راديو «روزنة إف إم»... إذاعة سورية مجتمعية

استمرارية التمويل وتقلب الوضع الميداني زادا من التحديات

بث مباشر من داخل الاستوديو
بث مباشر من داخل الاستوديو
TT

راديو «روزنة إف إم»... إذاعة سورية مجتمعية

بث مباشر من داخل الاستوديو
بث مباشر من داخل الاستوديو

سوريا بلد الإعلام الموجه بامتياز. الدولة وحزب البعث سيطروا على كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية؛ لكن بعد 2011 ظهرت العشرات من الإذاعات والقنوات التلفزيونية والصحف والدوريات الخاصة في سوريا، لتؤسس إعلاماً محلياً موجهاً للجمهور السوري في الداخل ودول اللجوء والشتات.
«إذاعة حرة... مهنية عالية»، تحت هذا الشعار انطلقت إذاعة «روزنة إف إم» منتصف عام 2012 لتبث أثيرها عبر موقعها الإلكتروني بالعام نفسه، وفي يونيو (حزيران) 2013 افتتحت استوديو في العاصمة الفرنسية باريس، وفرعاً ثانياً في مدينة غازي عنتاب التركية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2014.
وتقول الإعلامية لينا الشواف المديرة التنفيذية لـ«روزنة»، إنهم يواكبون تحديثات النشر الحديثة على منصات التواصل الاجتماعي، «كما تبث (روزنة) في جنوب تركيا على موجات (إف إم) تصل ترددها إلى الشمال السوري، ولدينا قناة (يوتيوب)، بالإضافة إلى موقع الإذاعة ولدينا نحو مليون متابع شهرياً على الأونلاين»، فالكادر الإذاعي يسعى إلى مواكبة الإعلام الجديد وتغيير قوالب الإذاعة وصقلها بالوسائل التي أخذت شهرتها مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم.
لدى الإعلامية لينا الشواف تجربة قبل 2011 حيث أسست مع مجموعة من السوريين إذاعة أرابيسك في دمشق، وكانت آنذاك مديرة البرامج وتحدثت قائلة: «وقتئذ كان ترخيص الإذاعة راديو ترفيهي، لم يكن مسموحاً لنا تناول المواضيع السياسية والأخبار».
أما اليوم تدير مؤسسة وسيلة إعلام مجتمعية وتابعت كلامها لتقول: «فالظرف الزمني الذي ظهرت فيه (روزنة) مختلف، نقدم صحافة بكل ما تعنيه الكلمة، تتناول الشؤون السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وتحديداً نحن وسيلة إعلام مجتمعية».
واليوم يعمل في رادو «روزنة» نحو مائة إعلامية وإعلامي بين موظف وعامل فري لانسر، من بينهم 40 مراسلاً يعملون في داخل سوريا موزعين في معظم المحافظات، و10 في مكتب باريس، و14 يعملون من مكتب غازي عنتاب.
وأضافت لينا الشواف أنّ استوديو باريس مختص بنشرات الأخبار ومتابعة القضايا الساخنة، بينما تبث معظم البرامج من مطبخ استوديو غازي عنتاب، مثل فترة البث الصباحي والبرامج الخدمية والمجتمعية، وقالت: «مستمعو (روزنة) 85 في المائة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولديها مليون مستمع شهرياً أونلاين، وحتى نهاية 2018 كان هناك 7 ملايين متابع على موقعها منهم مليونان ونصف فقط من تركيا».
حيث تعمل أكثر من عشر إذاعات سورية تبث أثيرها عَبر موجات الـ(FM) أو مواقع الإنترنت إلى جانب منصات التواصل الاجتماعي ويستمع إليها جمهور ينتشر غالباً في أرياف مدينة حلب شمالاً، وصولاً إلى الحسكة شمال شرقي وإدلب غرباً ويصل أثيرها إلى مدينة حماة وسط سوريا، في محاولة إيصال رسائل تحدي وكسر احتكار الحكومة السورية لوسائل الإعلام السمعية والبصرية.
