«العهد الجديد» في المغرب أنهى الاحتقان السياسي

اجتاز «الربيع العربي» بورشة إصلاحات دستورية... وأطلق مشاريع التنمية

العاهل المغربي يلقي أول خطاب له بعد توليه الحكم (غيتي)
العاهل المغربي يلقي أول خطاب له بعد توليه الحكم (غيتي)
TT

«العهد الجديد» في المغرب أنهى الاحتقان السياسي

العاهل المغربي يلقي أول خطاب له بعد توليه الحكم (غيتي)
العاهل المغربي يلقي أول خطاب له بعد توليه الحكم (غيتي)

مثّل تولي العاهل المغربي الملك محمد السادس الحكم، خلفاً لوالده الراحل الملك الحسن الثاني، عام 1999، نقطة انطلاق ما سُمّي آنذاك «العهد الجديد» الذي بدأ بإنهاء سنوات الاحتقان السياسي وإطلاق مشاريع التنمية لمحاربة الفقر، وصولاً إلى إصلاح الدستور الذي سهّل اجتياز المغرب موجة احتجاجات «الربيع العربي» عام 2011، غير أن هناك تحديات كبيرة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما زال على المغرب مواجهتها للحفاظ على استقراره.
ورث الملك محمد السادس إرثاً سياسياً ثقيلاً نتج عن سنوات طويلة من الصراع السياسي بين الحكم والمعارضة، فكان لا بد من طيّ ملف الانتهاكات الجسيمة بحق المعارضين السياسيين، عبر إنشاء «هيئة الإنصاف والمصالحة» في يناير (كانون الثاني) 2004، بناء على قرار ملكي بالموافقة على توصية صادرة عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
ومكّنت الهيئة من كشف مصير 801 من ضحايا الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي أو من سقطوا خلال أحداث اجتماعية مختلفة، وتحديد أماكن دفن رفات 385 حالة. وحسب تقرير رسمي عرضه قبل أسابيع الوزير المكلف حقوق الإنسان مصطفى الرميد «لم يتبق إلا ست حالات، من أصل 66 حالة تركتها الهيئة، لم تمكن التحريات المنجزة بشأنها من الوصول إلى حقائق مؤكدة أو قناعات راجحة بشأن وفاة المعنيين بها».
وحسب التقرير ذاته، فإن العدد الإجمالي للمستفيدين من التعويض المالي بالنسبة إلى «هيئة الإنصاف والمصالحة»، من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الماضي وذوي حقوقهم بلغ 27754 مستفيداً.
في هذا السياق، قال محمد العمراني بوخبزة أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية بمدينة تطوان، لـ«الشرق الأوسط»، إن الملك محمد السادس بعد اعتلائه العرش أعلن عن «المفهوم الجديد للسلطة» الذي حدد من خلاله تصوره للكيفية التي سيحكم بها البلاد، وكانت هذه الخطوة إشارة قوية على رغبة الملك بإدخال إصلاحات جوهرية على النظام السياسي.
وبدأت ورش متعددة مرتبطة بهذا المنحى، من بينها ملف حقوق الإنسان، وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، أو ما تُسمى «العدالة الانتقالية».
ويرى رئيس «المنظمة المغربية لحقوق الإنسان» بوبكر لركو أن من أهم الأحداث الحقوقية التي طبعت حكم الملك محمد السادس، خلال عشرين سنة، «مصادقته على تقريرين مهمين بالنسبة للمغرب؛ الأول يتعلق بتقرير الخمسينية: المغرب الممكن، الذي يعتبر تشخيصاً وتقييماً لوضعية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والثاني يتعلق بالتقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة الذي يدخل ضمن التقارير التي تقوم بها لجان الحقيقة في إطار العدالة الانتقالية، إذ تم اختيار مقاربة التغيير في إطار الاستمرارية وتسوية ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خارج النطاق القضائي، وإقرار مسؤولية الدولة وليس مسؤوليات الأفراد وعدم الكشف عن أسمائهم».
وقال لركو لـ«الشرق الأوسط» إن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة «حظيت باهتمام وطني ودولي نتيجة قوتها، سواء فيما يخص جبر الضرر الفردي أو الجماعي، أو فيما يخص تعزيز الحماية الدستورية لحقوق الإنسان، وضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عبر الإصلاح القضائي، والوضع الدستوري لمؤسسات الحكامة، والحكامة الأمنية ونشر ثقافة حقوق الإنسان، ومواصلة الكشف عن الحقيقة، وحفظ الذاكرة ومصادقة المغرب على الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ذات الصلة، كاتفاقية روما (نظام المحكمة الجنائية الدولية)، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري، والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والبروتوكول الاختياري الثاني المرتبط بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام».
وأوضح المسؤول الحقوقي أنه «إذا كانت جل التجارب الدولية لم تتجاوز على العموم تنفيذ 30 في المائة من توصياتها، فإن التجربة المغربية أنجزت كثيراً منها، خصوصاً بعد إقرار دستور 2011 الذي نص على تعزيز الحماية الدستورية لحقوق الإنسان وعلى الحق في الحياة وتجريم التعذيب، وتجريم الاعتقال خارج نطاق القانون، وتجريم الإخفاء القسري وتجريم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب»، إضافة إلى النص على حرية الصحافة والاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي والتنظيم والإضراب «إلى جانب الوضع الدستوري للمؤسسات الوطنية الساهرة على حماية حقوق الإنسان واستقلال القضاء والمصادقة على اتفاقية الاختفاء القسري والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب».
وخلص لركو إلى أنه «مع تفعيل كثير من هذه المقتضيات، إلا أن تمتع المواطن بكل هذه الحقوق ما زال شغلاً شاغلاً للمجتمع المدني والحقوقي أساساً، خصوصاً تلك المرتبطة بتأسيس الجمعيات والاجتماع والتظاهر والتجمهر السلمي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي اعترفت بها الحكومة بتبنيها لكثير من قضاياها في الخطة الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان».

