حقائب سعيدة وأخرى تعيسة

عن مشاعر رفيقك الصامت

حقائب سعيدة وأخرى تعيسة
TT

حقائب سعيدة وأخرى تعيسة

حقائب سعيدة وأخرى تعيسة

يفتتح تولستوي روايته «آنا كارنينا» بعبارة: «جميع الأسر السعيدة تتشابه، لكن كل أسرة تعيسة فهي تعيسة على طريقتها». وقد صار افتراض تولستوي مثلاً ليس لمنطقيته، بل لجمال العبارة. وبوسعنا أن نستعير افتراضه لوصف رفيق السفر الصامت، فنقول: «في السعادة، لا تختلف حقيبة عن أخرى، لكن تعاسة الحقائب تتنوع».
حقيبة السائح، أي المسافر باختياره من أجل الاستمتاع يلفها ذلك الفرح الساذج، سواء كانت صندوقاً من الأبنوس المطعم بالجواهر أو كانت مخلاة من القماش الصناعي على الظهر. مشاعر الحزن، على العكس من ذلك، تأبى التعميم، وهذا ليس مجرد افتراض.
الحقيبة الحزينة الأولى التي رأيتها في طفولتي كانت حقيبة ميت، بالأحرى مخلاة مدماة لضابط عادت مع جثته من الحرب. بعد ذلك، عرفت أن الحروب ليست شرطاً لرؤية حقائب تزحف على سير الأمتعة بالمطار، مع صندوق القصدير الذي يحوي جثمان صاحبها، أو حقيبة ترجع وحيدة بعد دفن صاحبها في الغربة.
في رواية أريج جمال «أنا أروى يا مريم»، تحكي الراوية عن عودتها طفلة وحيدة بعد موت أبويها في حادث. لم تدرك تماماً طبيعة ما حدث إلا عندما وجدت في استقبالها بالمطار أقارب لم تعرفهم، وامتدت إليها يد أحدهم وأخذت عنها الحقيبة.
انتشار المصريين غرباً إلى ليبيا، وشرقاً إلى العراق ودول الخليج، تجربة أنتجت أدباً، لكن تغريبة المصريين إلى أوروبا عبر البحر، التي بدأت في تسعينات القرن العشرين، على درجة من القسوة لا يستطيع الأدب التعامل معها. وقد قمت بتحقيق عن ظاهرة الموت في عرض البحر في كتابي «العار من الضفتين».
يولد حلم السفر في قلب المراهق القروي بالذات، وأحياناً في قلوب ذويه، فيبدأ التفكير في رحلة شجاعة، يعززها الجهل بالبحر الذي يتصورونه ترعة.
حتى لو كانت الرحلة حلماً شخصياً مترعاً بآمال الثروة، لا تعيش الحقيبة الصغيرة الرخيصة سعادتها سوى أيام، حيث تتعرض للانكسار في مهاجع التجميع السرية.
تنحيف جسد المسافر لكي يصبح خفيفاً على الزورق المتهالك مسألة تحدث تلقائياً، بسبب شح الطعام خلال أيام وليالي الانتظار. أما تعليمات ما قبل الإبحار، فالحقيبة هي المعنية بها: لا بد أن تتقلص محتوياتها إلى الحد الأدنى اللازم للحياة؛ الماء والقليل من الطعام أولاً. وبعض هذه الحقائب يختفي مع صاحبه، وبعضها يعود دون صاحبه، أما المسافر الذي تُكتب له النجاة، فيحتفظ برفيقة الخوف إلى أن تتحسن أحواله، فيراها مثل ندبة في الجسد تُذكِّره بلحظات مؤلمة. يبتهج عندما يكتشف أن بوسعه التخلص منها. وعندما يعود بعد سنوات طويلة، سترافقه أكثر من حقيبة سعيدة.
كنا، نحن المصريين، رواداً في افتقاد الأمل، فررنا دون قتال، ثم تبعنا السوريون واليمنيون والسودانيون، في نزوح فوضوي وأكثر إيلاماً.
السفر من أجل العلاج تسميه منظمة السياحة العالمية «سياحة علاجية». ربما ينطبق المصطلح على سفر قلة من الموسرين، تسافر دون مخاطر جدية إلى منتجعات تدَّعي قدرتها على التصدي لزحف الزمن. هؤلاء ستصاحبهم حقائب سعيدة، فيها الملابس المتفاخرة ولباس السباحة المبتهج، وأدوات الزينة التي سيشترون المزيد منها في أثناء الرحلة.
أفترض أن حقيبة المسافر بمرض خطير لن تكون سعيدة على هذا النحو. غرفها الأكثر راحة ستكون لعلب الأدوية التي يجب أن يستمر في تعاطيها إلى أن يأمر الطبيب البعيد بخلاف ذلك، وهناك التقارير وصور الأشعة السابقة. وستنزوي الملابس الحزينة والقليلة في المتبقي من الفراغ دونما كرامة.
