ماذا صنعتَ بالذهب... ماذا فعلتَ بالوردة؟

ماذا صنعتَ بالذهب... ماذا فعلتَ بالوردة؟
TT

ماذا صنعتَ بالذهب... ماذا فعلتَ بالوردة؟

ماذا صنعتَ بالذهب... ماذا فعلتَ بالوردة؟

«اتخذتَ آفاقاً عظيمة وجعلتَها حُفَراً، وأخذْتَ ذهبَ النساء وردة الذهب. فماذا صنعْتَ بالذهب وماذا فعلْتَ بالوردة؟». الكلام الذي قاله الشاعر أنسي الحاج قبل خمسين عاماً عن امرأة وجدها فريدة بين النساء، لكنه خسرها لأنه أهملها ولم يمنحها ما تستحق من حبّ وعناية، ينطبق تماماً على علاقة الإنسان بالطبيعة.
وتتابع القصيدة: «خسرتُكِ إذ ملأتُ قلبي بالجنون وأفكاري بالخبث... وكنت أظُنّكِ ستصرخين وتبكين وتعاودين الرضا، لكنّكِ كتمتِ وانفصلتِ». الفارق أنه في حين يمكن للشخص، في معظم الأحيان، أن يجد شريكاً آخر ويحاول تصحيح أخطائه، فإن تدمير الطبيعة بالتمادي في العبث بمكوناتها لا يمكن إصلاحه، إذ لا توجد أرض أخرى يستطيع البشر الانتقال إليها.
لم تفارق قصيدة أنسي الحاج هذه ذهني لحظة واحدة، منذ قصدت قبل أيام غابة في هولندا للتمتع بجمال الطبيعة وهدوئها، كعادتي منذ سنوات، لكنني فوجئتُ هذه المرة بتحذير على المدخل بوجوب وضع كمامات طبية على الأنف والفم، وعدم الاقتراب من أشجار السنديان التي غزتها أفواج من الديدان ذات الشعيرات السامة، فضلاً عن تسببها بموت الأشجار التي تبني فيها أعشاشها، تصيب شعيراتها المتطايرة في الهواء البشر بالحساسية والتسمم، إنْ هي لامست الجلد أو دخلت العين أو المجاري الهوائية. وقد تصل مضاعفاتها إلى العمى والموت. وكان نوع من هذه الديدان السامة، التي يسميها أهالي القرى «دودة الزيّاح» (لأنها تزحف في موكب)، أصاب أشجار الصنوبر في لبنان قبل سنوات، متسبباً بموت مساحات شاسعة من الغابات، وبأمراض الحساسية للعابرين والساكنين في الجوار. واعتبر الاختصاصيون أن هذا يعود، بشكل رئيسي، إلى موت الطيور بسبب الصيد الجائر والمبيدات، وهي عدو طبيعي لهذه الديدان.
حزنتُ لأن علاقة خاصة تربطني بهذه الغابة. ففيها كنت أمشي مع ابني وهو طفل، حيث تعلّم كلمات عربية مثل «شجرة» و«بلّوط»، وهو ثمر السنديان. وكان يجمع ثمار البلوط من أرض الغابة، ويزرعها في مشتل صغير أقامه في حديقة البيت، ليراقب نموّها وينقلها لاحقاً إلى حديقة المدرسة. وكان هذا جزءاً من برنامج تربوي لتدريب الأطفال على حب الطبيعة وغرس الأشجار.
في السنوات الأخيرة، انتشرت في بلدان أوروبية كثيرة مشكلة الديدان السامة التي تمشي في مواكب. لكن هذا النوع من الديدان الشعيرية ليس جديداً، كما غابات السنديان. الفارق أن التدخّلات الإنسانية المتطرفة خلال العقود الماضية أدّت إلى خلل في التوازن الطبيعي، فقد عمدت بعض الدول، في إطار حملات التشجير، إلى زراعة الملايين من أشجار السنديان، لسهولة نموّها ويسر العناية بها. وأدى انقراض بعض الأنواع من الطيور والحشرات والقوارض، التي هي من الأعداء الطبيعيين للديدان السامة، إلى زيادة غير مسبوقة في أعدادها وانتشارها، خصوصاً لأنها تحبّ بناء أعشاشها على أشجار السنديان المتكاثرة فوق مساحات شاسعة.
وقد اكتسبت الديدان السامة مناعة ضد المبيدات المعروفة، مما جعل الطريقة الوحيدة لمكافحتها هي شفطها من قبل فرق مختصة يرتدي أفرادها ملابس واقية، والتخلص منها في محارق النفايات الخطرة. كما بدأت بعض الدول الأوروبية حملات لقطع العدد الفائض من أشجار السنديان، واستبدال أنواع أخرى بها؛ من الأشجار التي لا تجتذب الديدان السامة، حفاظاً على تنوّع الغابات.
هذه الواقعة تثبت أهمية الحفاظ على التنوّع البيولوجي، والحدّ من التدخّل المفرط في الطبيعة، حمايةً للتوازن الضروري بين الأنواع. ففي حين تنقرض أنواع من النباتات والحيوانات والحشرات، تزداد أعداد أنواع أخرى على نحو لا يمكن التحكّم به. وإذا كان البعض يعتقد أن التكنولوجيا توفّر الحلّ دائماً، فاكتساب ديدان السنديان مناعة ضد المبيدات، بالتوازي مع انقراض أعدائها الطبيعيين، دليل على أن هناك حدوداً للتدخّل في عمل الطبيعة.