وأخبرت لينا أن التمويل يأتي من منظمة سيدا السويدية عن طريق مركز الإعلام الدولي بالدنمارك (ıms) ومنظمة أميركية (OSF)، ومن بين أبرز التحديات التي تواجه عمل الإذاعة، استمرارية التمويل وتقلب الوضع الميداني بالداخل السوري، وتضيف: «شهرياً هناك اجتماع لتقيم أبرز التحديات والمخاطر التي تواجه عملنا، لأن القضية السورية بعد تداولها إقليمياً ودولياً ليست كما كانت قبل أعوام»، ونوهت بأنّ كل هذه المشاريع تنتهي في عام 2020. «لا أحد يعلم بعدها كيف ستكون السياسيات الجديدة لهذه الجهات المانحة»، بحسب لينا الشواف.
فقرة «بدنا خدمة تحرز»...
يعكس إطلاق هذه الإذاعات تطوراً نوعياً في قدرة السوريين على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا وثورة المعلومات، وتختلف وسائل وأدوات العمل الصحافي لدى الوسائل الإعلامية التي تنشر موادها عبر صفحات التواصل الاجتماعي، عن مثيلاتها في الإعلام المطبوع والمرئي والمسموع، واختار كادر «روزنة» العمل في مجال الصحافة الرقمية والاعتماد على منصات السوشيال ميديا للإطلالة على الجمهور ومتابعي صفحاتها.
«فالصباحات الباكرة في استوديو غازي عنتاب أشبه بخلية نحل، يحاول الفريق خلالها تقديم خلاصات الأعمال الفنية والثقافية والخدمية بنكهة سورية جلية وواضحة لهجة ومضموناً»، والكلام للإعلامي منير الأيوبي مدير البرامج في إذاعة «روزنة»، حيث يبدأ بث البرنامج الصباحي الساعة 9 صباحاً ويستمر حتى الـ12 ظهراً يتخلله مواجز الأخبار على رأس كل ساعة.
ويتابع الأيوبي كلامه ليقول: «فقرة (بدنا خدمة تحرز) مثلاً تستضيف محامين وحقوقيين وخبراء للحديث عن أبرز القضايا الملحة التي تؤرق السوريين في الشتات، كالقرار التركي الأخير بترحيل كل المخالفين في مدينة إسطنبول».
وأصدرت تركيا مؤخراً قراراً يقضي بإعادة تنظيم وجود اللاجئين السوريين عبر البلاد وإعادة المخالفين للقانون إلى الأراضي السورية، ويشمل القرار حاملي إذن الحماية مؤقتة أو ما يعرف محلياً بـ«الكيمليك»، وقامت بترحيل أكثر من 6 آلاف سوري إلى بلادهم خلال شهر يوليو (تموز) الماضي فقط.
وأشار منير الأيوبي خلال حديثه: «البرنامج تفاعلي، إذ نتلقى الأسئلة من المستمعين عبر الاتصال المباشر أو من خلال الأسئلة المكتوبة على وسائل التواصل الاجتماعي، ونحولها بدورنا للمختصين لتوفير الإجابات على أغلب الاستفسارات»، حيث تبث هذه الفقرات الخدمية والتي تعنى بالشأن السوري على منصة «فيسبوك»، بالصوت والصورة كي يتاح لأكبر عدد ممكن من السوريين الاستفادة من المعلومات المقدمة.
ويتميز راديو «روزنة» بتقديم القصص الإنسانية والاجتماعية، التي تأتي من مراسلين من داخل سوريا، إذ تصنف كإذاعة مجتمعية، وعن فقرات وبرامج الإذاعة يزيد الأيوبي: «برامج (روزنة) متنوعة حيث يوجد برنامج خاص بالأطفال يستضيف اختصاصيين نفسيين لتقديم الدعم للأسرة والطفل، أيضاً برامج خاصة بالمرأة تناقش الحقوق والواجبات، وبرامج خاصة بسوق العمل».
