يشعر منظمو «بيروت آرت فير» الذي أغلق أبوابه الأحد الماضي بعد 4 أيام من العرض، أن مهمتهم قد انتهت بنجاح. فيوم الافتتاح وحده استقطب 8 آلاف زائر، والفنانون الذين عرضت أعمالهم وصلوا إلى 1500 فنان، كما أن غاليريات من الصين والهند وسنغافورة، والولايات المتحدة الأميركية وأميركا الجنوبية شاركت في الدورة الخامسة، لهذا المعرض السنوي. وقد بلغ عدد الزائرين 20 ألفا مقابل 18 ألف زائر العام الماضي.
رغم أجواء المعرض الاحتفالية البهيجة جدا، في «بيال» وسط بيروت، وإصرار المنظمين على الحديث عن عدد الفنانين المشاركين الذي يتصاعد ونمو عدد الغاليريات الموجودة، فإن الزائر لا يسعه إلا أن ينتبه إلى أن بيروت بما تملكه من إمكانات، وما تختزنه من مواهب، ومن جسور تواصل مع فنانين في العالم، لولا الأوضاع المأساوية التي تعيشها المنطقة وصل خطرها إلى الحدود البقاعية، لأمكن لهذا المعرض، أن يحلق عاليا جدا بفضل الجهود المبذولة من أجله. لكن رغم تحذير بعض الدول مواطنيها من السفر إلى لبنان، وتمنع البعض الآخر، كان الأوروبيون موجودين بوفرة لا سيما الفرنسيون، وهناك العرب بطبيعة الحال مع غلبة للسوريين والمصريين، فيما اكتسحت الغاليريات اللبنانية مساحة طاغية، معيدة في بعض الأحيان عرض ما كانت قد أتت به العام الماضي.
تقول سلوى زيدان الآتية من أبوظبي، ومن بين الأعمال التي تعرضها لوحات للشاعر أدونيس، إنها «لم تكن تتصور أن في لبنان هذا العدد من المجمعين والمقتنين للأعمال الفنية، وأنها مندهشة جدا أن ترى في بلد صغير الحجم، هذا العدد من المهتمين، الذين يتوافدون على المعرض ويسألون عن أعمال يودون الحصول عليها». وتضيف الفنانة وصاحبة غاليري سلوى زيدان شارحة أنه «لأمر مشجع، لأننا طوال النهار هنا يأتينا فنانون ومقتنون، وثمة عمل مهم نقوم به».
الانطباع ليس دائما هو نفسه، ويتفاوت رأي أصحاب ومديري الغاليريات، تبعا لنوع الأعمال التي يعرضونها. عبير شاهين المديرة التنفيذية لمؤسسة «طش فش» المعنية بالرسوم التصويرية والكاريكاتورية، وفي جناحها رسوم شديدة الطرافة لفنانين من دول عربية عدة، تعتقد «أن السوق الفنية ليست في أحسن أحوالها، لكن ثمة ما يستحق الاستمرار». مضيفة القول: «مستمرون ولا نستطيع أن نفعل غير ذلك، بانتظار أن تنقشع الغمامة. في هذا الجناح مثلا لوحات ساخرة وبالألوان للفنان المصري محسن أبو العزم: الحارة المصرية، الفلاحات المجتمعات، المطرب وفرقته والسميعة، العجائز. بساطة الحياة المصرية، بعاداتها، وأطباقها وأدوات عيشها، وملامح أهلها، حاضرة جميعها بظرف غامر. مصرية هذه الأعمال لا تخطئها عين. رسوم محسن أبو العزم طالعة من بيئتها، لها هويتها وطابعها، وهو ما لا نراه بالوضوح عينه في غالبية الأعمال العربية المعروضة التي يذهب بعضها إلى تغريب يفقدها حتى ارتباطها ببيئتها. وهذا ليس عورة بالضرورة، لكنه يصبح إشكالية، حين يفقد الفنانون جسور التواصل الوجداني مع جمهورهم الأقرب».
هذا ليس حال فنان الغرافيتي المصري المعروف باسم «كايزر» والذي تعرض له مؤسسة «ساورت» جداريته الشهيرة لأم كلثوم وإلى جانبها كتب «الفن مش حرام»، جداريات مصرية أخرى تعرضها المؤسسة التي تقول إن هدفها تشجيع الفنانين المعاصرين والشباب المصريين الذي يعكسون أفكارا اجتماعية ثورية.
