«أصحاب المقامات» هو عنوان المعرض الفوتوغرافي للمياء أبي اللمع التي استخدمت فيه إضافة إلى عدسة كاميرتها، لغة الجسد لتعرّفنا على 45 شخصية سياسية ودينية معروفة في لبنان. فبدءا بالزعماء ميشال عون ووليد جنبلاط وسمير جعجع ومرورا بالرؤساء ميشال سليمان وإميل لحود ونجيب ميقاتي وسليم سلام ووصولا إلى البطركين بشارة الراعي ومار نصر الله بطرس صفير والشيخ عبد الأمير قبلان وغيرهم، شكّلت الفنانة مجموعة الأسماء التي تضمنتها لائحة معرضها.
فالمصوّرة اللبنانية التي عاشت معظم حياتها خارج لبنان، استفزّها عند عودتها افتقاد زعماء السياسة للغة حوار تجمعهم مع بعضهم البعض، فحزنت لحالتهم وقررت أن تجعلهم يتحاورون على طريقتها مجتمعين في معرض فوتوغرافي واحد. وقالت الفنانة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما التقيتهم تعرّفت إليهم وأحببتهم فزاد إصراري على ضرورة جمعهم في مكان واحد ليتحاوروا سويا ولو عبر كاميراتي وهكذا حصل».
استخدمت لمياء أبي اللمع عدستها لتجرّدهم من مقاماتهم ولو للحظات قليلة، فكشفت عن الوجه الآخر لهم فبدوا حقيقيين وعلى طبيعتهم. وإضافة إلى لغة الجسد التي أرادتها لمياء أبي اللمع أسلوبا مختلفا يتعرّف من خلاله اللبنانيون على حكامهم وزعمائهم عن كثب، فقد أصرت أن تقوم بعملية تصويرهم في أماكن خاصة من منازلهم أو من مكاتبهم أو حتى في غرف نومهم. هذه الخصوصية التي اعتمدتها في قلب الصورة وقالبها ميّزت معرضها الفوتوغرافي عن غيره من المعارض واضعة الفن في خدمة المواطن.
كل صورة من الصور التي يتضمنها المعرض، تأخذك إلى عالم صاحبها وشخصيته وحتى إلى أوضاعه النفسية ونقاط ضعفه وطريقة تفكيره. فالرئيس نبيه برّي مثلا الذي التقطت له لمياء أبي اللمع صورا فوتوغرافية في غرفة نومه وعلى سريره بالتحديد، جاءت هندستها المعمارية لتشكّل خلفية نافرة للعين، فربطت فيما بينها وبين الأسلوب السياسي الذي يتبعه عادة الرئيس برّي في تدوير الزوايا لحلّ الخلافات السياسية بين أربابها.
أما الدكتور سمير جعجع الذي صوّرته في الإطار نفسه فعرّفتنا على غرفة نومه البسيطة التي تغطي المرايا معظم جدرانها، وقد وضع على السرير لعبة على شكل دب مصنوعة من نسيج البلّوش (Peluche) الأزرق (تلقاه هدية من زوجته ستريدا) للدلالة على الطفل الكبير الذي يسكنه. أما النائب سليمان فرنجية فوصفت صورته التي تظهر يديه إحداهما مفتوحة والأخرى منغلقة وذات نظرة غير ثابتة بأنها تدلّ على حالتي القلق والتردد اللتين يعيشهما في تصرّفاته وتفكيره. ويبدو الجنرال ميشال عون مرتاحا لوضعه وهو يبسط بكفي يديه على ركبتيه اللتين أخذتا حجما أكبر من بقية أعضاء جسمه (للدلالة على حبّه للسيطرة)، وتظهر وراءه لوحة لإحدى الحروب التاريخية للإشارة إلى براعته في فن التنظيم الحربي.
وتقول لمياء أبي اللمع لـ«الشرق الأوسط» معلّقة عن سبب إظهارها اليدين لشخصيات صورها: «في عدستي أركز على ثلاث نقاط: العيون واليدين ومجمل الجسم. فبرأيي أن النقطتين الأوليين تعرّفنا ودائما بلغة الجسد إلى طبع الشخص وكذلك إلى حسناته وسيئاته وإلى عناوين أفكاره الرئيسية وكلّ ذلك في استطاعة زائر المعرض أن يلاحظه من النظرة الأولى للصور».
ونشاهد في المعرض أيضا صورتين لآل الحريري إحداهما للرئيس سعد والثانية للنائبة بهية الحريري. في الأولى التي التقطت في مكتبه نلاحظ حضورا طاغيا لوالده الراحل رفيق الحريري من خلال صوره المنتشرة إلى جانبه وخلفه والتي تشير إلى مدى تأثّر الابن بأبيه، أما النائبة بهية الحريري فتقدّمها الفنانة في مراحل مختلفة من حياتها والتي نقلتها لنا من خلال عدّة صور فوتوغرافية وضعتها النائبة على آلة البيانو في دارتها. فنتعرّف إلى بهية الحريري الشابة والزوجة والأخت الحزينة على فراق أخيها.
