من الـ«جي بي إس» إلى الهواتف الذكية... كيف غير الهبوط على سطح القمر الحياة على الأرض

TT

من الـ«جي بي إس» إلى الهواتف الذكية... كيف غير الهبوط على سطح القمر الحياة على الأرض

إن الكثير من التكنولوجيا الشائعة في حياتنا اليومية نبعت من الدافع لإرسال الإنسان إلى سطح القمر. ووصل هذا الجهد إلى ذروته عندما خرج نيل أرمسترونغ من مركبة «أيغل» ليخطو فوق سطح القمر قبل 50 عاماً.
وبصفتي سفيراً لعلم الفضاء بوكالة «ناسا» ومديراً لجامعة «ويسكونسن - ميلووكي مانفريد أولسون بلانيتاريوم»، فإنني أدرك أن التقنيات التي تستند إلى التنبؤ بالطقس ونظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) وحتى الهواتف الذكية جميعها تعود أصولها إلى السباق نحو القمر.
1. الصواريخ
يعتبر 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1957 فجر عصر الفضاء، إذ شهد ذلك اليوم إطلاق الاتحاد السوفياتي لأول قمر صناعي من صنع الإنسان حمل اسم «سبوتنيك». كان السوفيات أول من صنع مركبات إطلاق قوية، وذلك بتعديل الصواريخ بعيدة المدى التي تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، تحديداً الصواريخ الألمانية طراز V - 2
من هنا بدأ السباق الفضائي وتكنولوجيا الأقمار الصناعية يكتسب زخماً وسرعة كبيرة: فقد خرجت المركبة «لونا 1» من مجال الجاذبية الأرضية لتتخطى القمر في 4 يناير (كانون الثاني) 1959. وحملت المركبة «فوستوك 1» أول إنسان للقمر وكان ذلك الشخص يوري غاغارين في 12 أبريل (نيسان) 1961. وكان القمر الصناعي التجاري «تيسلر» أو من أرسل إشارات تلفزيونية عبر المحيط الأطلسي في 10 يوليو (تموز) 1962.
استغل الهبوط على سطح القمر عام 1969 أيضاً خبرات العلماء الألمان مثل فيرنر فون براون لإرسال حمولات ضخمة إلى الفضاء. وقد استهلكت المحركات طراز F - 1 بالمركبة «ساتيرن في» التي انطلقت ضمن برنامج «أبولو» ما مجموعه 2800 طن من الوقود بمعدل 12.9 طن في الثانية الواحدة.
لا يزال صاروخ «ساترن في» أقوى صاروخ جرى تصنيعه على الإطلاق، لكن الصواريخ اليوم باتت أقل تكلفة بكثير فيما يخص عملية الإطلاق. على سبيل المثال، تكلف إطلاق المركبة «ساتيرن في» 185 مليون دولار في ذلك الحين، وهو ما يفوق المليار دولار بأسعار 2019. فيما لم تتجاوز تكلفة إطلاق المركبة «فالكون هيفي» اليوم 90 مليون دولار. فهذه الصواريخ هي التي تحمل الأقمار الصناعية ورواد الفضاء والمركبات الفضائية الأخرى من سطح الأرض بغرض إرسال المعلومات والصور من عوالم أخرى.
2. الأقمار الصناعية
أدى السعي لإرسال رجل إلى سطح القمر إلى بناء مركبات قوية قادرة على السير بحمولات لمسافات تتراوح ما بين 21.200 إلى 22.600 ميل (34.100 إلى 36.440 كلم) فوق سطح الأرض. في مثل هذه الارتفاعات، تتماشى سرعة المدارات التي تدور حول الأقمار الصناعية مع السرعة التي يدور بها الكوكب - بحيث تظل الأقمار الصناعية فوق نقطة ثابتة، فيما يسمى المدار المتزامن مع الأرض. الأقمار الصناعية المتزامنة مع الأرض هي المسؤولة عن الاتصالات وعن توفير الاتصال بالإنترنت والبرمجة التلفزيونية.