تلك الحقيبة مرشحة لحزن أكبر في رحلة العودة، وفي مصادفات سعيدة تتبدل المشاعر إلى فرح مطلق أو اطمئنان حذِر. تختفي الأدوية أو تتقلص مساحتها لصالح هدايا للآخرين ومشتريات لتدليل الذات.
قد تنطوي حقيبة المسن على بعض محتويات حقيبة المريض، من أدوية وأجهزة قياس، تضمها حقيبة العجائز باستسلام وفتور، بعد أن صارت جزءاً من الوجود.
عندما يتوقف الجسد عن الدوران حول لحم آخر خارجه، يبدأ في الانشداد إلى تلك العلب الكرتونية والبرطمانات الزجاجية التي تشبه شُهباً صغيرة معلقة في مجاله.
حقيبة عروس في شهر العسل تختلف عن حقيبة الأم المُرضعة؛ الحاجة إلى تأجيج شغف جسد آخر تجهله المرأة تماماً، أو تعرفه تحت ظرف مغاير يختلف عن سكينة السفر مع جزء من جسدها، حبه لها مضمون. مساحة الطفل لها الأولوية في الحقيبة: الببرونة، وعلبة الحليب الجاف، ومنظفات ومرطبات تلك الكتلة الطرية المتوهجة بالحياة. ملابس الصغير وحفاضاته قبل ملابسها، فأناقة هذا المُجسم الصغير تغني عن أناقتها. حمالة الصدر المنذورة للإغواء غير العملية التي تتيح سهولة الإرضاع، وتستوعب بلل الحليب الزائد.
أفترض أن قصص الحب السعيد وحقائبه لا تعني إلا أصحابها، فالأدب إنما يُخلِّد القصصَ الحزينة فحسب.
عندما أفكر بحقائب الحب، أتذكر «آنا كارنينا» و«إيما بوفاري». آنا التي عرفت الحقائب السعيدة في سفرها، عندما كانت خلية البال تسافر بين بطرسبرج مدينتها وموسكو حيث يُقيم شقيقها، ثم عرفت بعد ذلك حقيبة الانكسار والحزن، عندما تحيرت بين بيت زوج ممل وبيت عشيق لم يحتمل حزنها على ابنها الذي حُرمت منه، حتى ضاقت بها الحياة، فألقت بنفسها تحت عجلات القطار.
إيما بوفاري لم تسافر بعيداً، فقد عرفت عشيقين محليين، لكنها اشترت حقيبة ومعطفاً ثقيلاً من أجل الهرب بعيداً مع أحدهما. رودلف بولانجيه الذي تصورت معه حياة عريضة، ووضع معها تفاصيل خطة الهروب، كتب إليها رسالة قبل السفر بساعات يرفض فيها المغامرة، على طريقة «أحبك، لكنك لن تكوني سعيدة معي، تستحقين أفضل مني». تنصل رجالي لم يزل فاعلاً إلى اليوم، وأصبح مصدر تندر النساء على تجمعاتهن الإلكترونية المغلقة!
لكننا نصادف في الروايتين لوناً آخر من الحقائب الحزينة: حقيبتان كانتا تقاومان فتح قلبيهما للأمتعة.
رواية «آنا كارنينا» لا نشاهد آنا في البداية، بل شقيقها ستيفان أوبلونسكي الذي يستيقظ من النوم مفكراً في غضب زوجته داريا التي خانها مع مربية أطفالهما. يتوجه إلى غرفتها ليسترضيها، فيجدها واقفة أمام خزانة ملابسها، تلقي بمحتوياتها على السرير دون أن تجرؤ على وضعها في الحقيبة، حيث ظلت الحيرة تمزقها أياماً وليالي، بين بقائها في بيت واحد مع زوج خائن وبين الرحيل إلى بيت أسرتها، فأطفالها الخمسة صاروا ضائعين في بيت حزين تضرب الفوضى في جنباته، وسيكونون أكثر ضياعاً إذا ما أخذتهم بعيداً عن بيت أبيهم.
وفي رواية فلوبير «مدام بوفاري»، يتملك اليأس الشاب ليون كاتب المحامي، الذي يبادل إيما كتمان الحب، فيقرر السفر لاستكمال دراسته في باريس، لكنه ظل مدة طويلة يراكم صناديق وحقائب، ويحزم حزماً تكفي لرحلة حول العالم. كان في الواقع يستبطئ الرحيل.
لكنه سيرحل، وسيلتقطها من بعده رودلف، الذي لم يكن يختلف عن زوجها شارل بوفاري، إلا بجسارته في التعبير عن شهواته، وبعد أن يخذلها، يعود إليها ليون بعد أن تخلص من مراوغات الخجل، وتأكد أن ما كان يريده منها ليس أكثر مما أراده رودلف؛ لقاءات سرية مختلسة أفضت بها إلى الانتحار، بينما بقيت حقيبتها ومعطف سفرها الثقيل، ليُثقلا بثمنهما المؤجل كاهل الزوج المسكين!
- كاتب مصري



لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».