لماذا اندلعت احتجاجات هونغ كونغ؟... وما نتيجتها التوقعة؟

محتجون يضعون الأقنعة الواقية من الغاز في مطار هونغ كونغ (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب)
محتجون يضعون الأقنعة الواقية من الغاز في مطار هونغ كونغ (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب)
TT

لماذا اندلعت احتجاجات هونغ كونغ؟... وما نتيجتها التوقعة؟

محتجون يضعون الأقنعة الواقية من الغاز في مطار هونغ كونغ (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب)
محتجون يضعون الأقنعة الواقية من الغاز في مطار هونغ كونغ (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب)

تواجه هونغ كونغ أزمة سياسية هي الأخطر منذ عقود، إثر الاحتجاجات التي اندلعت في 9 يونيو (حزيران)، للتنديد بمشروع قانون حكومي يهدف إلى السماح بتسليم مطلوبين إلى بكين والتي اتسعت للتنديد بالحكومة المحلية الموالية لبكين، والمطالبة بإصلاحات. وتسبب الاعتراض على مشروع القانون في خروج أكبر مظاهرات سياسية منذ سلمت بريطانيا السلطة في هونغ كونغ إلى الصين عام 1997.
الصين تصف احتجاجات هونغ كونغ بـ«شبه الإرهابية»... وعودة العمل بالمطار
ونزل عشرات آلاف المتظاهرين وغالبيتهم من الشباب المعارضين لحكومة هونغ كونغ إلى الشارع مطالبين رئيسة الحكومة بالتنحي، ورافضين مشروع القانون. وصعّد المتظاهرون تحركاتهم مقتحمين مقر البرلمان في الأول من يوليو (تموز) بعد أن كسروا الأبواب الزجاجية الخاصة به واعتصموا في المطار الدولي منددين بـ«وحشية الشرطة» ضد المتظاهرين.
ورغم أن الحكومة المحلية علقت العمل بمشروع القانون لاحتواء غضب الشارع، فإن المحتجين طالبوا بإلغائه تماماً. واندلعت المواجهات قبيل انقضاء مهلة حددها المتظاهرون للحكومة لسحب مشروع القانون.
ولم تستجب رئيسة الحكومة كاري لام لأي من مطالب المحتجين، التي شملت مطالبتها بالتنحي عن منصبها، وتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في «وحشية» الشرطة، ويقول المحتجون إنهم سيستمرون حتى تستجاب جميع مطالبهم.
وأدت عشرة أسابيع من الصدامات العنيفة المتزايدة بين الشرطة والمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، إلى التأثير سلباً على الشركات التي تتخذ من المركز المالي الآسيوي العالمي مقراً لها وذلك في أسوأ أزمة لهذا المركز منذ عاد من الحكم البريطاني إلى الصين في عام 1997.
هونغ كونغ... في سطور
ما زالت هونغ كونغ تتمتع باستقلاليَة عالية ونظام سياسي مختلف عن ذاك في البر الصيني، وذلك وفق مبدأ «بلد واحد، نظامان مختلفان» الذي يُكرِس للمدينة حكمها الذاتي. فللمدينة استقلالية قضائية تتبع هيكلها للقانون العام. كما أنَ لديها قانوناً أساسياً مستقلاً، وينصُ دستورها الذي وُضِعَ عقب نقل ملكيتها من بريطانيا إلى الصين على أنَها ستحوز «درجة من الاستقلالية» في كلِ جوانب الدولة. لها عملتها ونظامها السياسي وهويتها الثقافية.
وكثير من سكان هونغ كونغ لا يرون أنفسهم صينيين، بل هم من أهالي هونغ كونغ.
طُبِق نقل ملكية هونغ كونغ من المملكة المتحدة إلى جمهورية الصين الشعبية في الأول من يوليو عام 1997. لينتهي بذلك رسمياً الاستعمار البريطاني عليها الذي دام لـ150 عاماً. وأصبحت هونغ كونغ أول منطقة إدارية خاصة لجمهورية الصين الشعبية، وفق شبكة «سي إن إن».
وفي حين أن هونغ كونغ عادت إلى الحكم الصيني عام 1997، إلا أنها تتمتع بنظام قانوني منفصل حتى عام 2047 بموجب ترتيب «دولة واحدة ونظامان».