«نخاطب الجمهور بلغة بسيطة وعناوين هادفة عبر أسئلة عميقة لإعطاء فرصة حقيقية للمستمعين لمشاركة آرائهم وتجاربهم وإيصال أصواتهم، وفترة البث الصباحي الأكثر استماعاً بمثابة مجلة الإذاعة الأكثر استماعاً»، بحسب الإعلامية نيلوفر المتحدرة من مدينة حمص وسط سوريا، وتعمل مذيعة في فترة البرنامج الصباحي «روزنامة روزنة»، وتقدم برنامج «أنتِ قدها» الموجه للنساء السوريات وبرنامج صدى الشارع الأسبوعي حول أهم وأبرز القضايا اليومية التي تواجه السوريين على مدار ساعة كاملة.
أثناء الحديث معها من داخل الاستوديو كانت تستمع إلى متصل من داخل سوريا، تحاول الإجابة على أسئلته واستفساراته ونقلت بأن أهمية البرنامج الصباحي توقيته بداية يوم جديد، وقالت: «فالمستمعون ينتظرون فسحة أمل ورغم وجودنا بغازي عنتاب لكن نحاول ملامسة السوريين بالداخل وبالخارج، نفتح الشباك للإطلالة على الحياة بكل ما تحمله من أفراح ومأسٍ وأخبار ميدانية».
ومن بين فقرات الفترة الصباحية، أحوال الطقس، فقرة خدمية وأخرى طبية، ومدرج الجامعة، والأبراج، وعناوين الصحافة العربية والعالمية وغيرها، كما يقوم كادر العمل بإرسال رسائل نصية على أرقام الإذاعة قبل بدء البرنامج ومشاركتها على منصات التواصل، وتحديد سؤال حلقة الفترة الصباحية لمشاركة أكبر قدر من جمهور المستمعين وتفاعلهم معها.
وتتابع نيلوفر تابعت كلامها: «لا أعلم كيف أصف لك مشاعري عندها يردني اتصال من داخل سوريا، فأنا وكل الزملاء ننتظر ما يقوله لنا، حقيقة نتعلم من أهلنا بسوريا ونتلقى طاقة إيجابية وأمل ببكرة أحلى».
غير أنّ تجارب كثيرة نجحت بالعمل الإذاعي واحتلّت حيّزاً من الاهتمام، وراكمت خبرة وتجربة خلال عملها وانطلاقها، وأسست أرضية يمكن البناء عليها والإفادة منها، بحسب إيمان حمراوي والتي تعمل محرّرة في «روزنة» منذ بداية 2018.
حيث اكتسبت خبرات عديدة خلال عملها مع الراديو وتعلمت الكتابة الإذاعية، وتقول إيمان: «العمل ممتع وتندمج خلاله في الحياة اليومية، فمن خلال كتابة مواد خدمية ومواد اجتماعية وغيرها من التقارير المنوعة التي تقدم الفائدة وإضافة جديدة لقراء ورواد الراديو»، وعن مشاعرها بالعمل في إذاعة سورية وكادر من أبناء بلدها عبرت أماني قائلة: «إن تعمل دفاعاً عن قضية أو مبادئ تؤمن بها هو شيء يمنحك الرضا، أشعر بالحزن بعد تغطية معاناة السوريين وكتابة أوجاعهم كما أحاول نقل غضبهم ومطالبهم».
منذ انزلقت سوريا إلى الحرب الأهلية قبل ثماني سنوات، تسببت بسقوط مئات الآلاف من القتلى وأحدث دماراً هائلاً في البنى التحتية، الأمر الذي دفع نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها حيث تسببت في أسوأ أزمة لاجئين في العالم.
ويقدم المذيع عروة قنواتي الفقرة الرياضية الأسبوعية: «سمعني سبور»، تتضمن الأخبار الرياضية المحلية والعالمية، ويخاطب مشجعي الفرق الدولية والعربية والسورية، وينقل معاناة السوريين ليقول: «الحرب السورية تسببت بمقتل 515 ضحية من الرياضيين من بينهم 111 لاعب كرة قدم مسجلين باللوائح السورية والعربية، واختتم حديثه قائلاً: «كما لا تزال لاعبة الشطرنج الدكتورة رانيا العباسي معتقلة مع 6 من أطفالها ولا يعلم أحد عن مصيرهم شيء، فالرياضة مثلها مثل باقي قطاعات الحياة تأثرت بالحرب الدائرة منذ سنوات».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».