- محاربة الفقر
في 2005، أطلق الملك محمد السادس مشروعاً تنموياً يهدف إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات الفقيرة تحت اسم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتهدف إلى محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، وهي حالياً في مرحلتها الثالثة (2019 - 2023). وحسب إحصاءات رسمية قُدمت في سبتمبر (أيلول) الماضي، فإن المبادرة حققت خلال الفترة الممتدة ما بين 2005 و2017 ما مجموعه 43 ألف مشروع ونشاط ساهمت في تيسير الولوج للخدمات الأساسية والخدمات الصحية ودعم التعليم والإدماج الاجتماعي للشباب، من دون إغفال عدد من المعيقات التي ما زالت تعترض التنفيذ الأمثل للمبادرة.

- الحكم الذاتي والعودة الأفريقية
طرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء عام 2007، وجسّدت رغبة حقيقية لإنهاء الصراع حول الصحراء بعد سنوات من الجمود ولقيت ترحيباً إقليمياً ودولياً. وبعد أكثر من عقد على المبادرة، أعلن العاهل المغربي أن الحكم الذاتي هو أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده، رافضاً كل تجاوز. ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس بالرباط تاج الدين الحسيني أن تحولاً طرأ على الدبلوماسية في عهد الملك محمد السادس، إذ «انتقل المغرب من دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية هجومية، والقطع مع الكرسي الفارغ». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن نتائج هذه الدبلوماسية ظهرت بعودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، وتزايد عدد الدول الأفريقية التي تؤيد مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، وارتفاع أعداد الدول التي سحبت اعترافها بـ«البوليساريو».
ولاحظ الحسيني أنه «خلال هذه المرحلة استفاد المغرب أيضاً من الدروس وتنكر حلفائه الأقربين، لا سيما الولايات المتحدة، عندما عرضت مشروع إسناد مهمة حماية حقوق الإنسان لبعثة مينورسو أمام مجلس الأمن، فقرر على أثر ذلك ألا يضع بيضه في سلة واحدة، ويعدد وينوع شراكاته مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ومنها الصين وروسيا اللتان عقد معهما شراكات استراتيجية مهمة، منها رفع نسبة التبادل التجاري عبر مشروع طريق الحرير الجديد مع الصين».
وبالنسبة إلى روسيا، يوضح الحسيني أن الشراكة لم تقتصر على المجالات الاقتصادية بل شملت أيضاً مجال التسلح، وشمل التعاون بين البلدين الحقل الديني أيضاً، إذ إن «المغرب أصبح يكوّن أئمة روساً لتفادي الغلو والتطرف ونشر الاعتدال والتسامح الديني». وقال إن المغرب «حاول في المرحلة الأخيرة ما أمكن الاقتراب أكثر من أفريقيا التي ابتعد عنها، ووقع اتفاقات ثنائية عدة مع البلدان الأفريقية، وبذلك أصبح أول مستثمر في غرب أفريقيا والثاني في القارة بعد جنوب أفريقيا».
واعتبر أن الدبلوماسية المغربية «انتقلت إلى المساهمة في القرار الدولي من خلال مشاركة واسعة للجنود المغاربة في (القبعات الزرق) للحفاظ على السلم، وإقامة مستشفيات متنقلة في عدد من المناطق لمساعدة ضحايا النزاعات العسكرية المعارك والحروب الإقليمية». وخلص إلى أن الدبلوماسية المغربية تتميز حالياً بـ«الحكمة واحترام المبادئ والأخلاق في العلاقات الدولية، وهي أكثر توازناً».

