رئيس مجلس النواب العراقي: في المرحلة السابقة لم يكن هناك احترام للقانون وللبرلمان

الجبوري أكد في حديث لـ {الشرق الأوسط} أنه من دون علاقات عميقة مع محيطه العربي لن يحقق العراق شيئا

سليم الجبوري
سليم الجبوري
TT

رئيس مجلس النواب العراقي: في المرحلة السابقة لم يكن هناك احترام للقانون وللبرلمان

سليم الجبوري
سليم الجبوري

عندما اقتحمت عوائل ضحايا مجزرة قاعدة سبايكر التي راح ضحيتها ما يقرب من ألفي شاب عراقي كانوا جنودا في القوات المسلحة، في يونيو (حزيران) الماضي، مبنى مجلس النواب العراقي قبل 3 أسابيع، عالج سليم الجبوري، رئيس مجلس النواب الموضوع بحكمة وذكاء دلت على حنكته في مواجهة أول الأزمات التي تسببت بها القيادة العسكرية، بينما تفاقمت في مستهل عمل البرلمان، إذ استدعى (الجبوري) القيادات العسكرية ومن ضمنهم وزير الدفاع، سعدون الدليمي، واستضاف عوائل الضحايا تحت قبة البرلمان واستمع للجميع في جلسة بثت عبر التلفزيون ليحيل القضية إلى التحقيق. هذا الاختبار العملي دفع بالجبوري (43 سنة) الحاصل على شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة بغداد، إلى الواجهة أكثر من ذي قبل، وتبعته جلسة منح الثقة لحكومة حيدر العبادي، إذ بدا، وباسم الدستور، حاسما وقويا في مجابهة القلاقل والسجالات التي أراد البعض إثارتها.
ويحتاج الجبوري المتحدر من محافظة ديالي، شرق بغداد، والقيادي في الحزب الإسلامي المؤتلف مع تحالف القوى الوطنية (سني)، إلى 48 ساعة لإتمام مهامه اليومية.
«الشرق الأوسط» التقت الجبوري وكان لها معه حوار في ما يلي نصه:
* تسلمتم رئاسة مجلس النواب العراقي والأوضاع داخليا وإقليميا ملغومة بالأزمات، من بين كل الأزمات.. ما أولوياتكم؟
- عندما تواجه تحديا تتشابك فيه أزمات الأوضاع الأمنية مع الأزمات السياسية ووصلنا فيه إلى حالة اللادولة، وبالتالي فإن أبرز أولوياتنا وأهمها هي أن نوجد معالم الدولة ومؤسساتها من خلال عمل سياسي كان البعض يراهن عليه ويعتقد بفشله وعدم نجاحه وفي ظل اضطراب أمني وصلت فيه التحديات إلى أسوار بغداد، وكان هناك انهيار أمني في محافظات، وشبه انهيار في محافظات مختلفة، لذلك علينا العمل أولا لإثبات وجود معالم الدولة والانطلاق نحو بناء مؤسساتها المدنية ونظامها والإيمان بتوجهاتها انطلاقا من الممارسة الديمقراطية التي أفرزتها الانتخابات.
* كنت عضوا في مجلس النواب السابق الذي انتهت فترته من دون أن يقدم نتائج ملموسة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية، ماذا ستقدمون في هذه الدورة البرلمانية؟
- واحدة من معاناتنا في المرحلة السابقة هي أن قيمة البرلمان كانت ضعيفة في نفوس الناس، وأسهم في خلق هذه الصورة، وبالدرجة الأولى الإعلام، في تشويه صورة مجلس النواب، وكذلك العلاقة المحتدمة والصراع بين المجلس والسلطة التنفيذية، كما أسهمت في رسم هذه الصورة سلوكيات بعض البرلمانيين وغياب الأعراف البرلمانية، وهذا يعني إسقاط هيبة السلطة التشريعية في أعين الناس، وأصبح مجلس النواب غير ذي هيبة في تفكير المواطنين، وعليه إذا أردنا أن نحيي البرلمان ونبرهن للعراقيين على أننا في ظل سلطة تشريعية حاكمة ولها مهام واضحة ودستورية فلا بد من أن نعيد الأعراف الدستورية، وهذا ما شرعنا به نحن منذ بداية عملنا في رئاسة مجلس النواب.
* وما التشريعات التي ستعملون على إنجازها راهنا؟
- قانون مجلس الاتحاد والمحكمة الاتحادية وقانون الأحزاب وقانون حرية التعبير عن الرأي، وأوجدنا أسلوبا جديدا وضمن إطار دستوري لأن تكون هيئة الإعلام والاتصالات تابعة للبرلمان وضمن رقابة مجلس النواب.