واليوم، ما زال النظام القانوني في هونغ كونغ يعكس النموذج البريطاني، ويمنح الشفافية والإجراءات القانونية الواجب تنفيذها.
قانون هونغ كونغ الأساسي يضمن الحريات غير المتاحة في البر الرئيسي للصين مثل الحق في الاحتجاج والحق في حرية الصحافة وحرية التعبير.
وأحد المبادئ الأساسية في القانون الأساسي هو أن هونغ كونغ لها الحق في تطوير ديمقراطيتها الخاصة. وقد تعهد المسؤولون الصينيون السابقون بعدم تدخل الحكومة المركزية في بكين في ذلك.
لكن في السنوات الأخيرة، أعادت بكين مراراً وتكراراً إعادة تفسير القانون الأساسي، معلنة أنها تتمتع «بولاية قضائية كاملة» على هونغ كونغ.
واشترطت معاهدة تسليم الملكية أن تبقى هونغ منطقة إداريَة خاصة، بحيث تحظى بدرجة عالية من الحكم الذاتي لمدة 50 عاماً على الأقل بعد نقل الملكية. وسيكون قانون هونغ كونغ الأساسي - المشتقُ من القانون الإنجليزي - دستور المنطقة بعد نقل ملكيتها.
ويقول العديد من سكان هونغ كونغ إن الصين بدأت بالفعل في التعدي على هذه الحقوق.
بماذا يطالب المتظاهرون في هونغ كونغ؟
شهد صيف مدينة هونغ كونغ منذ يونيو مسيرات سلمية ضخمة، إضرابات في مختلف المؤسسات المهنية، واعتصامات انتهت بمواجهات عنيفة مع الشرطة. ووضعت لافتة كبيرة على مقر البرلمان بعد اقتحامه، كتب عليها: «لا يوجد مثيرو شغب، ليس هناك سوى طغيان»، وفق «شبكة سي إن إن».
واعترض محتجون مؤيدون للديمقراطية أمس (الثلاثاء)، طريق المسافرين المغادرين في عدد من الممرات في مطار هونغ كونغ، واعتقلوا شخصين مطلقين سراحهما لاحقاً، غداة اعتصام أجبر السلطات على إلغاء كل رحلات الوصول والمغادرة.
ووضع كثيرون منهم أداة جديدة عبارة عن ضمادة على العين أو ربطة رأس، تكريماً لامرأة أصيب وجهها بشكل بالغ الأحد خلال مظاهرة.
وامتلأت باحات الوصول في المطار بالمتظاهرين الذين رحبوا بالمسافرين القادمين بشعار «ناضلوا مع هونغ كونغ، ناضلوا من أجل الحرية».
لماذا الاعتصام في المطار الدولي؟
اختار المحتجون المطار الدولي باعتبار أنه المكان الأكثر أماناً على الإطلاق من الشارع، لكن سرعان ما تحوّل هذا المكان إلى ساحة مواجهات مع الشرطة التي حضرت بشكل كبير إلى المطار في اليوم الخامس من الاعتصام فيه أمس (الثلاثاء).
وتطلّع المحتجون في اختيارهم مطار هونغ كونغ أحد أكثر المطارات ازدحاماً في آسيا، إلى نقل رسالتهم مباشرة إلى المجتمع الدولي. وقد وزّع المحتجون منشورات باللغات الصينية والإنجليزية والفرنسية والكورية واليابانية وغيرها على الزوار الوافدين، توضح أسباب الاضطرابات - كما يراها المحتجون - ومطالب المعارضة. ووزعوا على السياح منشورات تتضمّن معلومات عن «مناطق سياحية جديدة»، ونصحت السياح بما يجب عليهم فعله إذا تم القبض عليهم في الاحتجاجات أثناء زيارتهم لتلك المناطق. ورحبوا بالمسافرين القادمين بشعار «ناضلوا مع هونغ كونغ، ناضلوا من أجل الحرية».
وأعيد فتح مطار هونغ كونغ، اليوم، وسط تحذيرات من أن حركة الطيران ستظل متأثرة بعد أن قالت الصين إن الاحتجاجات التي اجتاحت المدينة خلال الشهرين الماضيين بدأت تبدي مؤشرات على «الإرهاب».
ماذا يعني هذا بالنسبة لاقتصاد هونغ كونغ؟
ألغت سلطات هونغ كونغ، الاثنين، نحو 200 رحلة طيران بعد احتجاجات كبيرة عمّت أنحاء مطار المدينة الدولي، وفق شركة النقل الرئيسية في هونغ كونغ «كاثاي باسيفيك».
