مقتل جنديين أميركيين في أفغانستان

كابل و{طالبان} تتبادلان مزاعم هجمات وعشرات القتلى

جنديان أميركيان في حالة تأهب أثناء زيارة قائد قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لنقطة تفتيش  تابعة للجيش الوطني الأفغاني في منطقة نيرخ بمقاطعة وارداك الشهر الماضي (أ.ف.ب)
جنديان أميركيان في حالة تأهب أثناء زيارة قائد قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لنقطة تفتيش تابعة للجيش الوطني الأفغاني في منطقة نيرخ بمقاطعة وارداك الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

مقتل جنديين أميركيين في أفغانستان

جنديان أميركيان في حالة تأهب أثناء زيارة قائد قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لنقطة تفتيش  تابعة للجيش الوطني الأفغاني في منطقة نيرخ بمقاطعة وارداك الشهر الماضي (أ.ف.ب)
جنديان أميركيان في حالة تأهب أثناء زيارة قائد قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لنقطة تفتيش تابعة للجيش الوطني الأفغاني في منطقة نيرخ بمقاطعة وارداك الشهر الماضي (أ.ف.ب)

قبل بدء الجولة الجديدة من المفاوضات التي قد تكون الأخيرة قبل توقيع الاتفاق بين طالبان والمبعوث الأميركي زلماي خليل زاد، قالت بعثة الدعم الحازم التي يقودها حلف شمال الأطلسي في بيان إن جنديين أميركيين قتلا في أفغانستان أول من أمس، بينما تسعى الولايات المتحدة للتوصل إلى نهاية للحرب المستمرة منذ نحو 18 عاما عبر المفاوضات. ولم تذكر البعثة مزيدا من التفاصيل وحجبت اسمي القتيلين لحين إبلاغ ذويهما.
ويرتفع بذلك عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في أفغانستان إلى 14 على الأقل خلال هذا العام. ويرابط نحو 14 ألف جندي أميركي في أفغانستان في إطار مهمة حلف الأطلسي التي تقودها الولايات المتحدة لتدريب ومساعدة القوات الأفغانية وتقديم النصح لها ولتنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الثلاثاء إن الدور العسكري الأميركي في أفغانستان تحول أساسا إلى قوة شرطة «سخيفة» وذلك في دلالة على أنه مستعد لسحب القوات الأميركية من هناك بعد 18 عاما من الحرب.
وعبر ترمب عن استعداده لسحب بعض القوات الأميركية من هناك لكنه قال إنه يتعين إبقاء شبكة استخبارات أميركية على الأرض. ويثير أي انسحاب للقوات الأميركية المخاوف داخل الجيش الأميركي وبين بعض المشرعين من أن تنزلق أفغانستان إلى حرب أهلية جديدة قد تشهد عودة حكم طالبان وتوفير ملاذ لتنظيم القاعدة وغيره من المنظمات المتشددة يمكن من خلاله توسيع نطاق الهجمات والتآمر على شن هجمات جديدة ضد أهداف للولايات المتحدة وحلفائها.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلا عن القيادة العسكرية الأميركية بأن الجنديين كانا من القوات الخاصة وقتلا في عملية عسكرية أثناء القتال إلى جانب القوات الأفغانية في ولاية فارياب شمال غربي باكستان». وقال عبد المنان قاطع حاكم مديرية في فارياب «قواتنا الخاصة والقوات الأميركية قامت بعملية الليلة الماضية واستمر القتال حتى الواحدة بعد منتصف الليل». وهو ما يعني أن القوات الأميركية تشارك بهجمات قتالية عنيفة في الصراع ضد قوات طالبان رغم قول الإدارة الأميركية بأن قواتها فقط تقدم استشارات وتدريبا للقوات الأفغانية التي تتلقى خسائر بشرية تزيد عن عشرين قتيلا يوميا حسبما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر عسكرية أفغانية. وصعدت قوات الحكومة الأفغانية وقوات طالبان هجماتهما فيما دبلوماسيون أميركيون يفاوضون مندوبي المكتب السياسي