* حسب الدستور العراقي فإن مجلس النواب هو أعلى سلطة في العراق، لكننا لاحظنا أن السلطة التنفيذية (الحكومة) كانت هي الأقوى في المرحلة السابقة؟
- يفترض أن مجلس النواب هو أعلى وأقوى سلطة في البلد، وهذا ما يجب أن يكون عليه الوضع، لكن للأسف في المرحلة السابقة لم يكن هناك احترام للقانون ولا لمجلس النواب وهيبته، وبالتالي كان هناك شعور بأن هيمنة الحكومة هي النافذة والقادرة على أن تفرض إرادتها وعلى أن تسلب دور مجلس النواب في تنفيذ وتحقيق دوره الدستوري، على سبيل المثال، فإن البرلمان لم يستطع استدعاء قيادات أمنية وعسكرية طوال الفترة الماضية، الدورة البرلمانية السابقة، وهذا يدل على عدم الاعتراف بوجود البرلمان وقراراته في الاستجواب والتحقيق والوصول إلى الحقائق، وهذه واحدة من المسائل التي أعتقد أنها تحتاج إلى الثقة، ثقة الناس بأن من يمثلهم قادر على تحقيق ما يريدون ولا يعلو أحد على القانون.
* وما الذي تغير الآن، كيف تمكنتم من استدعاء وزير الدفاع العراقي سعدون الدليمي والقيادات العسكرية على خلفية مجزرة سبايكر؟
- نحن أوصلنا رسائل لوزارة الدفاع والقيادة العسكرية بأننا لسنا عدائيين ولا نهدف من خلال استدعائهم تحت قبة البرلمان الإطاحة بهم أو بمؤسسة الجيش العراقي الذي نحترمه، وأفهمناهم أن مفهوم الفصل بين السلطات يعني التعاون بين هذه السلطات لتحقيق قضايا كثيرة تهم البلد والشعب، ثم حصل تفاهم غير معلن بين الرئاسات الثلاث، مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، بأننا نتفاهم في القضايا الاستراتيجية بعيدا عن الإعلام لتحقيق هدف معين مفاده كيف نحقق قوة ونبرهن على سلطة المؤسسة التشريعية مع الحفاظ على توازن وهيبة السلطة المؤسسة التنفيذية ورئاسة الجمهورية، هذا الاتفاق الذي حصل، حتى رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، وافقنا بهذا الجانب بدرجة كبيرة، وعليه فأنا أعتقد أن السلطة التنفيذية إذا أرادت أن تحافظ على وجودها فلا بد أن تحترم مقررات مجلس النواب وتعطيه قدرا أكبر من الاعتراف والاهتمام بقراراته.
* ذكرتم الإعلام مرتين، اتهمتموه مرة بأنه أسهم بتشويه صورة مجلس النواب، وثانية قلتم إن اتفاقاتكم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تجري بعيدا عن الإعلام، وكأن الإعلام هو سبب خراب الأوضاع أو سلب هيبة البرلمان، هل بالفعل تعتقدون ذلك؟
- الإعلام لعب دورا كبيرا، سلبا أم إيجابا، لخلق قناعات لدى الناس في تحقيق نوع من الرضا أو الرفض، حتى باتجاه مؤسسات الدولة وشخصياتها، وهذا أمر لا يمكن إغفاله، والإعلام في العراق خاصة تحول إلى مؤسسات صنع القرار، وهناك الكثير من القيادات السياسية أو الحكومية صارت تحاول أن تسوق قراراتها بالطريقة التي تبدو فيها هذه القرارات مرضية أو مقبولة من قبل الإعلام، وهناك الكثير من القرارات التي كانت صحيحة، لكن أسلوب تسويقها كان مشوها وغير صحيح بفعل الماكينة الإعلامية.
* لكن للإعلام مهماته المعروفة في نشر الخبر والبحث عن الحقائق؟
- نعم، الإعلام مهم، ومهم جدا، ومن جانبنا حاولنا الانفتاح على القنوات الإعلامية ليس خشية منه أو نتجنب الهجمات التي تعرض لها مجلس النواب في المرحلة الماضية، وإنما حتى نعطي الحقائق ونكون شفافين في إيصال المعلومة مثلما هي وأعتقد نحن نجحنا حتى الآن في هذا الجانب.