ولكن، التجمعات الكبيرة هذه لم تسبب ازدحاماً وعرقلة في عمليات المطار فقط، بل لعبت دوراً كبيراً في التأثير سلباً على الشركات التي تتخذ من المركز المالي العالمي مقراً لها.
وانعكست الاحتجاجات التي هزّت شوارع هونغ كونغ منذ عدة أشهر، طيلة فترة الصيف، بشكل ملحوظ حتى الآن على اقتصاد المدينة.
وكانت قد أعلنت غرفة التجارة الأميركية في هونغ كونغ الشهر الماضي أن الشركات قد أبلغت عن «عواقب وخيمة بسبب الاضطرابات»، من بينها إيرادات مفقودة، وتعطيل سلاسل توريد، واستثمارات متوقفة.
كما واجهت الشركات في هونغ كونغ، على الصعيدين الدولي والمحلي، ضغوطاً واتهامات بالعمل أو التعاطف مع المحتجين. وطلبت سلطات الطيران الصينية كاثاي باسيفيك، بمنع الموظفين الذين يشاركون في الاحتجاجات من السفر إلى الصين.
وفي العام الماضي، سافر أكثر من 74 مليون مسافر عبر مطار هونغ كونغ الذي يتعامل مع 1100 رحلة ركاب وشحن يومياً، ويخدم نحو 200 وجهة حول العالم.
ووفقاً لما قاله وزير النقل في هونغ كونغ فرانك تشان في مايو (أيار) ، فإن المطار يساهم بنسبة 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لهونغ كونغ، بشكل مباشر وغير مباشر.
ويقول المدير العام ورئيس تحرير موقع AirlineRatings.com جيفري توماس، المختص في شركات الطيران، إن ما حدث هو «كارثة بالنسبة لهونغ كونغ، ستكلف عشرات الملايين من الدولارات».
ماذا تقول الحكومة؟
وفي بيان صدر اليوم (الأربعاء)، شجبت شرطة هونغ كونغ «الأعمال المتطرفة والعنيفة التي قام بها المتظاهرون» في المطار، ووصف متحدث باسم الحكومة ما حدث في المطار بأنه تجاوز «الحد الأدنى للمجتمع المتحضر».
وركّزت التغطية الإعلامية في الصين على الاشتباكات والفوضى بين الشرطة والمتظاهرين الذين تم وصفهم من قبل وسائل إعلام صينية بـ«الغوغائيين والعنيفين والمجرمين».
وكان الناطق باسم مكتب شؤون هونغ كونغ وماكاو في مجلس الدولة الصيني، قال إن المحتجين «المتطرفين» الذين دأبوا على مهاجمة رجال الشرطة في الأيام الماضية قد ارتكبوا جرائم خطيرة وبدأوا بإظهار «سلوك إرهابي». وأضاف: «هذا انتهاك صارخ لحكم القانون والنظام الاجتماعي في هونغ كونغ، وهو ما يهدد حياة وسلامة مواطني هونغ كونغ».
وفي مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، قال السفير الأميركي السابق لدى الصين ماكس باكوس: «إذا اعتقدت بكين أن بإمكانها إسكات المحتجين فإن ذلك لن ينجح، وأعتقد أنها تعرف ذلك وتحاول إيجاد مخرج».
ما رأي البلدان الأخرى؟
قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس (الثلاثاء) إن «الاستخبارات الأميركية حذرت من أن الصين ترسل قواتاً إلى حدود هونغ كونغ»، وسط تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة في المدينة الصينية التي تتمتع بحكم ذاتي.
وكتب على «تويتر»: «يجب أن يبقى الجميع هادئين وسالمين».
وفي الوقت نفسه، أعرب النواب البريطانيون عن قلقهم إزاء الوضع «المزعج». وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية النائب طوم توغندهات إن «على المملكة المتحدة أن تنظر في مد حقوق المواطنة الكاملة لتشمل هونغ كونغ الصينية. وكان يجب أن يتم ذلك عام 1997 وهو خطأ يحتاج إلى تصحيح».
وكتب وزير الخارجية البريطاني، دومينيك راب، في حسابه على «تويتر»، أمس (الثلاثاء): «تقلقنا رؤية ما يحدث في هونغ كونغ والصور المريبة للاشتباكات بين الشرطة والمحتجين في المطار».



في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.