لحركة طالبان في الدوحة للتوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين يسمح بانسحاب القوات الأميركية والأجنبية من أفغانستان في مدة محددة مقابل تعهد طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية من جماعات مسلحة لشن هجمات ضد المصالح الأميركية في العالم. وزادت القوات الأميركية في أفغانستان من شن الغارات الجوية على مواقع طالبان في العديد من الولايات الأفغانية كما زادت مشاركة القوات البرية الأميركية في التصدي لهجمات طالبان في عدد من الولايات منذ تولي الجنرال سكوت ميلر قيادة هذه القوات حيث زاد عدد وحدات القوات الخاصة الأميركية.
وكانت حركة طالبان قالت في بيان لها إن قواتها في ولاية فراه غرب أفغانستان نصبت كمينا لقوات الشرطة الأفغانية في منطقة بوشت كوه مما أدى إلى مقتل ثلاثة من رجال الشرطة والاستيلاء على سيارة لهم، كما لقي شرطيان أفغانيان مصرعهما في ولاية هلمند الجنوبية بعد نصب كمين لهم في منطقة سارا غودار في مدينة لشكر جاه مركز ولاية هلمند، فيما لقي خمسة من رجال الشرطة الأفغانية مصرعهم في ولاية بلخ وجرح سادس بعد نصب كمين لهم من قبل قوات طالبان ووقوع اشتباك بين الطرفين في منطقة خاص بلخ. ودمرت قوات طالبان حسب بيان لها دبابة حكومية في العملية. وهاجمت قوات طالبان الليلة الماضية مركزا أمنيا للقوات الحكومية في نفس المنطقة مما أدى إلى مقتل اثنين من أفراد الجيش الأفغاني فيما قتل ثلاثة آخرون في منطقة شولجر.
وشهدت ولاية بلخ سلسلة اشتباكات أخرى في منطقة تشار بولاك حيث أفضت إلى مقتل عشرة من الجنود الحكوميين وإصابة ثلاثة آخرين حسب بيانات لحركة طالبان.
وفي بيان آخر لقوات طالبان أعلنت إسقاط طائرة أميركية في منطقة دو آب في ولاية سمنجان الليلة الماضية حيث هوت إلى الأرض ككتلة نيران ملتهبة.
من جانبها قالت الحكومة الأفغانية إن قواتها شنت غارة جوية على قوات طالبان في ولاية فراه غرب أفغانستان تمكنت خلالها من قتل أحد قادة طالبان الميدانيين في منطقة بالا بولاك، وأشار بيان الحكومة الأفغانية إلى أن الغارة الجوية أدت إلى مقتل حافظ قدرت أحد قادة طالبان في ولاية فراه المجاورة للحدود مع إيران كما قتل في الغارة خمسة من مقاتلي قوات طالبان.
وأعلنت الحكومة الأفغانية أن قواتها ردت بقصف مدفعي على القوات الباكستانية عبر خط ديوراند الفاصل بين البلدين، وقال الناطق باسم الرئاسة الأفغانية صديق صديقي إن القوات الباكستانية أطلقت صواريخ على الأراضي الأفغانية مما استوجب الرد عليها بقصف مواقع القوات الباكستانية بالمدفعية. وكان مسؤولون عسكريون أفغان قالوا إن القوات الباكستانية أطلقت مئات من قذائف المدفعية على ولاية كونر الحدودية الأفغانية خلال الأيام القليلة الماضية. ونقلت وكالة خاما بريس عن عبد الستار ميرزاكوال حاكم كونار قوله إن القذائف الباكستانية سقطت في منطقة دنغام، شلتان، وناري في ولاية كونر الحدودية لكنها لم توقع إصابات أو خسائر مادية. ونقلت وكالة خاما بريس عن فيلق سيلاب قوله إن 13 من عناصر تنظيم داعش استسلموا للقوات الحكومية في ولاية كونر، وقال فيلق سيلاب إنه سيواصل حملته على بقايا عناصر تنظيم داعش في ولاية كونر وبقية المناطق.
وأصدر فيلق شاهين في الشمال الأفغاني بيانا قال فيه إنه شن غارات جوية على مواقع لقوات طالبان في ولاية بلخ الشمالية استهدفت مواقع في مديرية زارا، وأدت إلى مقتل 20 من قوات طالبان وجرح آخرين، كما دمرت عددا من مخازن الأسلحة التابعة لقوات طالبان في المنطقة.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended