على وقع السلام... نساء أفغانستان يتخوفن من عودة الزمن إلى الوراء

تبلغ نسبة تمثيلهن في البرلمان 28 %

طفلات أفغانيات يدرسن في أحد المخيمات بعد تهدم مدرستهن بفعل الحرب مع «طالبان» (نيويورك تايمز) - (في الإطار) السفيرة الأفغانية رويا رحماني (نيويورك تايمز)
طفلات أفغانيات يدرسن في أحد المخيمات بعد تهدم مدرستهن بفعل الحرب مع «طالبان» (نيويورك تايمز) - (في الإطار) السفيرة الأفغانية رويا رحماني (نيويورك تايمز)
TT

على وقع السلام... نساء أفغانستان يتخوفن من عودة الزمن إلى الوراء

طفلات أفغانيات يدرسن في أحد المخيمات بعد تهدم مدرستهن بفعل الحرب مع «طالبان» (نيويورك تايمز) - (في الإطار) السفيرة الأفغانية رويا رحماني (نيويورك تايمز)
طفلات أفغانيات يدرسن في أحد المخيمات بعد تهدم مدرستهن بفعل الحرب مع «طالبان» (نيويورك تايمز) - (في الإطار) السفيرة الأفغانية رويا رحماني (نيويورك تايمز)

