دينزل واشنطن لـ {الشرق الأوسط}: الشخصية الدفينة تجذبني ولا أمثل الأنماط

مهرجان سان سابستيان يحتفي به في دورته الـ 62

دينزل واشنطن في تورونتو
دينزل واشنطن في تورونتو
TT

دينزل واشنطن لـ {الشرق الأوسط}: الشخصية الدفينة تجذبني ولا أمثل الأنماط

دينزل واشنطن في تورونتو
دينزل واشنطن في تورونتو

يحتفل مهرجان سان سابستيان في دورته الـ62 التي انطلقت في 19 من هذا الشهر وتستمر حتى 27 منه، بالسينما على طريقته الخاصة. ليس فقط بأنه يعرض لنحو 265 فيلما في شتى عروضه، بل يحاول استعادة مكانته التي كانت قد تراجعت منذ الستينات وتعززت قليلا في مراحل مختلفة من الثمانينات قبل أن تتراجع مجددا.
قبل 40 سنة أو نحوها كان المهرجان ينافس «كان» الفرنسي على المركز الأول. مثله انطلق فعليا بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وفي وقت كانت فيه المهرجانات الرئيسة الأخرى، مثل برلين وفينيسيا لا تزال تحاول تلمّس طريقها. لكن مشكلته الأولى بعد ذلك هي أن عضد تلك المهرجانات اشتد وقوي بينما وجد نفسه محاصرا بمكتسباتها من الأفلام الأولى ومن الإقبال. والثانية أنه عومل، من قِبل جهات مختلفة بما فيها بعض إداراته السابقة، على أنه مهرجان لاتيني في الأساس يعرض للسينما الإسبانية ويسبر بنجاح غور السينما الواقعة في أميركا اللاتينية أساسا.
لا يهم أنه لم يكن ذلك تماما في أي وقت، لكن المهم أن هذه النظرة ساهمت بمقدار في جعله يبدو منزويا في ذلك الجزء الشمالي من مقاطعة الباسك التي بدورها، وخلال السنوات السابقة التي شهدت قلاقل صعبة، لم تسعفه في استكمال مسيرته الناجحة.
هذا الوضع يبدو قد تغيّر تماما في العامين الماضيين. ويتأكد ذلك هذا العام. الآن، يطرح مهرجان سان سابستيان نفسه كحضور مهم وقوي في ميدان العروض السينمائية المتخصصة وكمهرجان رئيس قد يضيفه المرء إلى مهرجاناته المعتمدة أو يستعيض به عن بعضها.
مهما يكن، فإن الدورة الحالية بدأت بالاحتفاء بممثل ذي مكانة عالمية وسمعة طيّبة اسمه دينزل واشنطن. طوال 4 عقود ونيّف خبر واشنطن نحو 50 دورا سينمائيا بحفنة من الأدوار المساندة من عام 1980 (بفيلم «كاربون كوبي» بطولة جورج سيغال وسوزان سانت جيمس) قبل أن يستولي على القيادة بأدوار قوية التأثير والحضور مثل دوره في «قصّة جندي» (1981) و«صرخة الحرية» (1987) ثم «مجد» (1989).
بعد ذلك، هو في صعود متواصل حتى اليوم، لاعبا شخصيات متعددة بأسلوب لا ينص على التنميط كسبيل وفي أفلام جيّدة مثل «مالكولم إكس» (الذي لعب فيه شخصية الداعي المسلم) و«ملف البجعة» و«فيلادلفيا» و«شجاعة تحت النيران» و«جامع العظام» وهي جميعا من إنتاج التسعينات.
في السنوات الـ10 الأخيرة شاهدناه في «رجل مشتعل» (2004) و«خطف بلهام 123» (سنة 2009) و«كتاب إيلاي» (2010) ثم «طيران» (2012) وصولا إلى فيلمه الجديد «الموازي» الذي يعاود فيه لقاء المخرج أنطوان فوكوا بعدما كانا عملا معا على «يوم التدريب» في عام 2001