- الملك و«الربيع العربي»
بدأ الحديث عن الإصلاح الدستوري منذ السنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس، وبرز آنذاك تياران، الأول اعتبر أن الإصلاح الدستوري ليس ضرورياً أو آنياً، في مقابل تيار آخر طالب بأن يبدأ العهد الجديد بدستور جديد، إلا أن هذا الإصلاح أُرجئ إلى حين استكمال وضع تصور لمشروع الجهوية الموسعة أو المتقدمة، حسب المحلل السياسي بوخبزة الذي أوضح أن أحداث «الربيع العربي» في 2011 وظهور «حركة 20 فبراير» الشبابية التي قادت الاحتجاجات عجّل بإقرار الإصلاحات الدستورية.
وقال إن «الملك محمد السادس تعامل بذكاء كبير مع هذه الأحداث، وأعلن في خطاب 9 مارس (آذار) 2011 عن فتح ورش إصلاح الدستور، وفتح نقاش مجتمعي كبير بشأنه للمرة الأولى، لا سيما أن الملك لم يحدد سقفاً معيناً لهذا الإصلاح. واعتمد في إعداد الدستور الجديد على لجنتين تقنية وسياسية بكفاءات مغربية أنتجت دستوراً مغربياً محضاً شاركت في إعداده أطياف متعددة سياسية ومدنية ونقابية، الأمر الذي تُوّج بموافقة الشعب عليه في استفتاء يوليو (تموز) 2011. وبذلك دخل المغرب عهداً جديداً من خلال هذا الدستور الذي كان أحد مخرجاته إجراء انتخابات 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011»، التي أوصلت للمرة الأولى حزباً ذا مرجعية إسلامية إلى رئاسة الحكومة (حزب «العدالة والتنمية») بعد أن عيّن الملك وفقاً للفصل 47 من الدستور رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، وهو ما عده «تحولاً نوعياً في الحياة السياسية المغربية».



الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.


مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

في وقت جدّد فيه التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية، كشف مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن فتح تحقيق شامل في الأحداث الأخيرة بعدن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض عليها أو تمويلها.

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

جاء ذلك خلال اجتماع عقده المجلس برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، وعضوية سلطان العرادة، وعبد الرحمن المحرمي، وعبد الله العليمي، وسالم الخنبشي، وبمشاركة طارق صالح ومحمود الصبيحي عبر الاتصال المرئي. وحذّر المجلس من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية» تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة.

واستعرض الاجتماع تطورات الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن، على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة، ومحاولات الاعتداء على مؤسسات الدولة وتعطيل أعمالها، واستخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية «غير مشروعة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وكانت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» عززّت انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدية إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية؛ بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

وأكد المجلس عزمه الرد بحزم على أي مساعٍ لتعطيل مؤسسات الدولة، والعمل على فتح تحقيق شامل في هذه الأحداث، ومساءلة كل من يثبت ضلوعه في التحريض أو التمويل، مشيداً في الوقت ذاته بـ«اليقظة العالية» للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، وصون السلم الأهلي.

وعبّر مجلس القيادة عن تقديره لموافقة المملكة العربية السعودية على استضافة مؤتمر الحوار الجنوبي، معتبراً ذلك «مستوى متقدماً وغير مسبوق» في مقاربة القضية الجنوبية، بوصفها قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، تتطلب معالجة منصفة ضمن إطار الدولة ومرجعياتها الضامنة.

قوات درع الوطن تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وفي السياق نفسه، شدد المجلس على ضرورة عدم التفريط في هذه الفرصة تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة، داعياً إلى حماية المكاسب المتحققة أمنياً وخدمياً واقتصادياً، واستلهام العبر من «المغامرات الطائشة» لميليشيات الحوثي التي عزلت أكثر من 20 مليون يمني، وحرمتهم من الرواتب وفرص العيش الكريم.

وجدد المجتمعون إشادتهم بالدعم السعودي «السخي» للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، مؤكدين اعتزازهم بالشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وخصوصية العلاقات الراسخة القائمة على الجوار والمصير المشترك والأمن المتبادل، ومهنئين قيادتها بمناسبة يوم التأسيس وما حققته من تحولات تنموية شاملة.

كما أكد المجلس دعمه الكامل للحكومة وتمكينها من ممارسة صلاحياتها الدستورية، والمضي في تنفيذ خطة التعافي وبرنامج الإصلاحات الشاملة، بما يشمل الإسراع في إعداد مشروع الموازنة العامة، وتعزيز الإيرادات، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتنفيذ مشاريع خدمية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني في عدن (إكس)

وتطرق الاجتماع إلى مستجدات التطورات الإقليمية في ظل استمرار ما وصفه بـ«تعنت» النظام الإيراني وميليشياته في اليمن والمنطقة إزاء المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، وانعكاسات ذلك على الأمنين الوطني والإقليمي، مؤكداً جاهزية الدولة لردع أي تهديدات محتملة بالتنسيق الوثيق مع تحالف دعم الشرعية والمجتمع الدولي.