ويليام بليك... عبقري أم مجنون؟

عندما مات في لندن عام 1827 ما كان أحد يعرف قيمته ولا وزنه

من رسوماته
من رسوماته
TT

ويليام بليك... عبقري أم مجنون؟

من رسوماته
من رسوماته

باختصار شديد: لقد وُلِد ويليام بليك في لندن عام 1757 وفيها مات عن عمر يناهز السبعين عام 1827. وكان أول شاعر رومانطيقي في إنجلترا قبل ووردزورث وكوليردج. ويبدو أنه وُلِد في عائلة فقيرة وظل فقيراً طيلة حياته كلها من دون أن يشتكي من ذلك، ومن دون أن يلهث وراء الثروة والجاه والغنى، كما يفعل معظم الكتاب والمثقفين. ولم يسافر خارج بلاده قطّ، ولم تكن له عشيقات، وإنما ظل مخلصاً لامرأة واحدة هي زوجته. وكانت أُمّية لا تعرف القراءة والكتابة فعلمها ذلك بعد زواجهما. ورغم أنها كانت عاجزة عن فهمه أو مشاركته لرؤاه العبقرية أو الجنونية، فإنها أصبحت مساعدته المخلصة.
ولكن إذا كان بليك قد تعود على هذه البساطة والفقر في حياته، فإنه كان يشكو من الوحدة والعزلة والتهميش. فقد كان يكتب ويرسم دون أن يهتم به أحد. وهذا أمر صعب جداً بالنسبة للمبدعين والخلاقين، فهم يحبون أن يعترف الآخرون بهم وبإنجازاتهم. وكان الناس عموماً يعتبرونه رجلاً مختلاً من الناحية العقلية لا أكثر ولا أقل. وبالتالي فمن الذي سيهتم بخربشات شخص مجنون؟ ألم يكن يقول إنه في حوار دائم مع الرسل، والملائكة، والمسيح؟! أما كانوا يرونه أحياناً يمشي في الشارع وهو يتحدث بصوت عالٍ مع نفسه فقط؟ كان يتحدث مع أشخاص غير مرئيين وكأنهم أشخاص حقيقيون يسيرون إلى جانبه. كان يرى ما لا يرى.
والشيء الذي زاد من تفاقم الوضع هو أنه كان يحتقر العادات والتقاليد السائدة. ولم يكن يقيم وزناً للمؤسسات الاجتماعية والدينية. وكيف يمكن لإنجلترا المحافظة أن تقبل شخصاً يقول هذه العبارة: «من حجارة القوانين بنوا السجون، ومن تعاليم الدين المفهومة خطأ بنوا المواخير». وينبغي العلم أنه عندما مات ويليام بليك في لندن عام 1827 كان مجهولاً تقريباً من قِبَل معاصريه. ما كان أحد يعرف قيمته ولا وزنه في تاريخ الفكر والآداب الإنجليزية. وهكذا راح يلتحق بعالم رؤاه وخيالاته وكأنه قديس. ولكنه كان واثقاً من نفسه وليس خائفاً على «مستقبله» إذا جاز التعبير. كان يعرف أن الأجيال القادمة سوف تعترف به وتدرك أخيراً مدى قيمته وعبقريته.
فقد كان يعرف ماذا فعل وماذا قدم من إنجازات للإنجليز وللبشرية في آن معاً. وكان يعرف أن دوره سيجيء عاجلاً أو آجلاً وسيكتشف الناس حقيقته وأهميته بعد مماته بعد أن تجاهلوه أو أنكروه في حياته. فقد خلّف وراءه كتباً رائعة، كتباً مليئة برسومه وتصاويره الجميلة. ومن دون أن تعرف إنجلترا والبشرية كلها، فإنهما فقَدَتا بموته أحد كبار المفكرين والشعراء. وهذا ما ستكتشفه الأجيال التالية. والواقع أننا لا نستطيع أن نفهم أصل الفكر الحديث من المركيز دو ساد إلى كافكا إذا لم نأخذ أعماله بعين الاعتبار. لقد كان ويليام بليك رائياً لا مجنوناً. ولكن ما الفرق؟ لقد كان سابقاً على عصره بكثير ولذلك لم يفهموه بل وراحوا يسخرون منه ويشكون في إمكانياته العقلية والنقلية.
أما من الناحية الشكلية، فقد كان هذا الكاتب والفنان العبقري رجلاً قصير القامة برأس ضخمة وعينين مزهوتين أو فخورتين. وكان طيلة حياته يفضل مصاحبة الأطفال على معاشرة الكبار، وكان من الطليعيين السابقين لأوانهم. وقد سبق نيتشه إلى تصحيح القيم الأخلاقية بعد أن نقد بشكل راديكالي العادات والأعراف التقليدية السائدة في عصره. وقد جعل من حياته كلها فصلاً من فصول الجحيم، قبل رامبو بزمن طويل. وقبل أن يظهر السورياليون على سطح الأرض بعدَّة قرون راح يهرب من عالم الواقع إلى عالم ما فوق الواقع: عالم الرؤى والأحلام الوردية، عالم الصفاء والنقاء.
