عبد الوهاب البياتي بين صخب الحضور ووطأة النسيان

الشعر عنده منفى الأنا المتفاقمة والحياة حاضنتها

عبد الوهاب البياتي
عبد الوهاب البياتي
TT

عبد الوهاب البياتي بين صخب الحضور ووطأة النسيان

عبد الوهاب البياتي
عبد الوهاب البياتي

لم يكن عبد الوهاب البياتي واحداً من الشعراء الذين ارتضوا الإقامة في الظل، أو التعويل على الصمت، أو ترْك نصوصه وأعماله لتواجه بلا ظهير مصيرها المبهم، كما فعل كثير من أترابه ومجايليه. ولكنه لشدة إحساسه بالتميز، جند نفسه لخدمة شعره، ولتثبيت موقعه المتقدم في حركة الحداثة، موزعاً حياته بالتساوي بين اقتراف الكتابة وخوض المعارك الشخصية والأدبية الصاخبة للدفاع عنها. ورغم ما كانت تشي به ملامح وجهه الظاهرة من بشاشة أبوية وحضور أليف محبب، لم يكن البياتي يتورع، بما أوتي من ذكاء لماح وسخرية جارحة، عن الفتك بكل خصومه ومنافسيه، أو الذين يرى فيهم تهديداً محتملاً لمكانته الشعرية ولأناه المتفاقمة. ولم يكن الشاعر ليرضى في الوقت نفسه أن يقيم هانئاً في مناطق الحياة المعتدلة، بل كان يرى سعادته في المهب العاصف للأشياء، وعلى الأطراف الضدية للأفكار والقناعات، وللعلاقات الإنسانية المتفاوتة صداقة وعداوة. إلا أن البياتي الذي نجح في خسارة كثير من صداقاته، وكسب كثير من العداوات، بدا لحظة رحيله، في دمشق قبل عقدين من الزمن، وفي مثل هذه الأيام بالذات، غريباً شبه وحيد، منبتاً على وجه التقريب، حتى عن أولئك الذين أحاطوا به واحتفوا بتجربته أشد الاحتفاء في لحظات صعوده المتسارع.
على أن أحداً من متابعي البياتي وقرائه لم يكن ليتصور بأي حال أن يتراجع اسم الشاعر ونتاجه الغزير إلى خانة النسيان، وهو الذي اعتبر، مع السياب ونازك، أحد أكثر رواد الحداثة شهرة ومحلاً للحفاوة والمتابعة والتكريم. صحيح أن النجاح الذي أصابه يدين ببعض منه إلى تعهده بالعناية من قبل الأحزاب الشيوعية العربية ومنظومة اليسار الدولي، ولكن الصحيح أيضاً أن بعضه الآخر متصل بثراء تجربته وتنوعها، وبقدرته الماكرة على الخروج من نفق المباشرة والواقعية الفظة. ومع ذلك، فإن المبالغة في احتضان البياتي من قبل المنظومة العقائدية التي تبنته لم تكن ناجمة عن الافتتان بتجربته الإبداعية، بل بدت في لحظة ما بمثابة «مكافأة له على إخلاصه العقائدي»، خصوصاً بعد انعطافة السياب الدراماتيكية باتجاه المشروع العربي القومي. هكذا، تم تطويب البياتي على سدة الشعر «الملتزم» المدافع عن المقهورين والمضطهدين في الأرض، في حين تعرّض صاحب «أنشودة المطر» إلى أنواع السباب والتجريح كافة، ودعاوى الردة والتخوين. وليس أدل على الارتباط الوثيق بين صعود نجم البياتي وصعود القوى السياسية التي تبنته ناطقاً باسمها، ومعبراً عن أفكارها ومعتقداتها، من التراجع الواضح لنجوميته ولمنسوب الاهتمام بشعره بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومعسكره الحليف في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم. حتى إذا ما مر وقت قصير على رحيله، بدأ نجمه الشعري في الخفوت، فيما بدأ اسمه المدوي يترنح شيئاً فشيئاً تحت المطرقة الثقيلة للنسيان. ومن حقنا جميعاً، كتاباً وقراء ومتابعين، أن نطرح الأسئلة التالية: هل كان البياتي ظاهرة إعلامية تراجع وهجها بتراجع الآيديولوجيا التي تبنتها؟ وهل عاد شعر البياتي إلى حجمه الطبيعي بعد أن فقد القدرة، بسبب الموت، على الترويج المفرط لنفسه ولكتاباته؟ وإذا كان تراجع الظهير الآيديولوجي للتجربة الشعرية يفضي بالضرورة إلى تراجعها، فلماذا لم يسقط شعر نيرودا ولوركا وأراغون وإيلوار، وغيرهم ممن اعتنقوا الفكر الماركسي، في حين سقط المئات ممن حولوا الآيديولوجيا إلى رافعة وحيدة لتجاربهم الهشة البائسة؟ ولماذا من جهة أخرى تظل أسماء السياب وقباني ودرويش حاضرة في الأذهان كما في مواقع التواصل، بينما لا تجد أسماء أخرى، وبينها البياتي، الصدى نفسه والاحتفاء إياه؟ ثم هل من الإنصاف في شيء أن نضع كل ما كتبه البياتي في سلة «اليقين» العقائدي، ونتناسى أعماله الأخرى التي تنقب عن الشعر في تربة الشكوك والأسئلة الحارقة؟
لا تتسع هذه الفسحة المحدودة بالطبع للإجابة عن هذه الأسئلة، أو لإعادة قراءة النتاج الغزير للبياتي بشكل هادئ معمق. لكن ذلك لا يمنع من ملاحظة أن كثيراً من نتاج البياتي المبكر كان أشبه بتعميمات عقائدية وكليشيهات سياسية مباشرة يغلب فيها الوظيفي على الجمالي، وتتحول الكتابة إلى أداة لتمجيد قوى الثورة العالمية وهجاء القوى التي تناهضها. وهو ما نجد تمثلاته في أعمال الشاعر الأولى، مثل «المجد للأطفال والزيتون» و«كلمات لا تموت» و«عشرون قصيدة من برلين»، حيث تبدو النصوص أقرب إلى الشعرات والأفكار المعلبة منها إلى أي شيء آخر: «صوت لينين الأخضر العميق لا يزالْ \ يهدر في العالم، والرايات في الجبالْ \ تسدّ درب الشمس \ والآلات والأنوالْ \ أسمعها تنبض في قلوبكم يا إخوتي العمالْ». وفي رثائه لأحد المناضلين ضد الفاشية، يقول البياتي: «سنابل سبعٌ من اليونانْ \ من أم ديمتروف، من صوفيا ومن أطفال كردستانْ \ حملتها إليك يا رفيقنا تيلمانْ \ المجد للإنسان \ لعالم يولد تحت الراية الحمراءِ \ تحت راية العمال، يا رفيقنا تيلمانْ \ لحبة القمح التي تمدّ عبر قبرك الأجفانْ \ للطفل والكادح والفنانْ \ المجد للبحر وللربان». ولم يوفر البياتي من هجائه اللاذع كثيراً من زملائه الشعراء، تحت ذرائع مختلفة، من بينها مواقفهم السياسية المتذبذبة، أو استخذاؤهم للسلطة، أو تهالكهم على الملذات. وإذا لم يكن يعمد إلى ذكرهم بالأسماء الصريحة، فنحن لا نلبث أن نهتدي إليهم من خلال القرائن والنعوت، كما في قصيدة «صورة تقريبية لبورجوازي صغير يقرض الشعر»، حيث نقرأ «رأيته في سنوات الموت والحصارْ \ ممثلاً في الشام \ دور الذي تعبده النساء - دون جوانْ \ دور صديق قائد الأركانْ \ معلقاً من ذيله كالببغاء الأعور السكرانْ \ يشرب بالمجانْ \ ينشد شعراً للصوص الثورة الخصيانْ \ في هيئة الأركانْ».
على أن المشكلة الحقيقية في بعض شعر البياتي لا تنحصر في الرزوح تحت وطأة الشعار السياسي فحسب، بل ثمة تغييب واضح للذات الفردية، في مشاعرها الحميمة وهواجسها المحتدمة، لمصلحة الأنا الجمعية التي تضغط بثقلها على الشاعر الذي يستمرئ من جهته كونه منشد الجماعة وحادي أفراحها وأتراحها. والغريب في الأمر أن التفاقم شبه المرَضي للأنا عند البياتي لم يتم استثماره في شعره بشكل مناسب، بل تم فصل الأنا عن مسارها الطبيعي لاستثمار «تضخمها» في صياغة الكليشيهات والتعاميم السياسية، كتلبية منه لنداء «الواجب» الأخلاقي. هكذا، باتت الأفكار المجردة، لا الحالة الشعورية، هي الأساس والمنطلق، وباتت