* ظهرت الحاجة إلى تحديد ملامح المذهب العسكري للقوات المسلحة الروسية مع أولى سنوات حكم الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وكانت السنوات الأولى لفترة رئاسة يلتسن شهدت احتدام الجدل بين قيادات الجمهوريات السوفياتية السابقة حول اقتسام التركة السوفياتية من خلال آلية «منظومة بلدان الكومنولث» التي تشكلت على عجل في آخر أيام ديسمبر (كانون الأول) 1991 في مينسك عاصمة بيلاروسيا.
وبمقتضى الاتفاقيات التي جرى التوصل إليها، آلت إلى روسيا نسبة 90 في المائة من القوات السوفياتية؛ منها 85 في المائة من قوات الدفاع الجوى، و58 في المائة من الأسلحة النووية، و85 في المائة من القوات البحرية والأساطيل السوفياتية؛ ومنها أسطولا بحر الشمال والبحر الأسود. وقد تطلبت الحاجة أيضا التفكير في إقرار عقيدة عسكرية روسية لموائمة ما طرأ من تغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية على ضوء تداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي وحل حلف وارسو، في الوقت نفسه الذي تصاعدت فيها أخطار توسع حلف الناتو وزحفه على مقربة مباشرة من الحدود الروسية وضم عدد من بلدان البلطيق وشرق أوروبا. ولذا كان من الطبيعي أن تنص هذه العقيدة العسكرية الجديدة الصادرة في 1993 على اعتبار أن الأخطار الرئيسة التي تهدد الأمن القومي الروسي تتمثل في «توسع حلف الناتو، والحروب الإقليمية في الفضاء السوفياتي السابق، واندلاع الحركات الانفصالية».
وعلى الرغم من توصل روسيا والناتو إلى توقيع «اتفاق شراكة» في عام 1997 ينظم العلاقة بين الطرفين ويحد من أخطار الناتو، فإن ما حدث من تدخل مباشر لبلدان الناتو في البلقان وقيام مقاتلات الناتو بقصف صربيا عام 1999، كان في مقدمة الأسباب التي دعت الرئيس فلاديمير بوتين إلى إعادة النظر في «المذهب العسكري الروسي»، وتغيير عدد من أحكامه على ضوء المتغيرات الناجمة عن إغراق الناتو في «استهانته» بالدولة الروسية. ومن هنا، كان التفكير في «العقيدة العسكرية الروسية الجديدة» التي صدرت في أبريل (نيسان) عام 2000 والتي كانت تسمى عن حق «عقيدة استعادة الدولة»، وبدت في جوهرها «عقيدة دفاعية» في مضمونها البعيد إلى حد كبير عن «العقيدة الهجومية»، بتركيزها على تعزيز الأمن على الحدود الجنوبية للدولة الروسية، والتأكيد على وصف «الناتو» بأنه العدو الرئيس لروسيا الاتحادية.
ولم يمض من الزمن الكثير حتى عاد الرئيس بوتين ومع مطلع سنوات ولايته الثانية ليطرح صياغة جديدة لهذه العقيدة العسكرية من خلال أخرى حملت اسم «عقيدة فرض الاحترام»، وأكدت مشروعية تأسيس جيش قوى ودعم القوات المسلحة بأحدث الأسلحة والتقنيات العصرية على ضوء المتغيرات الجديدة وتوازن القوى لمواجهة التحديات الجيوسياسية من جانب الولايات المتحدة وحلف الناتو.
وهنا لا نستطيع إغفال ذلك الخطاب الناري الذي ألقاه بوتين في مؤتمر الأمن الأوروبي الذي عقد في ميونيخ في فبراير 2007 وأعلن فيه رفضه لعالم القطب الواحد، مؤكدا حاجة العالم إلى معايير العالم متعدد الأقطاب ورفض انفراد قوة بعينها بالقرار الدولي بعيدا عن أطر الأمم المتحدة ومواثيقها.
وما إن رحل بوتين عن الكرملين واضطرت موسكو إلى مواجهة غزو جورجيا المجاورة التي طالما أعلنت عن توجهاتها نحو الانضمام إلى الناتو، لأوسيتيا الجنوبية في أغسطس 2008، حتى اضطر الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، وبإيعاز من بوتين بطبيعة الحال، إلى طرح صياغة جديدة للعقيدة العسكرية الروسية وهي التي صدرت في فبراير عام 2010، وهي التي توقفنا عند العديد من ملامحها عاليه.
9:41 دقيقه
العقيدة العسكرية الروسية.. من يلتسن إلى بوتين
https://aawsat.com/home/article/187571
العقيدة العسكرية الروسية.. من يلتسن إلى بوتين
العقيدة العسكرية الروسية.. من يلتسن إلى بوتين
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


