إن الكثير من التكنولوجيا الشائعة في حياتنا اليومية نبعت من الدافع لإرسال الإنسان إلى سطح القمر. ووصل هذا الجهد إلى ذروته عندما خرج نيل أرمسترونغ من مركبة «أيغل» ليخطو فوق سطح القمر قبل 50 عاماً.
وبصفتي سفيراً لعلم الفضاء بوكالة «ناسا» ومديراً لجامعة «ويسكونسن - ميلووكي مانفريد أولسون بلانيتاريوم»، فإنني أدرك أن التقنيات التي تستند إلى التنبؤ بالطقس ونظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) وحتى الهواتف الذكية جميعها تعود أصولها إلى السباق نحو القمر.
1. الصواريخ
يعتبر 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1957 فجر عصر الفضاء، إذ شهد ذلك اليوم إطلاق الاتحاد السوفياتي لأول قمر صناعي من صنع الإنسان حمل اسم «سبوتنيك». كان السوفيات أول من صنع مركبات إطلاق قوية، وذلك بتعديل الصواريخ بعيدة المدى التي تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، تحديداً الصواريخ الألمانية طراز V - 2
من هنا بدأ السباق الفضائي وتكنولوجيا الأقمار الصناعية يكتسب زخماً وسرعة كبيرة: فقد خرجت المركبة «لونا 1» من مجال الجاذبية الأرضية لتتخطى القمر في 4 يناير (كانون الثاني) 1959. وحملت المركبة «فوستوك 1» أول إنسان للقمر وكان ذلك الشخص يوري غاغارين في 12 أبريل (نيسان) 1961. وكان القمر الصناعي التجاري «تيسلر» أو من أرسل إشارات تلفزيونية عبر المحيط الأطلسي في 10 يوليو (تموز) 1962.
استغل الهبوط على سطح القمر عام 1969 أيضاً خبرات العلماء الألمان مثل فيرنر فون براون لإرسال حمولات ضخمة إلى الفضاء. وقد استهلكت المحركات طراز F - 1 بالمركبة «ساتيرن في» التي انطلقت ضمن برنامج «أبولو» ما مجموعه 2800 طن من الوقود بمعدل 12.9 طن في الثانية الواحدة.
لا يزال صاروخ «ساترن في» أقوى صاروخ جرى تصنيعه على الإطلاق، لكن الصواريخ اليوم باتت أقل تكلفة بكثير فيما يخص عملية الإطلاق. على سبيل المثال، تكلف إطلاق المركبة «ساتيرن في» 185 مليون دولار في ذلك الحين، وهو ما يفوق المليار دولار بأسعار 2019. فيما لم تتجاوز تكلفة إطلاق المركبة «فالكون هيفي» اليوم 90 مليون دولار. فهذه الصواريخ هي التي تحمل الأقمار الصناعية ورواد الفضاء والمركبات الفضائية الأخرى من سطح الأرض بغرض إرسال المعلومات والصور من عوالم أخرى.
2. الأقمار الصناعية
أدى السعي لإرسال رجل إلى سطح القمر إلى بناء مركبات قوية قادرة على السير بحمولات لمسافات تتراوح ما بين 21.200 إلى 22.600 ميل (34.100 إلى 36.440 كلم) فوق سطح الأرض. في مثل هذه الارتفاعات، تتماشى سرعة المدارات التي تدور حول الأقمار الصناعية مع السرعة التي يدور بها الكوكب - بحيث تظل الأقمار الصناعية فوق نقطة ثابتة، فيما يسمى المدار المتزامن مع الأرض. الأقمار الصناعية المتزامنة مع الأرض هي المسؤولة عن الاتصالات وعن توفير الاتصال بالإنترنت والبرمجة التلفزيونية.
في بداية عام 2019. كان هناك 4997 قمراً صناعياً يدور حول الأرض، وفي عام 2018 وحده جرى إطلاق 382 قمراً مدارياً في جميع أنحاء العالم. من بين الأقمار الصناعية العاملة حالياً يُمكّن لنحو 40 في المائة من عددها القيام بعمليات الاتصالات، 36 في المائة مراقبة الأرض، و11 في المائة توفير تقنيات العرض، و7 في المائة تحسين الملاحة وتحديد المواقع، و6 في المائة تطوير علوم الفضاء والأرض.