الكتابة في بعض مراحلها عملاً موضوعياً، لا انبثاقاً جامحاً لعواصف الداخل. وإذا كان البياتي في كتابه «حرائق الشعراء» قد استشهد بمقالة لمحمد البطراوي، مفادها أن البياتي، وخلافاً للسياب، يعمل على «إشراك الآخرين في شعره، ويغلب الهم العام على الهم الخاص»، فإن هذه الملاحظة في عمقها تصب في مصلحة صاحب «منزل الأقنان» الذي عرف من خلال حفره الشاق في تربة ذاته كيف يلتقي مع ذوات الآخرين. كما نلاحظ في كثير من دواوين البياتي فقرا ًواضحاً في التوزيعات الصوتية، ورتابة في الشكل، وقصراً مفرطاً في السطر الشعري يترافق مع الإلحاح على التقفية التي تذكرنا بفن السجع، لشدة نمطيتها وقربها بعضها من بعض.
لكن ما ورد ذكره ليس الوجه الوحيد لشاعرية البياتي، ولتجربته المديدة التي يُحسب لها تنوعها وترحلها القلق بين الأشكال والمقاربات المختلفة. فمن الظلم بمكان ألا نستثني من بدايات الشاعر المشار إليها ديوانه المميز «أباريق مهشمة» الذي يتجاوز فقر التشكيل وآفات التنميط الأسلوبي وبرودة الكتابة، ليتلمس الشعر في تدفقه التلقائي وأماكنه اللصيقة بالروح: «سأكون! لا جدوى، سأبقى دائماً من لا مكانْ \ لا وجه لا تاريخَ لي، من لا مكانْ \ الضوء يصدمني وضوضاء المدينة من بعيدْ \ نفس الحياة، يعيد رصفَ طريقها سأمٌ جديدْ \ أقوى من الموت العنيدْ \ وأسير لا ألوي على شيء، وآلاف السنينْ \ لا شيء ينتظر المسافرَ غير حاضره الحزينْ». وسيكون من الإجحاف بمكان ألا نلاحظ ما شهدته أعمال البياتي اللاحقة، مثل «مملكة السنبلة» و«بستان عائشة» و«قمر شيراز» وغيرها، من تطور واضح على مستوى الأسلوب والتكثيف الصوري والرؤية إلى العالم. ففي هذه الأعمال، ينتقل الشاعر من الأشكال الرتيبة والسطور المتقاربة والمسجعة نحو التدوير والنص المفتوح، الخالي من التقفية المعيقة لنموه الداخلي. كما تتوارى الموضوعات السياسية والدعوية المباشرة، ليحل محلها نزوع تأملي صوفي يتحد فيه الماضي بالحاضر والمستقبل، وتتخفى فيه الذات الفردية وراء عشرات الأساطير والرموز التراثية والدينية والإنسانية.
وفي هذه الأعمال يجسد البياتي الوجه الأصفى لشاعرية الهجرة والرحيل، باحثاً في منفاه الجسدي والنفسي عما يجعل من لغة الشاعر موطئاً لروحه ووطناً لأسئلته الحائرة: «أي حبّ هو هذا؟ \ عندما يكتشف الشاعر في منفاه سرّ الآلهة \ عندما يصبح هذا النص مفتوحاً \ وهذا القرْع في شاهدة القبرِ \ حضوراً في الوجودْ \ تنهض الوردة من تابوتها \ حاملة نار جنون العشقِ \ نار الملكوتْ». وفي «كتاب البحر» الذي سبق رحيله بقليل، يستعيد البياتي كثيراً من عذوبة اللغة التي عكستها مجموعته المبكرة «أباريق مهشمة»، ليعلن على الملأ «تعاليمه» الملفوحة برياح الحسرات: «سأقول للكلمات كوني وردة \ سأقول للشعراء كونوا صادقينْ \ سأقول للسنوات عودي \ للحياة تفجّري \ سأقول كوني وردة لغزالة البحر العشيقْ \ سأقول للأزهار كوني خيمة لحبيبتي \ وسأشعل النيران في المدن الغريقة تحت قاع البحر والورق العتيق». وإذا كان بعض شعر البياتي سيسقط بسقوط المناسبة التي أنتجته، أو الأفكار التي استند إليها، فإن بعضه الآخر سيظل، بما يمتلكه من مساحات تأويلية وتبصر حدسي وصور بعيدة الغور، قادراً على مقارعة النسيان والصمود في وجه الزمن.



مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.