* نسخة مختلفة
* يضع مهرجان سان سابستيان كل ما سبق وسواه في عين الاعتبار عندما يختار دينزل واشنطن للاحتفاء به خلال دورته الحالية. أو كما أعلن مدير المهرجان جوزيه لويس ريبوردينوس في يوم الافتتاح: «نستقبل هذا العام أحد أهم نجوم السينما حول العالم لنقدّم له تحية يستحقها ولنحتفل به ممثلا وسينمائيا وضيفا كبيرا».
في مهرجان تورونتو الذي اختتم في 14 من هذا الشهر، وفي عجالة اللقاءات الكثيفة التي حوصر بها، التقيت به حيث دار بيننا الحديث التالي:
* «الموازي» اليوم في تورونتو وغدا في سان سابستيان ماذا يعني لك ذلك؟
- أعتقد أنه يعني أن الفيلم يستحق هذا الاهتمام أو أكثر (يضحك)… جدّيا أنطوان (المخرج فوكوا) وأنا صرفنا الكثير من الوقت والجهد لكي نحقق هذا العمل. شاهدته مع الجمهور هنا وسعدت لحسن استقباله للفيلم.
* ما الذي تعتقد أنه سبب ذلك؟
- اسمع. الفيلم جيّد. أنطوان مخرج موهوب ويمنح الموضوع الذي ينجزه كل اهتمامه ويبرع فيه. أنا معجب بكل ما شاهدته له من أفلام وشاهدت له معظمها.. ربما كلها.
* هل يستند النجاح المتوقع له على خلفية أنه مقتبس من مسلسل تلفزيوني مشهور؟
- لكن الفيلم نسخة مختلفة تماما. من ناحية أخرى أنت على صواب إذا فكّرت بذلك لأن الجمهور في رأيي سيحب معرفة ما أنجزناه مختلفا في هذا الفيلم عن المسلسل. هل شاهدت الفيلم؟
* ليس بعد..
- حين تشاهده ستعرف ما أقصده.
* سيحتفون بك في مهرجان سان سابستيان بعد أيام قليلة. ما رأيك؟
- أحب هذا كثيرا (يضحك).. لم لا؟ أقصد أننا بذلنا جهدا كبيرا في هذا الفيلم الذي سنعرضه هناك أيضا، وبالنسبة لي أنا شخصيا أعتقد أن هذه اللفتة لها ما يبررها (يضحك).. حسنا يفعل مهرجان سان سابستيان..
* تمثل وتنتج هذا الفيلم.. وهذا ما سبق لك أن قمت به مرارا في الماضي. كيف تنظر إلى مهنتك المزدوجة هذه؟ ما فوائدها؟
- أمضيت الـ30 سنة الأولى من حياتي ممثلا فقط وأنتجت حتى الآن 7 أو 8 أفلام. كممثل كنت أنظر دائما حولي وأعاين عمل المنتجين والمخرجين. لا أقصد أنني لم أكن أعرف ماذا يفعلون، لكنني كنت فضوليا أريد أن أعرف ما السبل الأنجح لدى كل طرف لإنجاز الفيلم المتفق عليه بين الاثنين.
* ما الذي اكتشفته كشرط مهم للنجاح؟
- اكتشفت بالطبع أن السعي للإتقان هو الذي يجمع جهود الجميع. هذا السعي قد يخفق هنا أو هناك لأسباب متعددة، لكنه عندما ينجح فإن النتائج باهرة. وجدت أن على المنتج أن يحصي التفاصيل ويتأكد من أن كل شيء في مكانه الصحيح قبل البدء. لقد أخرجت فيلمين أيضا ولا أعتقد أنني كنت سأستطيع فعل ذلك من دون فهم العلاقة الخاصّة خلال العمل بين المخرج وممثليه. من السهل أن تدرس كل شيء ومن الصعب التطبيق.
* لكن ما الشيء الأكثر تأثيرا في اتخاذ قرارك بالتمثيل أو بالإنتاج؟
- المشروع برمّته. هناك بعض السيناريوهات المكتوبة جيّدا لكنها لا تستطيع أن تكون أفلاما جيّدة بالضرورة. أو هي جيّدة وليست مهمّة أو ضرورية. النظر إلى المشروع ككل وأهميته للجمهور وأهميته لك كممثل وكيف سيجري إنجازه؟ مع من؟ كل هذه شروط أساسية وحوافز مهمّة.

* دينزل رئيسا
* «الموازي» كان من بطولة تحري أبيض (الممثل الراحل إدوارد وودوورد) والآن يقوم ببطولته ممثل أفرو - أميركي. لا بد أن ذلك من بين أسباب الفضول التي تدفع بالجميع للاهتمام بهذا العمل. هل توافق؟
- نعم. هذا ما حاولت أن أقوله سابقا. يريد الجمهور أن يعرف ما هو الجديد. لكن علي وقد فتحت هذا الجانب من الحديث، التأكيد على أني لا أمثل الأشخاص حسب اللون أسود أو أبيض. هناك شخصية دفينة هي التي تجذبني إليها أو لا تجذبني. تتحرك كخيوط وعلاقات بيني وبينها وهي التي تجذبني للعمل وليس لأنها شخصية أفرو - أميركية. طبعا من ناحية ثانية لا يمكن أن تمثل شخصية مالكولم إكس وأنت متجاهل أنه أفرو - أميركي، لكن في معظم ما قمت به من أفلام كان لون البشرة آخر اهتماماتي. المهم الدور والشخصية التي أمثّلها.
* يتردد أنك ستؤدي دور الرئيس أوباما في فيلم عن حياته. صحيح؟
- من قال ذلك؟
* لا أعلم.. سمعت صحافيين يتحدّثون على ما أظن.
- هذا ليس صحيحا.. ليس الآن على الأقل، وأوباما لا يزال رئيس الولايات المتحدة الأميركية. ولا أظن أن هذا المشروع سيكون قريبا على أي حال.
* ماذا عن خبر آخر حول استعدادك لإخراج فيلم مقتبس عن «الساموراي السبعة» لأكيرا كوروساوا؟
- هذا المشروع وصل إلى مرحلة متقدّمة لكني لن أكون مخرجه. أنطوان فوكوا يريد تحقيق هذا الفيلم وكما عرفت منه يريده أكثر أمانة لفيلم «الساموراي السبعة» من «الرائعون السبعة»..
* الذي كان اقتباسا أميركيا لاحقا للفيلم الياباني..
- نعم. الغاية هي تحقيق فيلم جديد يعود إلى الأصل. إذا سألت فوكوا فسيقول لك إنه أحد أفضل الأفلام التي شاهدها إلى اليوم.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».