3. الترشيد
تصف المهام الفضائية - منذ بدايتها وحتى اليوم - بالقيود الصارمة على حجم وكمية معداتهم الثقيلة نظراً للحاجة إلى الكثير من الطاقة للانطلاق والسير في المدار. وقد دفعت هذه القيود صناعة الفضاء إلى إيجاد طرق لعمل نسخ أصغر وأخف وزناً من كل شيء تقريباً: حتى جدران وحدات الهبوط على سطح القمر جرى تخفيض سمكها بحيث لا تتعدى سمك ورقتين.
منذ أواخر الأربعينيات حتى أواخر الستينيات من القرن الماضي، جرى تخفيض الوزن واستهلاك الطاقة للإلكترونيات مئات المرات - من 30 طناً و160 كيلووات في جهاز دمج الأرقام والحاسوب الكهربائي إلى 70 رطلاً و70 واطاً في كومبيوتر التوجيه «أبولو». ولتوضيح الفارق، فإن الاختلاف في الوزن يعادل الفارق ين الحوت الأحدب وفأر.
تتطلب المهام المأهولة أنظمة أكثر تعقيداً من الأنظمة السابقة غير المأهولة. على سبيل المثال، في عام 1951 كان الكومبيوتر العالمي التلقائي قادراً على الحصول على 1905 أوامر في الثانية الواحدة، في حين أن نظام «ساتيرن في» للتوجيه الخاص ينفذ 12090 أمراً في الثانية. استمر الاتجاه في السير نحو الإلكترونيات الذكية، حيث أصبحت الأجهزة المحمولة باليد الحديثة قادرة بشكل روتيني على تنفيذ التعليمات أسرع بـ120 مليون مرة من نظام التوجيه الذي مكّن من رفع المركبة «أبولو 11» إلى الفضاء. كذلك ساعدت الحاجة إلى تصغير أجهزة الكومبيوتر بغرض استكشاف الفضاء في الستينيات إلى تحفيز الصناعة بأكملها لتصميم أجهزة كومبيوتر أصغر وأسرع وأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، مما أثر عملياً على مختلف جوانب الحياة اليوم، بدءاً من الاتصالات إلى الصحة ومن التصنيع إلى النقل.
4. شبكة عالمية من المحطات الأرضية
كان التواصل مع المركبات والأشخاص في الفضاء بنفس أهمية إطلاقها. فقد كان ضمن الإنجازات المهمة المرتبطة بالهبوط على سطح القمر عام 1969 بناء شبكة عالمية من المحطات الأرضية، تسمى «شبكة الفضاء السحيق» هدفها السماح لأجهزة التحكم على الأرض بالتواصل المستمر مع البعثات في مدارات الأرض البيضاوية أو خارجها. كان استمرار ذلك ممكناً لأن المنشآت الأرضية بنيت بفاصل استراتيجي يبلغ 120 درجة عن بعضها بعضاً في خطوط الطول بحيث تعمل كل مركبة فضائية في نطاق إحدى المحطات الأرضية في جميع الأوقات.
ونظراً لقدرة الطاقة المحدودة لمركبة الفضاء، فقد جرى بناء هوائيات كبيرة على الأرض تشبه «آذاناً كبيرة» لسماع الرسائل الضعيفة وجرى كذلك بناء «أفواه كبيرة» لبث الأوامر بصوت مرتفعٍ. في الواقع، جرى استخدام «شبكة الفضاء السحيق» للتواصل مع رواد الفضاء على متن مركبة الفضاء «أبولو 11» التي كانت تستخدم لنقل الصور التلفزيونية الأولى لنيل أرمسترونغ بينما كان يخطو أولى خطواته على سطح القمر. كانت الشبكة ضرورية أيضاً لبقاء الطاقم بمركرة «أبولو 13» نظراً لحاجتهم إلى التوجيه من الأفراد على كوكب الأرض دون إهدار طاقتهم الثمينة في الاتصالات.