في بداية عام 2019. كان هناك 4997 قمراً صناعياً يدور حول الأرض، وفي عام 2018 وحده جرى إطلاق 382 قمراً مدارياً في جميع أنحاء العالم. من بين الأقمار الصناعية العاملة حالياً يُمكّن لنحو 40 في المائة من عددها القيام بعمليات الاتصالات، 36 في المائة مراقبة الأرض، و11 في المائة توفير تقنيات العرض، و7 في المائة تحسين الملاحة وتحديد المواقع، و6 في المائة تطوير علوم الفضاء والأرض.
3. الترشيد
تصف المهام الفضائية - منذ بدايتها وحتى اليوم - بالقيود الصارمة على حجم وكمية معداتهم الثقيلة نظراً للحاجة إلى الكثير من الطاقة للانطلاق والسير في المدار. وقد دفعت هذه القيود صناعة الفضاء إلى إيجاد طرق لعمل نسخ أصغر وأخف وزناً من كل شيء تقريباً: حتى جدران وحدات الهبوط على سطح القمر جرى تخفيض سمكها بحيث لا تتعدى سمك ورقتين.
منذ أواخر الأربعينيات حتى أواخر الستينيات من القرن الماضي، جرى تخفيض الوزن واستهلاك الطاقة للإلكترونيات مئات المرات - من 30 طناً و160 كيلووات في جهاز دمج الأرقام والحاسوب الكهربائي إلى 70 رطلاً و70 واطاً في كومبيوتر التوجيه «أبولو». ولتوضيح الفارق، فإن الاختلاف في الوزن يعادل الفارق ين الحوت الأحدب وفأر.
تتطلب المهام المأهولة أنظمة أكثر تعقيداً من الأنظمة السابقة غير المأهولة. على سبيل المثال، في عام 1951 كان الكومبيوتر العالمي التلقائي قادراً على الحصول على 1905 أوامر في الثانية الواحدة، في حين أن نظام «ساتيرن في» للتوجيه الخاص ينفذ 12090 أمراً في الثانية. استمر الاتجاه في السير نحو الإلكترونيات الذكية، حيث أصبحت الأجهزة المحمولة باليد الحديثة قادرة بشكل روتيني على تنفيذ التعليمات أسرع بـ120 مليون مرة من نظام التوجيه الذي مكّن من رفع المركبة «أبولو 11» إلى الفضاء. كذلك ساعدت الحاجة إلى تصغير أجهزة الكومبيوتر بغرض استكشاف الفضاء في الستينيات إلى تحفيز الصناعة بأكملها لتصميم أجهزة كومبيوتر أصغر وأسرع وأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، مما أثر عملياً على مختلف جوانب الحياة اليوم، بدءاً من الاتصالات إلى الصحة ومن التصنيع إلى النقل.
4. شبكة عالمية من المحطات الأرضية
كان التواصل مع المركبات والأشخاص في الفضاء بنفس أهمية إطلاقها. فقد كان ضمن الإنجازات المهمة المرتبطة بالهبوط على سطح القمر عام 1969 بناء شبكة عالمية من المحطات الأرضية، تسمى «شبكة الفضاء السحيق» هدفها السماح لأجهزة التحكم على الأرض بالتواصل المستمر مع البعثات في مدارات الأرض البيضاوية أو خارجها. كان استمرار ذلك ممكناً لأن المنشآت الأرضية بنيت بفاصل استراتيجي يبلغ 120 درجة عن بعضها بعضاً في خطوط الطول بحيث تعمل كل مركبة فضائية في نطاق إحدى المحطات الأرضية في جميع الأوقات.
ونظراً لقدرة الطاقة المحدودة لمركبة الفضاء، فقد جرى بناء هوائيات كبيرة على الأرض تشبه «آذاناً كبيرة» لسماع الرسائل الضعيفة وجرى كذلك بناء «أفواه كبيرة» لبث الأوامر بصوت مرتفعٍ. في الواقع، جرى استخدام «شبكة الفضاء السحيق» للتواصل مع رواد الفضاء على متن مركبة الفضاء «أبولو 11» التي كانت تستخدم لنقل الصور التلفزيونية الأولى لنيل أرمسترونغ بينما كان يخطو أولى خطواته على سطح القمر. كانت الشبكة ضرورية أيضاً لبقاء الطاقم بمركرة «أبولو 13» نظراً لحاجتهم إلى التوجيه من الأفراد على كوكب الأرض دون إهدار طاقتهم الثمينة في الاتصالات.