لقد تم تبديل طبيعة 75 في المائة من مساحة الأرض، وتحويلها إلى استعمالات أخرى، بما فيها قطع الغابات لاستخدامها في زراعات سريعة المردود، إلى جانب الإفراط في استخراج المعادن والتمدّد العمراني العشوائي. وتعرضت 66 في المائة من البحار والمحيطات للتلوث، كما فُقدت مساحة 85 في المائة من الأراضي الرطبة والمستنقعات، وهي من أكثر المناطق غنى في التنوع البيولوجي. وآخر الانتهاكات الكبيرة ما حصل مؤخراً في البرازيل، حيث التهمت حرائق غير مسبوقة غابات الأمازون، رئة العالم، نتيجة لتعديل وجهة استعمال الأراضي، منذ تسلم الرئيس بولسونارو السلطة قبل سنة. يُذكر أن العقوبات على المخالفات البيئية في الأمازون انخفضت بنسبة الثلث في عهد هذا الرئيس، حليف الرئيس الأميركي ترمب في إنكار التغيُّر المناخي.
الحديث عن التنوع البيولوجي ليس رفاهية فكرية، بل هو يرتبط مباشرة بحياة الإنسان. فالعناصر الحية في الأرض والبحار والأنهار والبحيرات تحافظ على اعتدال المناخ، وتنقّي التربة والمياه والهواء، وتخفف من آثار الكوارث الطبيعية. وإذا كان الثابت أن ثروات الطبيعة هي أساس التنمية، فالحفاظ على استدامتها شرط لاستمرار التطوُّر والحياة نفسها. وفي حين تشمل الفوائد المباشرة للأصول الطبيعية توفير منتجات الأخشاب والأسماك والأغذية النباتية والحيوانية، إلى جانب استقطاب السياحة، فهي تنطوي على فوائد غير مباشرة جمة. فللتمتع بالطبيعة الهادئة أثر إيجابي على الصحة النفسية. ويعتمد 75 في المائة من المنتجات الزراعية على التلقيح الذي تمارسه أنواع معينة من الطيور والحشرات. من هنا ندرك الخطر الذي يواجه الجنس البشري من الواقع الراهن، المتمثل في انقراض نوع حي واحد كل عشرين دقيقة.
وقد أظهرت دراسة حديثة أن 60 في المائة من أعداد الحيوانات في الطبيعة انقرضت منذ عام 1970، بالتزامن مع نشر أنسي الحاج قصيدته عن استنزاف الذهب واغتيال الوردة. وتزداد الصورة سوداوية حين نعلم أن 25 في المائة من الأنواع النباتية والحيوانية مهددة بالانقراض خلال العقود القليلة المقبلة، إذا لم تُتَخذ تدابير جذرية للحدّ من التدهور.
قد يظن بعضهم أن هذه المشاكل عالمية لا علاقة للبلدان العربية بها. لكن الواقع أن العرب في صلبها. فأراضينا، بما فيها الصحارى، غنية بالأنواع الحية النادرة التي يجب الحفاظ عليها، أكانت نباتاً أو حيواناً، ناهيك بالثروات التي تكتنزها في باطنها. وقد يتم يوماً اكتشاف علاج لأحد الأمراض المستعصية من نبتة غير معروفة في الصحراء. أما البحار والمحيطات التي تزنّر العالم العربي، فهي تؤوي ثروات كبيرة توفّر، إلى جانب الغذاء، مواقع سياحيّة مميّزة. فكم تخسر بلدان مثل الأردن ومصر والسعودية والإمارات، إذا انقرضت الشعاب المرجانية نتيجة للتلوث والبناء العشوائي على الشواطئ؟
الحفاظ على التنّوع الحيوي وحماية الأصول الطبيعية ليسا في أولويات معظم البلدان العربية. ولا أدَلّ على هذا مما حصل في اجتماع دولي قبل فترة، حين تمّ طرح موضوع إحياء البحر الميت بحمايته من الجفاف. فجاء الرد من أحد الوزراء العرب: «إنه بحر ميّت في أي حال، كما هو واضح من اسمه؛ فلماذا إضاعة الوقت على البحث في حمايته؟»، وقد غاب عن السيد الوزير أن البيئة النادرة للبحر الميت، وهو الأكثر انخفاضاً عن سطح البحر والأعلى ملوحة في العالم، تتمتع بثروات معدنية لا وجود لها في أي مكان آخر. وليس ما تم اكتشافه حتى الآن من قيمة طبية علاجية لها إلا القليل مما تخفيه بواطنه.
فلنستخدم «الذهب» من أرضنا بوتيرة متوازنة تؤمن استمرار الموارد وتجدّدها، عوضاً عن تبديدها. ولنحافظ على «الوردة» التي منحتنا إياها الطبيعة، فنطورها لتزدهر وتصبح حقولاً، بدلاً من قتلها بالإهمال والاستثمار المتوحش.

* الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، رئيس تحرير مجلة «البيئة والتنمية»


مقالات ذات صلة

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

بيئة البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
الاقتصاد حفارات تعمل في حقل للنفط والغاز بكازاخستان (رويترز)

كازاخستان: محكمة ترفض طلب مشغّل حقل «كاشاغان» النفطي وقف تنفيذ غرامة بـ5 مليارات دولار

أفادت وكالة أنباء «إنترفاكس» الروسية، الاثنين، بأن محكمة كازاخية رفضت دعوى قضائية أقامتها الشركة المشغلة لحقل «كاشاغان» النفطي البحري في كازاخستان.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
صحتك رجل يغطي وجهه أثناء ركوبه دراجة وسط الغبار والتلوث في الهند (أ.ب)

تلوث الهواء قد يرتبط بزيادة الأفكار الانتحارية

كشفت دراسة جديدة عن وجود علاقة بين تلوث الهواء وزيادة خطر الانتحار والأفكار الانتحارية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جولات مجانية لـ«التوك توك» جزءاً من يوم تجريبي في مدينة سالتاش (مجلس سالتاش)

«التوك توك» الكهربائي ينافس على جائزة الأمير ويليام للبيئة

يعتزم الأمير ويليام، أمير ويلز، الإعلان عن شركة هندية مصنّعة لمركبات «التوك توك» الكهربائية بوصفها أول المتأهلين للتصفيات النهائية على جائزة «إيرث شوت».

«الشرق الأوسط» (لندن)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».