* أمضى مجلس النواب السابق فترات طويلة من ولايته منشغلا بالمناكفات والاختلافات والسجالات السياسية بين الكتل الممثلة داخل البرلمان حتى إن اعتراض هذه الكتلة أو تلك على بعض التشريعات كان يجري نكاية ببعض الكتل وفوتوا على المجلس والشعب العراقي فرصة تشريع قوانين للصالح العام، ترى كيف ستتجاوزون هذه الحالة في مجلسكم اليوم؟
- عندنا اليوم مشروع سنعمل به وهو أن نجمع عددا من أعضاء مجلس النواب لتشكيل ما يشبه البرلمان المصغر وندمج معهم عددا من المفكرين الذين يتمتعون برؤية وطنية واضحة من خارج المجلس، أي ليسوا من البرلمانيين، وقد نستعين بشخصيات نافذة في الحكومة شريطة أن يكون لقراراتها وأفكارها أثر عملي على أرض الواقع لمناقشة القضايا الاستراتيجية المتعلقة ببناء الدولة، وهذا أهم موضوع في جانب الإصلاح السياسي وأعني قضية بناء الدولة، لتبقى المناكفات موجودة بين الكتل السياسية، وحتى إذا لم نتفق، لكن علينا الشروع ببناء مؤسسات مدنية في كل جوانب الدولة، وأعني القضاء والثقافة والإعلام والاقتصاد والخدمات والمجتمع، وما إلى ذلك.
* خلال دورة برلمانية كاملة، أكثر من 4 سنوات، لم يتمكن مجلس النواب من إصدار تشريعات مهمة حسبما يقول العراقيون، تشريعات لقوانين تهم الناس، بل إن أغلب التشريعات حسمت لصالح امتيازات البرلمانيين، ما هو تعليقكم على ذلك؟
- أتصور أن هناك تشريعات مهمة صدرت لصالح العراقيين منها قانون الضمان الاجتماعي وبعض القضايا الجوهرية التي أصدرتها اللجان المختصة، ولكن من كان يعوق إصدار هذه التشريعات كقوانين هو السلطة التنفيذية، ثم إن اهتمامات مجلس النواب كثيرة. ودعوني أعلن لكم وللمرة الأولى أنه سيقوم البرلمان بمحاسبة إنجازاته وتقييمها بناء على تقرير وبحث جرى إعداده من جهات ليست برلمانية، بل من منظمات المجتمع المدني يتناول عمل البرلمان السابق وسيجري عرضه بسلبياته وإيجابياته على جلسة الأسبوع المقبل داخل قبة البرلمان، ويتناول التقرير نسب الإنجاز والإخفاقات والنجاح وعدد الأعضاء الملتزمين والمتغيبين وعدد أيام العطل والدوام، لن يجري ذكر أسماء حتى لا نتعدى على خصوصية البعض، لكننا سنقرر استراتيجية عملنا المقبل على ضوء أخطاء الفترة الماضية، وهذا التقرير جرى إنجازه وتوزيعه على النواب وستجري مناقشته يوم الخميس المقبل.
* استضفتم عوائل ضحايا مجزرة قاعدة سبايكر في البرلمان بعد اقتحامهم لبناية مجلس النواب، واستدعيتم القيادات العسكرية المسؤولة، ولكن هل هناك من نتائج تظهر الحقائق للرأي العام؟
- هذه الحادثة حصلت في ظل غياب البرلمان، في يونيو الماضي، وجئنا على أنقاض مجزرة معالمها ضائعة، وما زالت أرض الجريمة هي أرض معركة والأدلة ضائعة، والشهود متناقضين وليسوا متفقين، واختلطت في الجريمة أطراف متعددة وخيوطها متشابكة، وفي قصص الجنود هناك اختلافات، للعشائر كان هناك دور والقيادات الأمنية إفاداتها متناقضة، ونحن كل الذي فعلناه استضفنا عوائل الضحايا واستدعينا القيادات العسكرية بما فيها وزير الدفاع، وبعثنا وبشكل رسمي وغير رسمي أطراف إلى القاعدة للتحقق، جمعنا ما عندنا من أدلة وأحلناها إلى لجنة مكلفة التحقيق بالجريمة وما زالت تعمل ونحن في انتظار النتائج.
* لكنّ عددا من أعضاء مجلس النواب اعترضوا خلال جلسة استدعاء القيادات العسكرية بسبب عدم حضور القائد العام للقوات المسلحة السابق، نوري المالكي؟
- إذا أثبتت التقارير ونتائج التحقيق مسؤولية رئيس الحكومة السابق أو تحمله جانبا من هذه المسؤولية سنعلن ذلك لتأخذ الإجراءات مسارها، ونحن حملنا القيادات الميدانية التي هي على مستوى عال في الجيش، وكذلك وزير الدفاع، مسؤولية ما حدث ووجهنا سؤالا حول عدم حضور القائد العام للقوات المسلحة السابق، علما بأن عملية استدعاء القيادات العسكرية جرت خلال ساعات الليلة التي سبقت جلسة البرلمان التي استضفنا فيها عوائل ضحايا جريمة سبايكر. وفي السياقات الاعتيادية يجب مراعاة ظروف من يجري استدعاؤهم ولا ينبغي فرض هذا الوقت السريع، لكننا فعلنا ذلك وكان هناك قادة معنيون في عمليات حديثة ومقاتلة «داعش»، وحضر من حضر وأستطيع القول إن 10 من القيادات العسكرية والأمنية استجابت للاستدعاء.
* ومن سيتحمل مسؤولية انكسار الجيش وانسحابه في الموصل أمام «داعش»، وجريمة سبايكر، وقصف الفلوجة والرمادي بالبراميل المتفجرة، والمآسي التي تحدث في ديالي، أم أنكم ستدعون المرحلة تمر بلا حساب؟
- من المؤكد أن هناك من يتحمل مسؤولية ما حدث، لكننا في حالة حرب، إذا صحت التسمية، حرب إبادة ضد شعبنا، وحدث نوع من التخاذل الذي أصاب قياداتنا العسكرية، والانهيار الأمني أصبح واضحا، وهناك أطراف كثيرة تتحمل المسؤولية ولكن نسب هذه المسؤولية حسب دور ومكانة ومركز كل طرف في الموضوع، وبالنسبة لي من الصعوبة أن أحدد على من تقع المسؤولية الأكبر فيما حدث، لكني أقول إن سوء الإدارة للسلطة التشريعية منع المؤسسات من أن تلعب دورها، والجانب السياسي كان مربكا، وهذا اثر في نوع ردود الأفعال التي تصرفت بضوئها الناس، وأكبر مشكلة هي أن يتعاطف الناس مع الإرهابيين ظنا منهم أن هذا هو الخلاص من المأساة التي كانوا يعيشونها.
* باعتقادكم من هو المسؤول عن انسحاب الجيش من الموصل؟
- معروف وبشكل واضح وعلى المستوى العسكري فإن القائد العام للقوات المسلحة (السابق) هو من يتحمل هذه المسؤولية، وكذلك وزير الدفاع والقيادات العسكرية الميدانية، وكذلك الحكومة وجزء من المسؤولية تتحمله الجهة الرقابية التي لم تقم بدورها الحقيقي.
* هل هناك بوادر لحل الأزمة بين بغداد وأربيل؟
- نعم، هناك جانب من المسعى ناتج من مصلحة الجميع لحل الأزمة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وليس من مصلحة أي طرف أن تستمر أي أزمة بين بغداد وأربيل، نحن عندنا قانون النفط والغاز لا بد من حل إشكالاته، كما يجب حسم ملف المناطق المتنازع عليها، ولا بد من مشاركة الأكراد في صناعة القرارات المهمة التي تخص البلد، ووجود الوزراء الأكراد في الحكومة الاتحادية سيمنحها أهمية أكبر، وحتى هذه اللحظة لم يؤد الوزراء الأكراد القسم الدستوري.
* ماذا يشكل مؤتمر باريس من أهمية بالنسبة للعراق باعتقادكم؟
- هو بداية لوضع واهتمام دولي جديد لما يمر به العراق يتمثل بمعالجة الإشكالات الأمنية وذلك بمحاربة «داعش» والمجاميع الإرهابية والقضاء على الميليشيات، والتفاعل الأممي الكبير مع موضوع دعم العراق للخلاص من أزماته الأمنية أمر غير مسبوق، وما صدر عن المؤتمر هو تأكيد لما تقرر من قبل الدول الكبرى في محاربة «داعش»، وهذه بداية سيكون فيها للعراق دور كبير ومهم.
* هل هناك تصور لدى مجلس النواب لمعالجة الفراغ في موضوع علاقات العراق مع محيطه العربي؟
- نعم، هناك أكثر من طريقة لمعالجة هذا الموضوع الذي يحوز اهتمامنا، ودعني اكشف لكم أن مجلس النواب شرع بتشكيل وفود لزيارة الدول العربية بناء على دعوات وجهت للبرلمان من قبل المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات والمملكة الأردنية ومصر، وهذه الوفود تضم عددا من النواب ومن كتل مختلفة من أجل تطوير علاقات العراق مع الدول العربية، من دون علاقات عميقة مع محيطنا العربي نشعر بأننا لن نحقق شيئا وأن هناك إرباكا في الأمر.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.