سنوات السينما: (1979)Apocalypse Now

سنوات السينما: (1979)Apocalypse Now

الجمعة - 8 ذو الحجة 1440 هـ - 09 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [ 14864]
«سفر الرؤيا الآن»
(1979)Apocalypse Now
جحيم فيتنام
مرّ من هنا

بين كل ما خرج ما حققته السينما الأميركية من أفلام تتناول الحرب الفيتنامية، «سفر الرؤيا الآن» هو أفضلها كتابة وإخراجاً وتمثيلاً وكعناصر إنتاجية علماً بأن المشاكل التي سبقت تصويره وتلك التي وقعت خلال التصوير كان يمكن لها أن تقضي على العمل أو تعرّض طموحاته للتلف.
موّل المخرج فرنسيس فورد كوبولا الفيلم مما جناه من أفلامه السابقة («العرّاب» الأول والثاني و«المحادثة») وصوّره في الفلبين. في الخطّـة قضاء خمسة أشهر في التصوير. في الواقع امتد التصوير لستة عشر شهراً وتعرّض فيها فريق العمل لأحداث متعددة من بينها نوبة قلبية أصابت بطله مارتن شين وخلاف بين كوبولا ومارلون براندو خلال التصوير كون الثاني وصل إلى التصوير من دون تحضير، غير العواصف التي اجتاحت مكان التصوير وهدمت الديكورات ومتاعب في كل خانة عمل ممكنة وامتناع البنتاغون عن مد المخرج بمساعدات لوجيستية.
لكن كل ذلك لم يمنع كوبولا في النهاية من إتمام فيلم رائع ذي حجم ومعالجة ملحميتين وبرسالة تعادي حرب فييتنام وتنقل فوضاها مجسّمة في كل اتجاه.
عن رواية طالما قيل إنها عصية على التحول لفيلم هي «قلب الظلام» لجوزيف كونراد (التي تقع أحداثها في الكونغو أساساً) وسيناريو من رجل المهام الصعبة جون ميليوس قام كوبولا بتقديم حكاية تبتعد عن صلب الرواية باختيارات دقيقة لكي تعكس حالة الفوضى التي صاحبت الحرب الفيتنامية على كل صعيد. تتقدم القيادة العسكرية من الكابتن ويلارد (شين) بطلب إنجاز مهمّـة اغتيال للكولونيل كورتز (براندو) الذي اقتطع لنفسه جزءاً من البلاد على الحدود الكمبودية متمرّداً على القيادة. الفريق الذي يقوده ويلارد هو زمرة من غير المؤهلين (سام بوتومز، وفردريك فورست، ولورنس فيشبورن، وألبرت هول) والجميع ينطلق في قارب سريع (اسمه إيربوس، على اسم ابن آلهة الظلام اليوناني) منتقلاً من حدث لآخر طوال رحلة شاقّـة.
إنه على ذلك الطريق النهري يوفّـر الفيلم مشاهد من جنون الحياة في حاضنة الحرب: القتال، القصف الأميركي، الفييتكونغ، الضحايا، الحفلات الراقصة إلخ…. في أحدها يقف قائد عسكري (روبرت دوفول) أمام وحدته التي تحتمي من قصف الفييتكونغ ليقول، بعد غارة أميركية تم فيها استخدام النابالم «أحب رائحة النابالم في الصباح». حين الوصول إلى حيث اقتطع الكولونيل كورتز ولايته يقف ويلارد (وقد بقي من فريقه جندي واحد بعدما قُـتل أو فُـقد الآخرون) على المشهد المفجع لرجل فقد رجاحة عقله وعاش على العنف حتى بات جزءاً منه. دنيس هوبر في دور لا يُـنسى كمصوّر غائب عن الحقيقة بدوره. والنهاية هي حتمية قيام ويلارد باغتيال كورتز، لكن ربما ليحل مكانه كونه لا يستطيع إنقاذ أحد بدءاً بنفسه.
من النظرة على وجه إلى تصرف فردي إلى قتل عشوائي لقارب من المدنيين الفيتناميين إلى أكبر مشاهد القتل والقتال، لا يخطئ كوبولا في الوصول إلى لب ما يريده من كل لقطة. إذا ما كان هناك زناد فعلي، فهو في عقل المخرج المتوقّـد والعارف وجهته وغاياته من فيلم بالغ القوّة كمضمون وبالغ التأثير كما على فن السينما أن يكون.
تصوير رائع من الإيطالي فيتوريو ستورارو مختلف عن تصوير أي شيء سبق تقديمه في السينما. التعليق الذي يصاحب الفيلم بصوت ويلارد (من البداية وحتى النهاية) مع موسيقى فاغنر (خلال مشهد الغارة على القرية الفيتنامية) مع أداء فوق العادة بالنسبة للبعض لجانب حرفة كوبولا الخبيرة والعالية من الأمور التي جعلت هذا الفيلم عملاً خالداً.
لكن فيلم كوبولا ليس مجرد رسالة، بل فرصة فريدة لكي يشاهد المرء أمامه كيف تتلاقى وتتنوع عناصر العمل الفنية على رقعة ملحمية طوال الوقت وتنجح.
أميركا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة