حقائب سعيدة وأخرى تعيسة

عن مشاعر رفيقك الصامت

حقائب سعيدة وأخرى تعيسة
TT

حقائب سعيدة وأخرى تعيسة

حقائب سعيدة وأخرى تعيسة

يفتتح تولستوي روايته «آنا كارنينا» بعبارة: «جميع الأسر السعيدة تتشابه، لكن كل أسرة تعيسة فهي تعيسة على طريقتها». وقد صار افتراض تولستوي مثلاً ليس لمنطقيته، بل لجمال العبارة. وبوسعنا أن نستعير افتراضه لوصف رفيق السفر الصامت، فنقول: «في السعادة، لا تختلف حقيبة عن أخرى، لكن تعاسة الحقائب تتنوع».
حقيبة السائح، أي المسافر باختياره من أجل الاستمتاع يلفها ذلك الفرح الساذج، سواء كانت صندوقاً من الأبنوس المطعم بالجواهر أو كانت مخلاة من القماش الصناعي على الظهر. مشاعر الحزن، على العكس من ذلك، تأبى التعميم، وهذا ليس مجرد افتراض.
الحقيبة الحزينة الأولى التي رأيتها في طفولتي كانت حقيبة ميت، بالأحرى مخلاة مدماة لضابط عادت مع جثته من الحرب. بعد ذلك، عرفت أن الحروب ليست شرطاً لرؤية حقائب تزحف على سير الأمتعة بالمطار، مع صندوق القصدير الذي يحوي جثمان صاحبها، أو حقيبة ترجع وحيدة بعد دفن صاحبها في الغربة.
في رواية أريج جمال «أنا أروى يا مريم»، تحكي الراوية عن عودتها طفلة وحيدة بعد موت أبويها في حادث. لم تدرك تماماً طبيعة ما حدث إلا عندما وجدت في استقبالها بالمطار أقارب لم تعرفهم، وامتدت إليها يد أحدهم وأخذت عنها الحقيبة.
انتشار المصريين غرباً إلى ليبيا، وشرقاً إلى العراق ودول الخليج، تجربة أنتجت أدباً، لكن تغريبة المصريين إلى أوروبا عبر البحر، التي بدأت في تسعينات القرن العشرين، على درجة من القسوة لا يستطيع الأدب التعامل معها. وقد قمت بتحقيق عن ظاهرة الموت في عرض البحر في كتابي «العار من الضفتين».
يولد حلم السفر في قلب المراهق القروي بالذات، وأحياناً في قلوب ذويه، فيبدأ التفكير في رحلة شجاعة، يعززها الجهل بالبحر الذي يتصورونه ترعة.
حتى لو كانت الرحلة حلماً شخصياً مترعاً بآمال الثروة، لا تعيش الحقيبة الصغيرة الرخيصة سعادتها سوى أيام، حيث تتعرض للانكسار في مهاجع التجميع السرية.
تنحيف جسد المسافر لكي يصبح خفيفاً على الزورق المتهالك مسألة تحدث تلقائياً، بسبب شح الطعام خلال أيام وليالي الانتظار. أما تعليمات ما قبل الإبحار، فالحقيبة هي المعنية بها: لا بد أن تتقلص محتوياتها إلى الحد الأدنى اللازم للحياة؛ الماء والقليل من الطعام أولاً. وبعض هذه الحقائب يختفي مع صاحبه، وبعضها يعود دون صاحبه، أما المسافر الذي تُكتب له النجاة، فيحتفظ برفيقة الخوف إلى أن تتحسن أحواله، فيراها مثل ندبة في الجسد تُذكِّره بلحظات مؤلمة. يبتهج عندما يكتشف أن بوسعه التخلص منها. وعندما يعود بعد سنوات طويلة، سترافقه أكثر من حقيبة سعيدة.
كنا، نحن المصريين، رواداً في افتقاد الأمل، فررنا دون قتال، ثم تبعنا السوريون واليمنيون والسودانيون، في نزوح فوضوي وأكثر إيلاماً.
السفر من أجل العلاج تسميه منظمة السياحة العالمية «سياحة علاجية». ربما ينطبق المصطلح على سفر قلة من الموسرين، تسافر دون مخاطر جدية إلى منتجعات تدَّعي قدرتها على التصدي لزحف الزمن. هؤلاء ستصاحبهم حقائب سعيدة، فيها الملابس المتفاخرة ولباس السباحة المبتهج، وأدوات الزينة التي سيشترون المزيد منها في أثناء الرحلة.
أفترض أن حقيبة المسافر بمرض خطير لن تكون سعيدة على هذا النحو. غرفها الأكثر راحة ستكون لعلب الأدوية التي يجب أن يستمر في تعاطيها إلى أن يأمر الطبيب البعيد بخلاف ذلك، وهناك التقارير وصور الأشعة السابقة. وستنزوي الملابس الحزينة والقليلة في المتبقي من الفراغ دونما كرامة.
تلك الحقيبة مرشحة لحزن أكبر في رحلة العودة، وفي مصادفات سعيدة تتبدل المشاعر إلى فرح مطلق أو اطمئنان حذِر. تختفي الأدوية أو تتقلص مساحتها لصالح هدايا للآخرين ومشتريات لتدليل الذات.
قد تنطوي حقيبة المسن على بعض محتويات حقيبة المريض، من أدوية وأجهزة قياس، تضمها حقيبة العجائز باستسلام وفتور، بعد أن صارت جزءاً من الوجود.
عندما يتوقف الجسد عن الدوران حول لحم آخر خارجه، يبدأ في الانشداد إلى تلك العلب الكرتونية والبرطمانات الزجاجية التي تشبه شُهباً صغيرة معلقة في مجاله.
حقيبة عروس في شهر العسل تختلف عن حقيبة الأم المُرضعة؛ الحاجة إلى تأجيج شغف جسد آخر تجهله المرأة تماماً، أو تعرفه تحت ظرف مغاير يختلف عن سكينة السفر مع جزء من جسدها، حبه لها مضمون. مساحة الطفل لها الأولوية في الحقيبة: الببرونة، وعلبة الحليب الجاف، ومنظفات ومرطبات تلك الكتلة الطرية المتوهجة بالحياة. ملابس الصغير وحفاضاته قبل ملابسها، فأناقة هذا المُجسم الصغير تغني عن أناقتها. حمالة الصدر المنذورة للإغواء غير العملية التي تتيح سهولة الإرضاع، وتستوعب بلل الحليب الزائد.
أفترض أن قصص الحب السعيد وحقائبه لا تعني إلا أصحابها، فالأدب إنما يُخلِّد القصصَ الحزينة فحسب.
عندما أفكر بحقائب الحب، أتذكر «آنا كارنينا» و«إيما بوفاري». آنا التي عرفت الحقائب السعيدة في سفرها، عندما كانت خلية البال تسافر بين بطرسبرج مدينتها وموسكو حيث يُقيم شقيقها، ثم عرفت بعد ذلك حقيبة الانكسار والحزن، عندما تحيرت بين بيت زوج ممل وبيت عشيق لم يحتمل حزنها على ابنها الذي حُرمت منه، حتى ضاقت بها الحياة، فألقت بنفسها تحت عجلات القطار.
إيما بوفاري لم تسافر بعيداً، فقد عرفت عشيقين محليين، لكنها اشترت حقيبة ومعطفاً ثقيلاً من أجل الهرب بعيداً مع أحدهما. رودلف بولانجيه الذي تصورت معه حياة عريضة، ووضع معها تفاصيل خطة الهروب، كتب إليها رسالة قبل السفر بساعات يرفض فيها المغامرة، على طريقة «أحبك، لكنك لن تكوني سعيدة معي، تستحقين أفضل مني». تنصل رجالي لم يزل فاعلاً إلى اليوم، وأصبح مصدر تندر النساء على تجمعاتهن الإلكترونية المغلقة!
لكننا نصادف في الروايتين لوناً آخر من الحقائب الحزينة: حقيبتان كانتا تقاومان فتح قلبيهما للأمتعة.
رواية «آنا كارنينا» لا نشاهد آنا في البداية، بل شقيقها ستيفان أوبلونسكي الذي يستيقظ من النوم مفكراً في غضب زوجته داريا التي خانها مع مربية أطفالهما. يتوجه إلى غرفتها ليسترضيها، فيجدها واقفة أمام خزانة ملابسها، تلقي بمحتوياتها على السرير دون أن تجرؤ على وضعها في الحقيبة، حيث ظلت الحيرة تمزقها أياماً وليالي، بين بقائها في بيت واحد مع زوج خائن وبين الرحيل إلى بيت أسرتها، فأطفالها الخمسة صاروا ضائعين في بيت حزين تضرب الفوضى في جنباته، وسيكونون أكثر ضياعاً إذا ما أخذتهم بعيداً عن بيت أبيهم.
وفي رواية فلوبير «مدام بوفاري»، يتملك اليأس الشاب ليون كاتب المحامي، الذي يبادل إيما كتمان الحب، فيقرر السفر لاستكمال دراسته في باريس، لكنه ظل مدة طويلة يراكم صناديق وحقائب، ويحزم حزماً تكفي لرحلة حول العالم. كان في الواقع يستبطئ الرحيل.
لكنه سيرحل، وسيلتقطها من بعده رودلف، الذي لم يكن يختلف عن زوجها شارل بوفاري، إلا بجسارته في التعبير عن شهواته، وبعد أن يخذلها، يعود إليها ليون بعد أن تخلص من مراوغات الخجل، وتأكد أن ما كان يريده منها ليس أكثر مما أراده رودلف؛ لقاءات سرية مختلسة أفضت بها إلى الانتحار، بينما بقيت حقيبتها ومعطف سفرها الثقيل، ليُثقلا بثمنهما المؤجل كاهل الزوج المسكين!
- كاتب مصري



مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.


نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.


لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
TT

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)

أصبح بمقدور العلماء الآن وضع خرائط لأماكن انتشار العقارب السامَّة، مما يمنح البشر أداة جديدة في مواجهة إحدى أخطر الحشرات التي تشكل تهديداً للصحة والسلامة العامة. وقد طوَّر فريق من الباحثين نهجاً علمياً جديداً للتعرُّف على مواقع انتشار بعض فصائل هذه الحشرة المميتة والتنبؤ بها، واستطاعوا، من خلال تحليل الظروف البيئية، تحديد العوامل التي تساعد في بقاء العقارب على قيد الحياة وانتشارها. وقد تساعد هذه النتائج الجهات المعنيّة على رصد الأماكن التي تتزايد فيها احتمالات وقوع حوادث لدغات العقارب، في مختلف المناطق الاستوائية حول العالم، حتى يتسنى لها اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للتصدي لهذه المشكلة.

اعتمد الفريق البحثي المشترك من جامعتي جالواي في آيرلندا وابن زهر في المغرب على سلسلة من الدراسات الميدانية ونموذج حاسوبي لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب حول العالم، فضلاً عن الأسباب الكامنة وراء الانتشار الجغرافي لهذه الحشرات.

وخلصت نتائج الدراسة إلى تحديد نمط واضح لانتشار العقارب، فتبيَّن أنّ نوع التربة يُعد من أقوى العوامل المؤثّرة في انتشارها، في حين تلعب درجات الحرارة والرطوبة دوراً رئيسياً في رسم خرائط انتشار بعض أنواعها.

ويقول الباحثون إن العقارب، على اختلاف أنواعها، لا تتفاعل مع البيئة بالطريقة نفسها، إذ إنّ بعضها يمتلك قدرات أعلى على التأقلم، مما يمنحه نطاقاً أوسع للانتشار، في حين يقتصر وجود فصائل أخرى على مناطق محدودة، ممّا يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالات التعرُّض للدغات بصفة خاصة.