تقول السيدة رويا رحماني سفيرة أفغانستان لدى الولايات المتحدة: «لا بد لأفغانستان من التحرر من الخوف والإساءة، بموجب اتفاق السلام النهائي». يثير الاتفاق المزمع إبرامه بين الولايات المتحدة وحركة «طالبان» بشأن المحادثات الجديدة مع كابل، المخاوف حول فقدان المرأة الأفغانية حقوقها في الحكومات الأفغانية المستقبلية.
لم تكن السيدة رويا رحماني تنحدر من العائلات المالكة أو من الأسر السياسية القوية، ومن ثم كانت متفاجئة تماماً من نبأ تسميتها أول امرأة أفغانية تمثل بلادها كسفيرة أفغانية رسمية لدى الولايات المتحدة الأميركية. وهي تدرك السبب وراء ذلك الآن: تبعث الحكومة الأفغانية برسالة تفيد بالتزام كابل بضمان حقوق المرأة في الوقت الذي تعمل فيه إدارة الرئيس ترمب على مسار السلام مع حركة «طالبان».
تتذكر السيدة رحماني، الناشطة الحقوقية المخضرمة، الأوضاع التي كانت تعانيها أفغانستان خلال عقد التسعينات إبان سنوات حكم حركة «طالبان»، عندما كانت النساء يتعرض للضرب والمهانة بسبب مغادرة المنازل، مع الحرمان الكامل من التعليم أو العمل. وتقول في مقابلة أُجريت معها الأسبوع الجاري: «نتخوف من عودة الزمن إلى الوراء، لقد استنزفوا الأمل من قلوب الناس، كانوا كمثل الموتى الأحياء آنذاك»، وهي تلاحظ الآن أن المرأة الأفغانية تمثل 28% من الجمعية الوطنية الأفغانية (البرلمان الأفغاني)، وهي نسبة تفوق تمثيل المرأة في كونغرس الولايات المتحدة الأميركية.
لكن، مع تحرك حركة «طالبان» والولايات المتحدة الأميركية على مسار اتفاق السلام المبدئي –الذي يُتوقع الإعلان عنه في غضون أيام– تتزايد المخاوف الداخلية في أفغانستان بشأن فقدان المرأة الأفغانية المكاسب التي تمكنت من تحقيقها خلال العقدين الماضيين من الزمان.
ومن المتوقع للاتفاق المشار إليه، الذي استمرت محادثاته عبر الشهور الأخيرة بين المسؤولين من الإدارة الأميركية وممثلين عن حركة «طالبان» الأفغانية، أن يضع الخطوط العريضة المعنية بانسحاب 14 ألف جندي أميركي من البلاد في نهاية المطاف ثم تمهيد الطريق لإجراء محادثات أخرى بين الحركة والحكومة الأفغانية في المستقبل. وأشار المسؤولون إلى أنه من غير المنتظر أن يشتمل الاتفاق المبدئي على بنود محددة تضمن حصول المرأة الأفغانية على نصيبها من الفرص المتساوية في التعليم، والتوظيف، والحكومة.
ومن المفترض مناقشة حقوق المرأة الأفغانية في المباحثات المستقبلية، مما قد يسفر عن اتفاقية لتقاسم السلطة بين الحكومة الأفغانية وحركة «طالبان». رغم تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين والأفغان أن حركة «طالبان» تبدو أكثر قبولاً لمسألة حقوق المرأة هذه المرة مقارنةً بالماضي. إلا أن بعض المسؤولين تساورهم المخاوف بشأن حصول المرأة الأفغانية على حقوق «شفهية مجردة» ضمن بنود الاتفاق النهائي، أو تجاهلهن دونه بالكامل.
تقول السيناتورة الأميركية جيان شاهين، الديمقراطية من نيوهامشير، وهي السيدة الوحيدة في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في الكونغرس: «أعربت المرأة الأفغانية عن موقفها بكل صراحة ووضوح أنهن يرغبن في السلام من دون اضطهاد».
وأضافت أن الإدارة الأميركية الحالية في حاجة إلى الإدراك التام أن النساء الأفغانيات يمثلن أعظم ما تملكه أفغانستان من أصول لتعزيز قضية الحرية في تلك البلاد التي مزقتها الحروب، وأنه لا يجب لحقوقهن ومستقبلهن أن يضيعا ضمن طيات المداولات والمفاوضات الجارية.
بعد إطاحة الجيش الأميركي بحكم حركة «طالبان» من السلطة في أفغانستان عام 2001 بهدف ملاحقة تنظيم «القاعدة» وزعيمه أسامة بن لادن، تمكنت المرأة الأفغانية من مغادرة المنازل بحثاً عن التعليم والعمل. وهناك اليوم أكثر من 3.5 مليون فتاة مسجلة في المدارس بمختلف مراحلها، وأكثر من 100 ألف امرأة أفغانية ملتحقة بالجامعات وفقاً لتقديرات وزارة الخارجية. ويقدر المحللون الأميركيون أن ما يقرب من 85 ألفاً من النساء الأفغانيات يعملن في مهن التدريس، والمحاماة، والشرطة، والرعاية الصحية. وهناك أكثر من 400 امرأة أفغانية دخلت المضمار السياسي في الانتخابات العامة التي أُجريت الخريف الماضي.
بيد أن أكثر ما حققته المرأة الأفغانية من مكاسب موزع بين العاصمة كابل وكبريات المدن الأفغانية الأخرى. وفي السنوات الأخيرة، تمكنت حركة «طالبان» من بسط المزيد من السيطرة والنفوذ على المناطق الريفية من البلاد. وتسيطر الحركة على نحو 10% من سكان البلاد –أي ما يمثل 59 مقاطعة من مقاطعات البلاد البالغ عددها 407 مقاطعات، وذلك وفقاً لمكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان. وهناك نزاع قائم ومستمر على 119 مقاطعة أفغانية أخرى.
يحاول المسؤولون الأميركيون والأفغان، في المرحلة الثانية من محادثات السلام، الإصرار على الوقف الدائم لإطلاق النار. غير أن هذا الإجراء لن يضمن للمرأة الأفغانية السلام التام كما قالت السفيرة رويا رحماني.
وأضافت السفيرة رحماني: «عندما نتحدث عن السلام، والبيئة السلمية لجميع المواطنين، فإننا لا نتحدث فقط عن اختفاء الأسلحة والرصاص والقنابل، وإنما نتحدث عن بيئة يتوافر فيها الأمن الإنساني، حيث يعيش المواطنون في غياب تام لكل أشكال العنف، ولا أقصد العنف البدني فقط، وإنما العنف المعنوي كذلك. لا بد لأفغانستان كي تتحرر تماماً أن تكون خالية من جميع أشكال الخوف والإساءة».
ونشأت السيدة رويا رحماني في العاصمة الأفغانية كابل، وهي تبلغ من العمر الآن 41 عاماً، ولكنها انتقلت إلى الحياة في مدينة بيشاور الباكستانية المجاورة للحدود الأفغانية، وذلك بعد اندلاع الحرب الأهلية الأفغانية في عام 1992 تلك التي سارعت من صعود حركة «طالبان» داخل البلاد. وفي رحلة زيارة إلى كابل رفقة عائلتها في عام 1998، كما تتذكر، أصيبت بصدمة مروعة لما شاهدته من خراب ودمار تحولت بسببه العاصمة إلى شبه مدينة أشباح، بلا بنية تحتية أو موارد أو مرافق، وحيث يضع الناس الأغطية الثقيلة على النوافذ للحيلولة دون تلصص شرطة «طالبان» الدينية على المنازل ورؤية ما بداخلها، الذي مهما بدا عادياً أو حميداً فإنه يستحق العقاب.
ومن المتوقع للنقاش حول قضية حقوق المرأة الأفغانية في الاتفاق النهائي أن يثير انقسامات واسعة النطاق على طول طيف التفسيرات المختلفة لدور المرأة في الإسلام بين مختلف الأطراف المعنية.
ووفق الدستور الأفغاني، المعتمد رسمياً في البلاد اعتباراً من عام 2004، يتمتع الرجال والنساء في المجتمع الأفغاني بحقوق وواجبات قانونية متساوية، ويحظر الدستور تماماً التمييز بينهم، وينص على توفير فرص التعليم المتوازن للمرأة الأفغانية. كما ينص كذلك على أن جميع القوانين والأحكام والبنود تلتزم بالأحكام والعقيدة.
وفي بيان صادر في فبراير (شباط) الماضي، قالت حركة «طالبان» إنها تدرك تماماً أن للمرأة حقوقاً محددة في الإسلام، بما في ذلك حق التعليم وحق العمل، وحقوق الميراث، والملكية، وحرية اختيار الأزواج. وتابعت الحركة تقول في البيان الذي صدر في منتدى موسكو: «تقوم سياسة الحركة على حماية حقوق المرأة بطريقة لا تعد انتهاكاً لحقوقها المشروعة، ولا تتعدى على كرامتها الإنسانية، ولا تهدر القيم الأفغانية العريقة». غير أن البيان ذاته عاد فوصف التأثيرات غير الأخلاقية وغير اللائقة من جانب الغرب والتي شجعت المرأة الأفغانية على انتهاك العادات والتقاليد الأفغانية المحترمة تحت شعار حماية حقوق المرأة، وأشار البيان كذلك إلى نشر المسلسلات الدرامية الغربية التي لا تحترم التقاليد الإسلامية ولا تعتد بالعادات الأفغانية مما يؤدي إلى إفساد النساء الأفغانيات.
• «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)