ليس الفن العربي الموجود في «بيروت آرت فير» مجرد ثورة أو مطالبات بالتغيير وتحديق بماهية العادات كما هو حال فيديو البحرينية وحيدة مال الله أو الكويتية منيرة القادري أو المصري خالد حافظ، هناك أيضا أعمال جمالية فنية خالصة لذاتها مثل تجهيز هانية فاريل، الذي خصصت له غرفة حيث نقلت الشاطئ اللبناني ببحره وصوت خبط أمواجه وصخوره إلى «بيروت آرت فير»، عبر تقنيات بسيطة لكنها خلابة ومحكمة.
قد يحتاج اختيار الأعمال العربية في العام المقبل إلى مزيد من البحث والانتقائية، من قبل الغاليريات المشاركة، كي تتمكن من أن تعكس بالفعل روح الحركة الفنية في آخر انشغالاتها وتوجهاتها.
الجناح الهندي الذي يستضيفه المعرض بشكل خاص، ليس كله باهرا، أعمال صغيرة، تعكس دقة في العمل، أفكار جديدة، بعض الصور الفوتوغرافية، وتجهيز من عصافير الفنانة فيبها جالهوترا، المصنوعة يدويا، التي تبلغ أكثر من 100 عصفور، افترشت طاولتين كبيرتين. تقف العصافير مطلة برأسها، بإمكانك أن تحمل أيا منها، أن تجعله يفتح جناحيه ويطلق زقزقاته، أن تعيده إلى مكان آخر بين أصدقائه. تقول مسؤولة في الجناح إن الفنانة الهندية تنظر إلى إعادة النغم إلى الحياة، وإخراج هذه الكائنات الصغيرة عن صمتها. بسعر 3500 دولار بمقدورك أن تشتري المجموعة وتفرشها في المكان الذي تريد كي تستأنس بوجودها معك.
واحد من الأجنحة الطريفة آت من الصين، ويحمل اسم «آيلند 6»، يعرض لوحات حداثية تستخدم تقنيات مركبة للوصول إلى نتائج لافتة ومرحة. الكولاج، الرسم، التصوير الفوتوغرافي، الشاشات الإلكترونية وكذلك أضواء «اللد». في إحدى اللوحات حبل غسيل علقت عليه ملابس، بينما تقفز محاولة المشي على حافته فتاة لا تتوقف عن الحركة، في لوحة أخرى سيارة شرطة بداخلها شخصان لا يتوقفان عن تبادل الحديث بينما يمسك أحدهما بهاتف جوال للإجابة عليه، وفي لوحة ثالثة يد تمسك بحبال تنتهي بأرجوحة تتهادى بفتاة تجلس عليها، وتتحرك جيئة وذهابا. هذه اللوحات المتحرك ذات المنحى التجاري التي يبلغ متوسط سعرها 29 ألف دولار، يعمل على صنعها 14 شخصا، وهم فريق عمل من جنسيات مختلفة في شنغهاي غالبيتهم من الصينيين.
الجناح اللبناني الذي يطلق على نفسه اسم «بلاستيك» ويعرض منتجات مختلفة، أحب أن يدغدغ جمهور المعرض فحول واجهتين داخل غرفة صغيرة، إلى مكان لجلوس فتاة في كل منهما إحداهما بمعطف الحمام والثانية بملابس النوم، ضمن أجواء أقرب إلى عوالم ديزني، وفي زاوية جانبية وقف رجل يبتسم لك، يحضر الشراب لمن يرغب بتناوله. أفكار كثيرة لا سيما تلك التي تندرج في عالم التصميم، لكنها أقل براعة هذه السنة من العام الفائت، رغم أنها اتخذت مساحة كبيرة نسبة إلى باقي المعروضات.
46 صالة عرض، بمشاركة 14 بلدا، كانت فسحة لكل محبي الفن للخروج من كابوس الأمن والأخبار السوداء، بفضل منظمين يتحلون بشجاعة المغامرة وفنانين يصرون على أنه لا يزال للإبداع متسع وأهل وجمهور عريض يسعى إليه.
«بيروت آرت فير».. 20 ألف زائر في 4 أيام
منظمون مغامرون وفنانون مصرون على الاستمرار
لوحة من «غاليري لاتيتيود 28» من نيودلهي.
«بيروت آرت فير».. 20 ألف زائر في 4 أيام
لوحة من «غاليري لاتيتيود 28» من نيودلهي.
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