تستخدم عدة عشرات من البعثات «شبكة الفضاء السحيق» كجزء من الاستكشاف المستمر لنظامنا الشمسي وما وراءه. بالإضافة إلى ذلك، تسمح شبكة «الفضاء السحيق» بالاتصال بالأقمار الصناعية الموجودة بمدارات بيضاوية لمراقبة القطبين وإيصال إشارات الراديو.
5. النظر إلى الأرض
سمح الوصول إلى الفضاء للناس تحويل جهودهم البحثية تجاه الأرض. في أغسطس (آب) 1959. التقط القمر الصناعي «إكسبلورر 6» غير المأهول أول صور خام للأرض من الفضاء في مهمة تبحث في الغلاف الجوي العلوي، استعداداً لبرنامج «أبولو».
بعد ما يقارب عقداً من الزمان، التقط طاقم المركبة «أبولو 8» صورة شهيرة للأرض ترتفع فوق القمر أطلق عليها اسم «انبعاث الأرض»، وقد ساعدت هذه الصورة الناس على فهم كوكبنا على أنه عالم مشترك وفريد من نوعه وعززت من الاهتمام بالحركة البيئية.
تعمق فهم دور كوكبنا في الكون من خلال صورة «النقطة الزرقاء الشاحبة» التي التقطت من خلال المركبة «فوياج 1» والتي تلقتها «شبكة الفضاء السحيق». ويمكن رؤية الأرض من خلال حافة النظام الشمسي كنقطة زرقاء شاحبة صغيرة وسط شريط أيمن بني.
انهمك الناس وكذلك معداتنا في التقاط صور للأرض من الفضاء منذ ذلك الحين لتصبح بمثابة المرشد على الصعيدين العالمي والمحلي. وما بدأ في أوائل الستينيات من القرن الماضي كنظام أقمار بحرية تابعة للبحرية الأميركية لتتبع غواصات «بولاريس» التابعة لها على عمق 600 قدم (185 متراً) ازدهر ليصبح اليوم نظام تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية (جي بي إس) المستخدم اليوم في جميع أنحاء العالم.
يجري استخدام الصور التي أرسلتها سلسلة من الأقمار الصناعية لمراقبة الأرض المسماة «لاندسات» لتحديد صحة المحاصيل وتحديد الطحالب واكتشاف رواسب الزيت المحتملة. وتشمل الاستخدامات الأخرى تحديد أنواع إدارة الغابات الأكثر فعالية في إبطاء انتشار الحرائق أو التعرف على التغيرات العالمية مثل التغطية الجليدية والتنمية الحضرية.
كلما زاد علمنا بكوكبنا وبالكواكب الخارجية - الكواكب حول النجوم الأخرى – كلما زاد إدراكنا بقيمة كوكبنا. فمن ضمن التقنيات الأخرى التي وفرها برنامج أبولو تقنية خلايا الوقود التي تهدف إلى الحفاظ على كوكب الأرض. فأنظمة تخزين الهيدروجين والأكسجين بـ«مركبة خدمة أبولو» تحتوي على أنظمة ومستلزمات دعم الحياة لمهام الهبوط على سطح القمر وتوليد الطاقة وإنتاج المياه الصالحة للشرب لرواد الفضاء. كذلك تلعب مصادر الطاقة الأكثر نظافة من محركات الاحتراق التقليدية دوراً في تقليل إنتاج الطاقة العالمي وذلك لمكافحة تغير المناخ.
إن كل ما سبق يعطي الإجابات عن تساؤلات كثيراً ما أثيرت عن جدوى إرسال البشر إلى كواكب أخرى ومدى الفائدة التي عادت على البشرية بعد مرور 50 عاماً على وصول أول إنسان لكوكب المريخ.
* خدمات «تريبيون ميديا»
من الـ«جي بي إس» إلى الهواتف الذكية... كيف غير الهبوط على سطح القمر الحياة على الأرض
من الـ«جي بي إس» إلى الهواتف الذكية... كيف غير الهبوط على سطح القمر الحياة على الأرض
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