لقد عرف ويليام بليك قبل بيرغسون وبروست وجويس أن الانبعاث العفوي للذاكرة العميقة أو لأعماق الذاكرة اللاشعورية يتيح لنا أن ننتصر على الزمن، ونتصل بالأبدية المتواصلة للكينونة. يُضاف إلى ذلك أنه كان شاعراً ملتزماً، أي منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. فقد انفجر بالحقيقة حتى ولو كانت خطرة جداً، حتى ولو كلفه ذلك غالياً. لقد قال لهم: الأطفال يموتون من الجوع في لندن، والكهنة يرتلون الأناشيد الدينية في الكنائس وكأن شيئاً لم يكن! هل يُعقل ذلك؟ هل يجوز؟ أهذا هو الدين؟ أهذا ما أمرَنا به يسوع المسيح؟ ألم يقل لنا أن نشفق على الفقراء والضعفاء والمحتاجين؟ ألم يقل هذه العبارة البليغة: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت السماوات؟
هنا تكمن عظمة ويليام بليك. نعم، لقد تمرد هذا الكاتب «المجنون» على القيم الزائفة أو المنافقة لمجتمعه وعصره. لقد تمرّد على كلا الصعيدين الفلسفي والديني. وأكبر دليل على ذلك اعترافه هو شخصياً بالمسألة. ألم يقل إن طريق الانتفاضة الزائدة عن الحد يؤدي بنا إلى بلوغ القصر المنيف للحكمة؟ المقصود ذروة الحكمة.
يقول الشاعر هذه الكلمات التي تدل على شخصيته أكثر من أي شيء آخر: «لا أريد أن أستخدم أسلوب المنطق والحجج والمقارنات. فعملي يتمثل بالإبداع والخلق ليس إلا. إنني أرفض المحاجات العقلانية الناشفة. إنني أطرح من الشعر كل ما ليس إلهاماً عفوياً صادراً من الأعماق. قال ذلك لكيلا يستهزئوا به أكثر مما فعلوا حتى الآن عن طريق اتهامه بالهلوسات والجنون».
كل ويليام بليك موجود في هذه الكلمات، وكل فلسفته في الحياة أيضاً. لقد كان يعرف أنه رؤيوي ملهم ينتمي إلى طبقة العباقرة لا إلى عموم الناس العاديين. وكان يقول باستمرار إن كتاباته تُملى عليه من قبل الملائكة والقديسين والمسيح. وقد وصل به الأمر إلى حد أنه كتب في إنجيله الخالد ما يلي: «عندما مات يسوع كنتُ إلى جانبه»!!
ولذلك شكّوا بقواه العقلية وقالوا إنه مجنون. والواقع أنه لم يكن مجنوناً إلا في نظر الأغبياء. فالرجل كان يرى الله في كل مكان وليس فقط في الكنيسة محبوساً بين أربعة جدران. ونضيف من عندنا: ألم يرد في القرآن الكريم: «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله». كان بليك فيلسوفاً حراً وشاعراً ملهماً وكفى. والواقع أنه عاش في عصر مكبوت جداً بسبب سيطرة الأصولية المسيحية ورجال الدين على العقول. ولذلك فإنه انتفض ضدهم وأعلن ثورته العارمة عليهم. ويبدو أن كثيراً من معاصريه كانوا يشاطرونه نفس مشاعر التمرد ضد الأخلاق القمعية السائدة، خصوصاً المحرمات أو التابوهات الجنسية.
فإنجلترا آنذاك كانت محافظة جداً من هذه الناحية على غرار المجتمعات التقليدية المحكومة من قبل الخوارنة والقساوسة والمطارنة. كانت شبه طالبانية! مَن يصدق ذلك الآن؟ أين كنا وأين أصبحنا؟ وعندما كان كتّاب ذلك العصر يهاجمون «الأخلاق» فإنهم كانوا يقصدون الأخلاق القمعية الخاصة بالجنس على وجه التحديد، وليس الأخلاق في المطلق... لم تكن أوروبا قد تحررت بعدئذ من أغلال الماضي وقيوده. ولذلك فإن ويليام بليك اتخذ مواقف مضادة للأصولية عندما قال إن المتعة هي مصدر الحياة وليس التنسك والابتعاد عن الرغبات. ينبغي العلم بأن سيرة حياة ويليام بليك عادية جداً ولا تحتوي على أي أحداث استثنائية. فوالداه كانا من أصل متواضع، وقد أنجبت أمه خمسة أطفال كان بليك هو الثاني من بينهم. وأبوه كان تاجر خردوات في أحد شوارع لندن الشعبية الفقيرة.
وكانت العائلة متدينة جداً كمعظم أناس ذلك الزمان. فالكتاب المقدس كان يحتل مكانة كبيرة في البيت، والجميع يتلونه بين وقت وآخر. ومنذ الطفولة ابتدأ ويليام بليك بقراءته مراراً وتكراراً. ومنذ البداية كان شاعرنا المقبل طفلاً غريب الأطوار. فعندما كان في الثامنة من عمره قال لإخوته إنه رأى شجرة جميلة مثقلة بالملائكة تماماً كالعصافير! وعندئذ ضربه والده كفاً على وجهه لكي يسكت ولا يعود إلى رواية هذه الحماقات. ولكن الضرب لم يجعله يتراجع عن مواقفه. فقد زعم أنه رأى ذلك على الشجرة، وهو لا يقول إلا ما رآه.
وفي إحدى المرات قال إنه رأى النبي زكريا جالساً تحت شجرة. وعندئذ ضربه والده مرة أخرى. ولكنه لم يتراجع عما قاله، ثم كفَّ والده عن ضربه بعد أن ملَّ من العملية. وأخذ الجميع يسخرون منه ومن رؤاه الخيالية أو الجنونية هذه. ولكن السخرية لم تردعه عن رواية أحلامه، مثلما لم يردعه الضرب. فهو شخص غير عادي، شخص يرى ما لا يراه الآخرون. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. وعندما كانت عائلته هي التي تسخر منه كان يسكت على مضض. ولكن عندما كان الآخرون في الشارع هم الذين يسخرون منه كان يشتبك معهم بالأيدي. وكانت تحصل معارك. لم يكن جباناً قطّ؛ ويليام بليك. كان يرد الضربات مثلما يتلقاها وأكثر.
في السادسة من عمره شعر والده بأن عنده مواهب فنية فوضعه في مدرسة لتعليم الفنون. ولاحظ بعدئذ أنه اختار الحفر أو النقش لا الرسم. وسعد والده لأن هذا الطفل المجنون قليلاً وجد طريقه في الحياة. ولكنه أُصِيب بخيبة أمل بعدئذ عندما سمع أنه ينظم الشعر! ووبخه وعنفه قائلاً: الشعر لا يطعم خبزاً يا ابني! ما لنا وما للشعر؟ ثم حصلت له قصة عجيبة أذهلت كل مقربيه بل ودوختهم. فقد سعى والده لتقديمه إلى رسام شهير كان مقرباً جداً من الملك و«يحل ويربط» في الأوساط الفنية كما يُقال. نقصد بذلك أنه كان نافذاً جداً ويستطيع أن يفتح لك الأبواب إذا ما أراد أو يغلقها كلياً في وجهك. ولكن عندما قدمه والده إلى هذا الشخص المهم سرعان ما أصيب الطفل بالهلع وهرب من المقابلة فوراً، وأعطى ساقيه للريح. ودهش والده جداً من هذا التصرف، ولم يعرف السبب. فركض وراءه لكي يلحق به. وعندما وصل إليه سأله عن سر تصرفه الغريب هذا. فأجابه: هذا الشخص يلبس عقداً حول رقبته. وسوف يُشنق يوماً ما! فجنّ جنون والده ولم يكد يصدق ما سمعه. وقال بينه وبين نفسه: حقّاً إن ابني مريض... إنه مجنون صوفي ولا أستطيع أن أفعل له شيئاً. ولكن هل نعلم أن نبوءته تحققت وأن هذا الرسام الشهير قد شُنق بالفعل بعد اثني عشر عاماً من ذلك التاريخ. فقد اتهمه الملك بإهدار المال العام أو استخدامه لمصلحته الشخصية. نعم، لقد تحققت نبوءة ويليام بليك المشؤومة هذه. ألم نقل لكم إنه يرى ما لا يراه الآخرون؟
فهل كان يتمتع بقدرات خارقة للعادة يا ترى؟ هل كان يستطيع أن يرى ما لا يُرى بالعين المجردة؟ وأخيراً يمكن القول إن هذا الطفل غريب الأطوار الذي سبب كثيراً من القلق والمخاوف لوالده كان بالفعل عبقرياً لا مجنوناً. لقد كان يتمتع بمواهب خارقة للطبيعة. وقد عبر عن أحاسيسه شعراً ونثراً وتأثر بالكبار من أمثال: شكسبير، وميلتون، وجان جاك روسو، وفولتير.

من أقوال ويليام بليك:
- في حبة واحدة من الرمل ترى العالم كله... وفي زهرة واحدة من الحقول ترى الفردوس
- ما دامت البراعم تتفتح فهذا يعني أنه لا يوجد موت حقيقي... أين هو انتصارك يا موت؟!
- أسهل عليك أن تغفر لعدوك من أن تغفر لصديقك



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.