كتاب لبنانيون: الرواية أولاً ثم النبش في كتب الماضي

عماد موسى  -  ثناء عطوي  -  هالة كوثراني
عماد موسى - ثناء عطوي - هالة كوثراني
TT

كتاب لبنانيون: الرواية أولاً ثم النبش في كتب الماضي

عماد موسى  -  ثناء عطوي  -  هالة كوثراني
عماد موسى - ثناء عطوي - هالة كوثراني

- عماد موسى: معلوف وأسواني
منذ إصابتي بلوثة المطالعة، ومنذ أدمنت على «الرواية» وقدّمتها على الصنوف الأخرى مثل السيرة أو التاريخ أو الشعر، وجدتني متحزباً لباقة من الكتّاب، ومنهم جبور الدويهي، وأنتظر كل جديد يصدره كل ثلاثة أو أربعة أعوام. وبكل حماسة أدعو مَن لم يكتشف بعد هذا الروائي أن يقرأه، أما آخر ما قرأتُه، فهو «ملك الهند»، لعبة روائية تجمع بين السلاسة والتشويق والغموض اللذيذ، عن زكريا مبارك الذي يعود إلى بلاده ويُقتل.
تتعدد الاحتمالات، ولكل احتمال قصة. ما يلفت في الرواية أن الشخصيات ثرية، قوية، تشبه المكان والبيئة.
ومتأخراً 18 عاماً، ما عدا السهو والغلط، عثرت على كتاب Le Périple de Baldassare أو «رحلة بالداسار» للكاتب الفرانكوفوني، وعضو الأكاديمية الفرنسية أمين معلوف، وبالداسار هو تاجر تحف وكتب. والكتاب يتنبأ بنهاية العالم سنة 1666. ويوم غرّه عرض قدمه موفد فرنسي مرّ عليه ورحل سريعاً، فباعه الكتاب. في اليوم نفسه مات واهبه. وتبدأ رحلة بالداسار لاسترجاع الكتاب، ولذة قراءة «رحلة بالداسار» أنها تضيء على حقب وعلى ما كان يُطرح حول نهاية العالم. الحمد لله عشنا إلى الآن وقرأنا ما كان.
ومن الكتب التي قرأتها دفعة واحدة، بليلة طويلة «ليلى والحمل» للكاتب الأردني فادي زغموت. استبدل بالذئب حملاً. والحمل هو العشيق الخاضع لرغبات سيدته. يروي زغموت بلسان ليلى حكاية امرأة تعاني تناقضات المجتمع الشرقي الذكوري بكل ظلمه وعنفه وتتمسك بالمساواة. تموت وهي تمارس أقصى السادية الجنسية مع طارق المستسلم انتقاماً من الزوج فراس، الذي يختصر في سلوكه طبائع الرجل الشرقي. رواية كتبها زغموت من منظور نسوي متطرف، فيها المنحى البوليسي، وفيها ما يدعوك ألا تفلت دفتي الكتاب قبل الوصول إلى الصفحة الأخيرة.
ولمن يهوى مثلي الكتب المغضوب عليها، والكتّاب المشاكسين، أنصحه برواية «جمهورية كأن» للكاتب علاء أسواني. في روايته هذه يعري أسواني السلطة التي قمعت ثورة يناير، ويكشف زيف الإعلام الممسوك من السلطة وتحالف السلطة السياسية والدينية الذي أحبط الثورة. يضيء الأسواني على شخصيات تكاد تكون نسخاً طبق الأصل عن شباب آمنوا بالتغيير وواجهوا الرصاص بصدور عارية وعن رجال أمن مرتبطين بشبكة مصالح. «جمهورية كأن» رواية موجعة نابضة بالحماسة ومشوِقة ومحبطة في آن. تكسر المحظورات وهل أجمل من ممارسة الكتابة من دون تحفظ أو مساحيق تجميل؟
- كاتب وإعلامي لبناني