تستخدم عدة عشرات من البعثات «شبكة الفضاء السحيق» كجزء من الاستكشاف المستمر لنظامنا الشمسي وما وراءه. بالإضافة إلى ذلك، تسمح شبكة «الفضاء السحيق» بالاتصال بالأقمار الصناعية الموجودة بمدارات بيضاوية لمراقبة القطبين وإيصال إشارات الراديو.
5. النظر إلى الأرض
سمح الوصول إلى الفضاء للناس تحويل جهودهم البحثية تجاه الأرض. في أغسطس (آب) 1959. التقط القمر الصناعي «إكسبلورر 6» غير المأهول أول صور خام للأرض من الفضاء في مهمة تبحث في الغلاف الجوي العلوي، استعداداً لبرنامج «أبولو».
بعد ما يقارب عقداً من الزمان، التقط طاقم المركبة «أبولو 8» صورة شهيرة للأرض ترتفع فوق القمر أطلق عليها اسم «انبعاث الأرض»، وقد ساعدت هذه الصورة الناس على فهم كوكبنا على أنه عالم مشترك وفريد من نوعه وعززت من الاهتمام بالحركة البيئية.
تعمق فهم دور كوكبنا في الكون من خلال صورة «النقطة الزرقاء الشاحبة» التي التقطت من خلال المركبة «فوياج 1» والتي تلقتها «شبكة الفضاء السحيق». ويمكن رؤية الأرض من خلال حافة النظام الشمسي كنقطة زرقاء شاحبة صغيرة وسط شريط أيمن بني.
انهمك الناس وكذلك معداتنا في التقاط صور للأرض من الفضاء منذ ذلك الحين لتصبح بمثابة المرشد على الصعيدين العالمي والمحلي. وما بدأ في أوائل الستينيات من القرن الماضي كنظام أقمار بحرية تابعة للبحرية الأميركية لتتبع غواصات «بولاريس» التابعة لها على عمق 600 قدم (185 متراً) ازدهر ليصبح اليوم نظام تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية (جي بي إس) المستخدم اليوم في جميع أنحاء العالم.
يجري استخدام الصور التي أرسلتها سلسلة من الأقمار الصناعية لمراقبة الأرض المسماة «لاندسات» لتحديد صحة المحاصيل وتحديد الطحالب واكتشاف رواسب الزيت المحتملة. وتشمل الاستخدامات الأخرى تحديد أنواع إدارة الغابات الأكثر فعالية في إبطاء انتشار الحرائق أو التعرف على التغيرات العالمية مثل التغطية الجليدية والتنمية الحضرية.
كلما زاد علمنا بكوكبنا وبالكواكب الخارجية - الكواكب حول النجوم الأخرى – كلما زاد إدراكنا بقيمة كوكبنا. فمن ضمن التقنيات الأخرى التي وفرها برنامج أبولو تقنية خلايا الوقود التي تهدف إلى الحفاظ على كوكب الأرض. فأنظمة تخزين الهيدروجين والأكسجين بـ«مركبة خدمة أبولو» تحتوي على أنظمة ومستلزمات دعم الحياة لمهام الهبوط على سطح القمر وتوليد الطاقة وإنتاج المياه الصالحة للشرب لرواد الفضاء. كذلك تلعب مصادر الطاقة الأكثر نظافة من محركات الاحتراق التقليدية دوراً في تقليل إنتاج الطاقة العالمي وذلك لمكافحة تغير المناخ.
إن كل ما سبق يعطي الإجابات عن تساؤلات كثيراً ما أثيرت عن جدوى إرسال البشر إلى كواكب أخرى ومدى الفائدة التي عادت على البشرية بعد مرور 50 عاماً على وصول أول إنسان لكوكب المريخ.
* خدمات «تريبيون ميديا»



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».