تهمة «إرهاب الدولة» تنسف ما تبقّى من ثقة بين الجزائر وفرنسا

وصفت الجزائر علاقاتها مع فرنسا، في ظل التوترات المستمرة منذ نحو عامين، بأنها تمرّ بحالة من «الرِدّة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (أ.ف.ب)

الأمن المغربي يفكّك خلية إرهابية في 4 مدن

تمكّنت قوات الأمن المغربي، خلال الـ24 ساعة الماضية، من تفكيك خلية إرهابية تتكون من ستة أشخاص في أربع مدن مغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شؤون إقليمية انتشار كثيف للشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقرُّ القنصلية الإسرائيلية في حي بيشكتاش بإسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين استهدفوه الثلاثاء (أ.ف.ب)

استهداف القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول... والشرطة تقتل مهاجماً وتقبض على اثنين

حددت السلطات التركية هوية 3 أشخاص اشتبكوا مع عناصر الشرطة، التي تتولى تأمين مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول؛ ما أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة الآخرَين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس (رويترز)

حاكم فلوريدا يوقع قانون تصنيف «الإرهاب» ويثير مخاوف إزاء حرية التعبير

وقع حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس قانوناً يمنحه وغيره من مسؤولي الولاية سلطة تصنيف الجماعات «منظمات إرهابية»، وطرد الطلاب الذين يدعمونها.

«الشرق الأوسط» (فلوريدا)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.