الرئيس ميشال سليمان ظهر بعدسة لمياء أبي اللمع هادئا يجلس على كرسيه وبقربه العلم اللبناني، فيما يظهر الرئيس الأسبق أمين الجميّل منكمشا على نفسه غير مرتاح في جلسته العربية على درج إحدى زوايا قبو منزله في بكفيا، بينما يطلّ علينا الرئيس إميل لحود في صورة أخذتها له الفنانة اللبنانية في اللحظة الأخيرة وهي تغادر منزله وأظهرته يضحك ضحكة عريضة واضعا يديه في جيبيه فبدا هازئا من كل ما يحصل حوله.
أما الرؤساء الروحيون فالتقطتهم عدسة المصوّرة اللبنانية بطريقة جذّابة تدفع بالناظر إلى صورهم التمعّن فيها للحظات طويلة. فالبطريرك مار نصر الله بطرس صفير وقف وسط صالون البطريركية وحيدا ونظره موجه إلى وسط الصالون حيث الكرسي البطريركي. أما البطريرك بشارة الراعي فهو الشخصية اللبنانية الوحيدة الذي وضعته المصوّرة ينظر إلى نفسه بالمرآة فبدا وكأن الصورة تتضمن صورتين له وهو يقف إلى جانب نافذة عريضة تطلّ على جبل لبنان. أما الشيخ عبد الأمير قبلان (أمين عام المجلس الشيعي في لبنان) فبدا في الصورة مفكّرا تظهر تعابير وجهه قلقه من الغد.
ولكن كيف استطاعت لمياء أبي اللمع أن تقنع تلك الشخصيات بالوقوف أمام عدسة كاميرتها القديمة الطراز (هاسل بلاد) وهل هي على معرفة سابقة بهم؟ تردّ: «هو بالتأكيد سرّ المهنة، فأنا لا أعرفهم ولم يسبق لهم أن سمعوا باسمي، وقد اتبعت أسلوب الإصرار وتكرار الاتصالات بهم لأصل إلى مرادي، وعندما كنت ألتقيهم كنت أحدثهم وكأنني على علاقة بهم منذ زمن بعيد، فيحدث انسجام تام بيننا بسرعة فأقوم بمهمتي على أكمل وجه تماما كالطبيب النفسي». أما أكثر ما لفتها في لقاءاتها بتلك الشخصيات فهو الوجود الكثيف للحراس الشخصيين لهم (body guards) وحتى في غرف نومهم. وعلّقت قائلة: «هؤلاء يرافقونهم في كل خطوة يقومون بها مما جعلني أستعين بهم لإدارة الإضاءة أو تحديد المكان الذي أرغب أن أصورهم فيه، وقد استخدمت أحدهم من بين حرّاس الرئيس تمام سلام في إطار صورته لأظهر ضرورة وجودهم في حياتهم».
ومن الشخصيات التي صوّرتها أيضا الوزير الأسبق كريم بقرادوني الذي احتلّت نظارته المساحة الأكبر منها فبدا أقرب إلى شخصية كارتونية منها إلى رجل سياسي، أما فارس بويز (وزير أسبق) فالتقطت له صورة قرب دبّ ضخم أسود (مصبّر) رافعا يديه وكاشفا عن أنيابه يثير الريبة بناظره من الوهلة الأولى، فيما جاءت صورة اللواء أشرف ريفي وهو يجلس على مقعد مريح في إحدى زوايا منزله ووراءه لوحة زيتية تمثّل مقاومة رجال لأمواج بحر هائج، معبّرة تنقل تمتعه بالاتزان والرصانة حتى في أصعب الظروف التي يعيشها وكذلك احتفاظه بنواياه الحقيقية لنفسه. وتبرز صورة الرئيس فؤاد السنيورة واقفا وسط صالون دارته المغطى بالسجاد العجمي تماما كالرجل العسكري في استراحة المحارب الذي انتهى من أداء مهامه على أكمل وجه كما شرحت لنا لمياء أبي اللمع. أما الوقت الذي استغرقته للقيام بجلساتها التصويرية حسب ما ذكرته لنا فلم يتجاوز الدقائق الأربع للشخصية الواحدة.
ومن المقرر أن تضع لمياء أبي اللمع «أصحاب المقامات» ضمن كتاب يجمعهم سويا وتقول: «صحيح أنني واجهت مصاعب عدة لتصويرهم وخضت جولات مصارعة وكباش في الكلام معهم لكي يرضخوا لمطلبي ولكني سعيدة بالنتيجة التي وصلت إليها وكتابي المقبل هو أكبر دليل على ذلك».
«أصحاب المقامات» صور فوتوغرافية تعرّف بـ45 شخصية لبنانية
لمياء أبي اللمع التقطتها بعدستها الثاقبة فظهروا على حقيقتهم
سعد الحريري
«أصحاب المقامات» صور فوتوغرافية تعرّف بـ45 شخصية لبنانية
سعد الحريري
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

