا من خطة أكبر تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية والتوسع في التحول الرقمي، وكذلك عملية رفع كفاءة الدولة وتدريب العاملين بها».

ويصف الخبير السياسي التوسع العمراني الحاصل بأنه بمثابة «إعادة تركيب خريطة مصر، فتاريخيا كانت كل الطرق والشبكات في مصر تتم في إطار الشمال والجنوب، في تجاهل تام للشرق والغرب، بينما هذا هو ما يجري اليوم».

الطرق والمدن الجديدة التي يتم تدشينها حاليا بأحدث التقنيات، ترتبط بالطبع بولادة جيل مصري جديد، من الشباب والمسؤولين الحكوميين، وفقا لهلال، الذي يعتبر أن هناك أجيالا شكلتها المدن المصرية، فمدن مثل القاهرة والمنصورة تعود إلى مئات السنين ولها أجيالها، تلتها مدن السويس وبورسعيد والإسماعيلية، ثم المدن الساحلية كالغردقة وشرم الشيخ... بينما مصر الآن تبدأ عهدا جديدا قائما على إنشاء مدن جديدة تتوافق مع التكنولوجيا الحديثة، لذلك فإن تلك المدن ليست مكانا للسكنى فقط بل روعي فيها مصادر الطاقة النظيفة، وأساليب متقدمة للأمن والأمان، وتوافق مع التطور التكنولوجي في العالم والمنطقة، وتفتح شرايين جديدة للاقتصاد.

وفي اجتماعه مع الحكومة، في 21 أغسطس (آب) 2019، وجه السيسي الحكومة باستخدام أحدث التقنيات والمعايير العالمية لتنفيذ مشروعات وخطط الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، في إطار خطة الدولة للتحول الرقمي، فضلاً عن تأسيس العاصمة الإدارية لتكون مركزاً معلوماتياً متطوراً يربط ما بين مختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها وفق أحدث النظم المطبقة عالمياً.

واستعرض السيسي عددا من المشروعات الجاري تنفيذها في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتي شملت استراتيجية الذكاء الاصطناعي والحوسبة فائقة السرعة ومشروع إنشاء مدينة المعرفة بالعاصمة الإدارية الجديدة والذي سيضم مبنى الابتكار ومعهد تكنولوجيا المعلومات، وكذلك الأكاديمية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ومشروع إنشاء المحتوى الثقافي الرقمي، وكذلك تطوير البنية التحتية لخدمات الإنترنت.

تحديات متوقعة

رغم كل تلك الامتيازات الاقتصادية، فإن هناك تحديات واختبارات صعبة ينتظر أن تواجه الدولة المصرية مع بناء عاصمة ومدن جديدة. يقول الدكتور هلال إن «الذي يتصور أن عملية كبيرة بهذا الحجم (نقل العاصمة) سوف تسير دون عقبات أو تحديات، فهو شخص لا يعلم ما يتحدث عنه أو مضلل، فنحن نتحدث هنا عن عملية ضخمة جدا لنقل آلاف الناس، من الموظفين الحكوميين، ستثار بالطبع تحديات متعلقة بالتكيف مع الواقع الجديد، وهناك المئات من العقبات الصغيرة التي من الممكن أن تحدث أزمات».

ويعتقد هلال أن المسؤولين في مصر يتوقعون ذلك وبدأوا في إعداد خطط مختلفة لمواجهة الأمر، منها ما جرى مؤخرا من تنظيم بعض الوزارات رحلات لعدد من موظفيها لرؤية مواقعهم الجديدة، لتهيئتهم للحياة والعمل هناك.

كذلك على صعيد المواطنين بدأت السلطات المصرية «تعويد الرأي العام على المدن الجديدة، من خلال إقامة فعاليات كبرى هناك وبثها تلفزيونيا، فأصبحت المدن الجديدة ليست فقط جزءا من المعمور الجغرافي، بل جزء من الوعي الجمعي للمصريين والذاكرة الجمعية».

ونهاية يوليو (تموز) الماضي، رعى الرئيس السيسي، فعاليات «المؤتمر الوطني للشباب» في العاصمة الجديدة، التي تضم أكبر مسجد وكنيسة بمصر، تم افتتاحهما في يناير الماضي.

ومؤخرا استضافت «العلمين الجديدة» أكثر من اجتماع لمجلس الوزراء بداية من شهر يوليو الماضي، كما شهدت حفلا هو الأول من نوعه لنجمة الغناء العالمية جينيفر لوبيز. كما حرص الرئيس السيسي على أداء صلاة عيد الأضحى الماضي في المدينة الساحلية الجديدة.

ويعتقد هلال أن المدن الجديدة، التي بدا الرئيس السيسي مهتما بها على مدار الـ5 السنوات الماضية منذ توليه السلطة عام 2014، هي بمفردها شيء جيد، لكن قيمتها الحقيقية هي أنها جزء من شيء أكبر، وهي أنها جزء من خطة شاملة لتنمية مصر، في مجال السياحة والزراعة والالتحاق بالأساليب التكنولوجية الحديثة، ومنها التوسع في إنشاء الجامعات الجيدة، فالقيمة الحقيقية ليست فقط في الإنجاز العمراني بل في المشروع القومي للتنمية.

في السياق ذاته، يؤكد أحمد علي الباحث في شؤون الاقتصاد السياسي بجامعة القاهرة أن «توجه مصر نحو إنشاء المدن الجديدة كالعاصمة الإدارية والعلمين والجلالة والمنصورة الجديدة ساهم بشكل كبير في تغيير خريطة العمران في مصر، وأعاد لها الريادة في مجال التخطيط العمراني وزيادة قدرتها التنافسية في القطاع العقاري في منطقة الشرق الأوسط؛ في ضوء الإصرار الشديد من القيادة السياسية على تنفيذ تلك المدن بما يتماشى مع مدن الجيل الرابع، وفي أسرع وقت لمنافسة أشهر المدن والعواصم العالمية».
مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة