مذيعات نشرات الأخبار... حضور نسوي يحدث التوازن على الشاشة

يتقنّ فن إلقائها بجرعات قاسية ولطيفة معاً

ديانا فاخوري
ديانا فاخوري
TT

مذيعات نشرات الأخبار... حضور نسوي يحدث التوازن على الشاشة

ديانا فاخوري
ديانا فاخوري

تعدّ نشرات الأخبار على شاشات التلفاز كغيرها من المعادلات الإنسانية في المجتمع، فهي لا تكتمل قلباً وقالباً من دون إطلالة نسائية تحدث توازناً في هذا الإطار. فمذيعة الأخبار تشكل عنصراً أساسياً في هذا النوع من النشرات، يساهم في إرساء جو من اللطافة قد نفتقده في غيابها، فيتحول إلى جاف من دونها. واللافت في الفترة الأخيرة اعتماد أصحاب محطات المرئي الوجوه الجميلة في عملية اختيار مذيعات نشرات الأخبار، فصرن هنّ أيضاً حديث الناس بأزيائهن وإطلالتهن، وذاع صيتهن ليصل محطات عربية وغربية لم تتوانَ عن الاستعانة ببعضهن في نشراتها الإخبارية. أما المشاهد فصار بدوره ينتظر نشرة الأخبار، كغيرها من البرامج المحببة إلى قلبه، بفضل هذه المذيعة أو تلك.
«لا مشكلة بأن تكون مذيعة الأخبار بهية الطلعة أنيقة، ولكن لديّ شعور بالخوف من استغلال هذه الناحية من قبل أصحاب المحطات لجذب المشاهد، بهدف تحقيق نسب مشاهدة عالية، تماماً كما يجري في برامج ترفيهية ودرامية أخرى».. تقول أوكتافيا نصر، صاحبة شركة استشارية في هذا المجال بأميركا، وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «المضمون يبقى الأهم في أداء هذه المهنة لدى الجنسين. وعندما نسترجع شريط ذكرياتنا مع مذيعات نشرات الأخبار في الماضي، أيام الأبيض والأسود، لا نجد فرقاً كبيراً بين الجيلين في إطار الشكل الخارجي، إذ كنّ هنّ أيضاً جميلات أنيقات، وكذلك مثقفات. فسعاد قاروط العشي وشارلوت وازن الخوري مثلاً إضافة إلى تمتعهما بحضور لائق، كانتا تتمتعان بخلفية ثقافية وسياسية غنية».
وترى أوكتافيا التي أشرفت على إعادة هيكلة نشرة الأخبار في المحطة اللبنانية للإرسال (إل بي سي آي) أن تعيين مديرة أخبار من «الجنس اللطيف» يبقى أهم بكثير من الاستعانة بها كمذيعة، موضحة: «إن هذه المسيرة التي تتدرج فيها الإعلامية من مراسلة إلى محررة وقارئة أخبار، يجب برأيي أن تتكلل بإدارة نشرة من موقع رئاسة تحريرها».
وتعتبر نصر أن الشكل الخارجي للمذيعة يلعب دوره أيضاً في بلاد الغرب، ولكن ليس بالنسبة نفسها الموجودة في منطقتنا. وعن الفرق في أسلوب تقديم النشرات بين الغرب والشرق، وتوضح: «بشكل عام، هناك مدرستان معروفتان في هذا المجال: الفرنسية التي ترتكز على إبداء الرأي، والأميركية التي تفضل الموضوعية»، وتضيف: «لا يجب أن تتجاوز مدة نشرة الأخبار الـ30 دقيقة، بما في ذلك الإعلانات التجارية التي تتخللها. والمدرسة الأميركية تعتمد الأخبار القصيرة، بحيث لا تستغرق تلاوة الخبر فيها أكثر من 15 ثانية، فيما الفرنسية تتعمق في الخبر، فتطول مدته».
وعن الدور الذي يجب أن تلعبه مذيعة نشرات الأخبار، تقول: «لا يقتصر دورها على تلطيف الخبر، بل على تغطيته بشكل كامل في إطار معرفتها بما يجري على أرض الواقع عن كثب».
وبعض مذيعات الأخبار في لبنان تجاوزن مهمتهن على التلفاز، لينخرطن في مجالات أخرى. فالمذيعة ديانا فاخوري دخلت عالم التمثيل، وشاركت في بطولة عمل درامي يحكي عن الرئيس الراحل رفيق الحريري، بعد أن جسدت فيه دور زوجته نازك الحريري، وهو من كتابة شكري أنيس فاخوري، ولكنه لم يرَ النور بعد. أما جيسيكا عازار، وهي زميلة لفاخوري في تلاوة نشرات الأخبار على قناة «إم تي في» اللبنانية، فقد ترشحت إلى الانتخابات النيابية، ولكنها فشلت فتحولت إلى الدراسة من جديد في جامعة هارفرد الأميركية، كما تقول.
ومن المذيعات اللاتي تركن بصماتهن على نشرات الأخبار الحديثة يولا سليمان، فهي بدأت مسيرتها في إذاعة صوت لبنان، ومن ثم في تلفزيون «إل بي سي آي»، وعرفت بحرفيتها في طريقة الإلقاء والنطق، وفي عملية استخدام صوتها بإتقان، وهو أمر استطاعت إجادته من خلال خبرتها الإذاعية الطويلة.
«برأيي، التغيير الذي يحصل اليوم في موضوع كيفية اختيار مذيعات نشرات الأخبار يعود إلى تغيير طريقة التفكير عند إدارة المحطات نفسها».. تقول يولا سليمان في حديث لـ«الشرق الأوسط»، وتضيف: «في الماضي، كان يمنع علينا الخروج عن الكلاسيكية في شكلنا الخارجي، ولا سيما فيما يخص طريقة تسريح شعرنا والملابس التي نرتديها، تحت شعار عدم جرّ المشاهد إلى الالتهاء عن سماع الخبر».
وتتابع سليمان في سياق حديثها: «أعتقد أن التغيير الذي طرأ على إدارة محطات التلفزة يعود لأسباب تجارية بحتة. ففي ظل انتشار الإعلام الإلكتروني الذي يقدم أخبار الساعة للناس على طبق من فضة، كيف يمكن لهذه المحطات أن تشدّ المشاهد إلى متابعة نشراتها الإخبارية؟ ومن هنا، حصل هذا التغيير، وصارت المحطات تفكر بطريقة عملية غير كلاسيكية لتجذب المشاهد، وتحثه على متابعة نشراتها الإخبارية».
وتعرّج يولا سليمان في حديثها على مسألة الصوت، فتقول: «لم يعد يعطى الاهتمام الكافي، كما في الماضي، عندما كان يلعب دوراً أساسياً لدى مذيعة النشرة، وتتكون منه المعادلة المشهورة (صوت وصورة)، وهي معادلة نجدها حالياً شبه غائبة عن شاشاتنا». وتختم بقولها: «برأيي، زمن نشرات الأخبار اقترب من نهايته، إذ أتوقع أن تذهب إلى منحى آخر، وهو عبارة عن (ماغازين) تلفزيونية سريعة».
أما وليد عبود، مدير قسم الأخبار في قناة «إم تي في» اللبنانية، فيؤكّد أن اختيار مذيعة نشرة الأخبار في المحطة المذكورة، وعلى عكس ما يعتقده البعض، يرتكز بصورة أولية على المضمون والخلفية الثقافية التي تتمتع بها. ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «جميع مذيعات نشرة الأخبار في (إم تي في) خريجات إعلام، وبينهن من سبق أن عمل في هذه المهنة في وسائل مكتوبة، وحتى في الإنتاج الإعلامي. فلم يأتين من عالم بعيد عن المهنة التي يمارسنها. وبالنسبة لمعيار الجمال، فإنه يصبح إضافة لدى المذيعة. وعندما يجتمع المضمون مع الجمال، نصبح بالتأكيد أمام خلطة ناجحة، فالوجه الجميل أيضاً لديه إيجابياته، كونه يريح المشاهد».
ويرى عبود أن خبرة الإعلامي بشكل عام هي في حالة تطور دائم، ولذلك مذيعات نشرات الأخبار يلزمهن أولاً رأسمال جيد، يتألف من المضمون وخلفية ثقافية غنية في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، خصوصاً أنهن يواكبن أحياناً كثيرة أحداثاً طارئة مباشرة على الهواء، تتطلب منهن سرعة البديهة، وطرح أسئلة ارتجالية قد تستمر لأوقات طويلة، وهو ما يساهم في تقدمهن بسرعة.
وعما يمكن أن تضفي المذيعة المرأة على نشرة الأخبار، يقول: «حضورها أساسي، كونها تكمل صورة الحياة وحركتها على أرض الواقع، وهي بالمطلق تضفي الهدوء واللطافة على النشرة. كما في استطاعتها أن تكون أحياناً أقسى من المذيع الرجل في طريقة إلقاء تتسم بالهجومية واللؤم، فهي كائن عاطفي، وبإمكانها أن توصل النص إلى المشاهد في جميع حالاته».
وعن إمكانية الاستعانة بالمذيعة كمديرة أخبار، يقول: «من الصعب أن تمارس المذيعة هاتين المهمتين معاً، إذ إن كل واحدة منهما تتطلب تفرغاً ووقتاً طويلاً. ولكن من ناحية أخرى، لدينا تجارب نسائية معروفة في هذا المضمار في لبنان، كما مريم البسام، مديرة الأخبار في قناة (نيو تي في)، ولارا زلعوم التي تعمل مديرة تنفيذية في قسم الأخبار في تلفزيون (إل بي سي آي)».
وتعد ديما صادق واحدة من مذيعات نشرات الأخبار المعروفة في لبنان، وهي إضافة إلى مهمتها هذه التي تمارسها عبر شاشة «إل بي سي آي»، فإنها تقدم أيضاً برنامجاً صباحياً من النوع الحواري السياسي، وقد استطاعت أكثر من مرة أن تحتل أخبارها وتغريداتها صدارة وسائل التواصل الاجتماعي، نظراً لأسلوبها الهجومي والأسئلة القاسية التي تنضوي تحت لواء الـ«هارد توك» في التحاور مع السياسيين من ناحية، وموضوعيتها وصراحتها في تعليقاتها على أحداث آنية كثيرة من ناحية ثانية.
وعن المدرسة التي تنتمي إليها في مجال نشرات الأخبار، تقول: «أنتمي إلى المدرسة التفاعلية بعيداً عن الكلاسيكية. وهذه المدرسة التي أمارسها مباشرة عبر الشاشة في أثناء تلاوة النشرة تتألف من عناصر كثيرة، بينها الصوت ولغة العيون».
وعما إذا كانت ترى أن الإطلالة البهية لمذيعة نشرة الأخبار ضرورية في زمننا الحالي، ترد في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «العصر الذي نعيش يعرف بزمن الصوت والصورة، فالوجه السموح الجميل في زمن الإعلام المرئي الحالي، وكذلك في نشرات الأخبار، مطلب من متطلبات العصر يرخي بظله إيجاباً على المشاهد».



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يخلق تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليخلق بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».