خرائط جديدة لتقليل الألم الذي كان يحدث بلا إنذار (شاترستوك)

وركزت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية «اتصالات بحوث البيئة» المتخصصة في الدراسات البيئية، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، على مناطق وسط المغرب، لكونها من أخطر مناطق تمركز العقارب حول العالم، وكانت تهدف إلى تحسين إجراءات الوقاية ودعم إمكان تطوير أدوات أكثر فاعلية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. ويقول رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، الباحث مايكل دوغون، إنّ «هذه النتائج قد تسهم في إنقاذ الأرواح، إذ يمكن، من خلال تحديد أماكن تمركز العقارب بدقة، أو الأماكن التي يُحتمل أن تظهر فيها، أن تتمكن السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الأطقم الطبية المتخصّصة، وتنفيذ إجراءات وقائية في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر التعرُّض للدغات العقارب، وحماية الأطفال خصوصاً». وأضاف، في تصريحات نقلها موقع علمي متخصّص في البحوث، أنّ «هذا النهج العلمي يمكن تطبيقه في أي دولة تعاني خطر العقارب، من البرازيل إلى الشرق الأوسط والهند».

ويؤكد الباحثون أنّ العقارب تشكل خطراً صحياً يُغفَل في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرَّض أكثر من مليونَي شخص للدغاتها سنوياً. ورغم أنّ معظم اللدغات تؤدّي إلى آلام وتورمات، فإن لدغات بعض الفصائل قد تسبّب مشكلات صحية خطيرة وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال وكبار السنّ. وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو 3 آلاف طفل حول العالم يفقدون حياتهم بسبب لدغات العقارب كلّ عام. ورغم توافر أمصال مضادة لعدد من سموم العقارب، يواجه الأطباء تحدّيات كبيرة في علاج هذه الحالات، إذ يتعذَّر في كثير من الأحيان تحديد نوع العقرب الذي لدغ المصاب، ممّا يؤدّي إلى تأخير تقديم العلاج المناسب.

العلم يقترب من أماكن الخطر خطوةً خطوة (شاترستوك)

وفي إطار الدراسة، طبَّق الباحثون نموذجاً حاسوبياً يُعرف باسم «الانتروبيا القصوى»، يتيح التنبّؤ بالمناطق التي ترتفع فيها احتمالات وجود العقارب والظروف البيئية التي تفضّلها كلّ فصيلة. ومن خلال تحليل قواعد البيانات المتعلّقة بتركيبة التربة ودرجات الحرارة والظروف البيئية المختلفة، أثبت الفريق البحثي إمكانية تحديد الأماكن المُحتَملة لانتشار العقارب في دول أخرى خارج المغرب. وتنطوي هذه المعلومات على أهمية كبيرة بالنسبة إلى الدول الواقعة في المناطق المدارية، حيث لا تتوافر سجلات مفصَّلة عن أنواع العقارب المختلفة. وشارك في هذا المشروع علماء وباحثون حاصلون على درجة الدكتوراه من الجامعتين، إلى جانب طلاب من جامعة غالواي، يتوجّهون إلى المغرب سنوياً ضمن برنامج أكاديمي في مجال علم الحيوان.

ما كان عشوائياً صار قابلاً للتوقُّع (شاترستوك)

ويقول رئيس فريق الدراسة، مايكل دوغون: «بشكل عام، فإن معرفتنا بالعلوم البيئية الخاصة بالعقارب وسمومها وأفضل السبل لعلاج لدغاتها لا تزال محدودة، ويهدف هذا المشروع الدولي التعاوني إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلَّب تعاون فرق متعدّدة التخصّص، تضم خبراء في الصحة العامة وعلم الحيوان، فضلاً عن أفراد من المجتمعات المحلّية».

ومن جانبه، قال الباحث في جامعتي ابن زهر وأغادير وأحد المشاركين في الدراسة، فؤاد صالحي، إنّ «هذا البحث يثبت أنّ البيانات المتعلّقة بالتنوّع البيئي يمكن أن تُسهم في صياغة سياسات الصحة العامة. وقد تمكنا، من خلال الجمع بين العمل الميداني والنماذج الحاسوبية البيئية، من تحديد المناطق التي ترتفع فيها احتمالات انتشار العقارب الخطيرة، ونأمل أن يسهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الجاهزية الطبية، والمساعدة في الحدّ من أعباء لدغات العقارب، سواء داخل المغرب أو خارجه».