- ثناء عطوي: في صُحبة العربية والتاريخ العالمي وهشام شرابي
في صُحبة العربية وأصولها اللغوية، وما يُصدره مشروع نقل المعارف من كتبٍ نوعية، وفكر عالم الاجتماع الفلسطيني هشام شرابي وعمق مأساة النكبة ومسار القضية، أمضي صيف بيروت الملتهب. إنّ المُعالجة اللغوية التي يطرحها المؤرّخ والأكاديمي اللبناني الدكتور أحمد بيضون «في صُحبة العربية»، الصادر عن دار الجديد في بيروت، تندرج ضمن سياق البحث في فلسفة اللغة وسلطتها وشروطها الملزمة، وشعرية هذه اللغة وموسيقاها، والمبارزة المتمادية ما بين الفصحى والعامّيات فيما سماه «جلاء الفصحى عن مناطق المشافهة». لقد عَكَف اللغوي العريق على تحريك كتابه حركة حركة، كي تبقى العربية لغة أصيلة ومكتملة، وقدّم درساً نموذجياً في التعامل مع هذه اللغة، واصفاً استبعاد ما يُسمّى الحركات، أي الصوائت القصيرة من النصوص العربية المطبوعة، «بالفداحة والعيب»، معتبراً أنّها ضَربة أنزلها بالعربية اعتبارُ الكلفة التجارية وطلبُ السرعة في الإنجاز، علماً بأن القُرْآن لا يزال يُطبعُ مُحرّكاً، وَهَذا أَمر يفرض نفسه جزئياً في طباعة المعاجم أيضاً. وقد استعادَت هذا التقليد الحميد، دار بيروتية رفيعة العلمِ والذوْق هي دارُ «الجديد».
في كتابه «التاريخ عند نهاية التاريخ العالمي» يقدّم المؤرّخ الهندي راناجيت غها Ranajit Guha نقداً لفلسفة التاريخ بالمفهوم الهيغلي، ورفضاً لاختزال التاريخ البشري على قياس الدول والإمبراطوريات والعظماء؛ إذ لطالما صودرت تواريخ الشعوب المستَعمَرة وحُجبت خدمة لأهداف تدعمها فلسفة لا إنسانية للتاريخ، وهذا يعني أنّ التاريخ ليس أرض حياد، وإنّما موضوع نزاعٍ وهيمنة.
يدعو راناجيت في كتابه الصادر عن «مشروع نقل المعارف» التابع لهيئة البحرين للثقافة والتراث، الذي يشرف عليه المفكّر التونسي الطاهر لبيب، المؤرّخين للذهاب أبعد من التاريخ العالمي المركزي الأوروبي، والتعلّم من الأدب والأنثروبولوجيا والفنون، كيف يُضمّنون سرديّاتهم أنواع ماضي تلك الشعوب التي توصف بأنّها لا تاريخ لها. وهو بدلاً من أن يُعيد إنتاج التاريخ من الأسفل، يسعى إلى الانخراط النشِط في الحاضر السياسي، ما بعد الاستعماري، مستعيناً بتبصّرات أنطونيو غرامشي وماو تسي تونغ.
«الجمر والرماد» سيرة شيّقة للمفكّر الفلسطيني هشام شرابي، الذي ترك وطناً في مهبّ ريح، مغادراً مطار اللدّ في فلسطين سنة 1947 في طريقه للدراسة في جامعة شيكاغو، لكن ما إن استقلّ الطائرة، حتى غابت يافا عنه إلى الأبد، ولم يعد يُرى من فلسطين إلا شاطئ يتلاشى، وبرتقال وزيتون وتراب مغسول بالدمّ. غادر هشام شرابي بلاده، وعصابات الهاغانا يتهيّأون لاحتلال بلاد العرب وطرد سكّانها الأصليين، وعندما عاد إلى بيروت سنة 1978، التقى زعيم الحزب السوري القومي المناضل أنطون سعادة، الذي بادره بالقول: «إنّ القيادات الحاضرة أوصلتنا إلى هذه الكارثة؛ فكيف يكون الإنقاذ على أيديها.
إنّ الصراع المسلّح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين». يختتم شرابي كتابه الصادر عن دار «نلسن» بهذه العبارات المؤثّرة: «أكتب هذه الكلمات والاحتلال الإسرائيلي ما زال قائماً، والأنظمة الأبوية تهيمن على أرض الواقع، والإحباط واليأس يخيّمان على الوطن العربي كلّه، لكنّ الظلام لا تشتدّ حلكته إلّا عندما يقترب الفجر». (بيروت 1998).
- كاتبة وإعلامية

- هالة كوثراتي: قراءات حرة
هذا الصيف قراءاتي حرّة إلى حدّ ما، أي أنها لا ترتبط بواجب مهني بعينه. وفي هذه الأيام أقرأ كل شيء، كل ما تقع عليه عيناي. كما أنني أعيد قراءة كتب أذكر أنني تأثرت بها لأسباب مختلفة إلا أنّ وطأة مرور الزمن أفقدتني تفاصيلها. البارحة في القطار أعدت قراءة رواية «حارث المياه» لهدى بركات لأنني أردت العودة إلى خريطة المكان، وسط بيروت، كما صوّرها نقولا (الشخصية الرئيسية) في الرواية: قلب البلد المحروق الذي تحوّل واحة سكينة.
انتهيت أخيراً أيضاً من قراءة قصص نجيب محفوظ القصيرة التي مثّل صدورها في كتاب «همس النجوم» مفاجأة سارة. السحر المحفوظي محفوظ في هذه القصص، رغم كل ما كُتب عن أنها لا تطابق مستوى أعمال الأديب الراحل صاحب نوبل للآداب.
وقبل «همس النجوم» قرأت رواية «Milkman» لآنا برنز مكتشفة تفاصيل حياة صبية تعيش أيام الحرب الأهلية في آيرلندا الشمالية. تغيب الأسماء عن الرواية: هم ونحن، هنا وهناك، أحياؤهم وأحياؤنا، أسماؤهم وأسماؤنا، أسماؤهم التي لا تشبه أسماءنا... وتدور الأحداث في فلك ضيق خانق مؤثر يصوّره نفس سردي مضطرب للتعبير عن تشوّهات مجتمع يعاني قبح الحرب. هذه التشوّهات نفهمها نحن ورثة الحرب الأهلية اللبنانية.
بفضول انكببت على قراءة كتاب الروائي الساذج والحسّاس الذي يضمّ محاضرات عن الكتابة الروائية ألقاها الروائي التركي أورهان باموق في هارفرد عام 2009. يشرّح باموق في هذا الكتاب علاقته بالكتابة، كاشفاً بعض الأسرار التي قدّمت له «وصفة» النجاح. كما يغوص في كتب أثرت في اختياره التركيز على الكتابة بدلاً من الرسم (كان يرسم في البداية ثم تحوّل إلى الكتابة)، فيعيد، بشغف، رسم ملامح شخصيات روائية رافقت صباه مثل آنا كارنينا وإيما بوفاري.
بعد الحفر عميقاً في معاني الفقد والموت والكلمات التي هي الشعر في اكتماله وصفائه وصراحته تماماً كما تجلّى في ديوان عباس بيضون «الحداد لا يحمل تاجاً»، أقرأ الآن كتاب Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment لفرنسيس فوكوياما الذي يحلّل من خلاله أسباب صعود سياسة الهوية، في الغرب خصوصاً، عارضاً التطورات السياسية والاقتصادية التي ساهمت في بروز اليمين السياسي.
- روائية لبنانية



نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
TT

نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

ينفرد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في حفل افتتاح دورته الـ15 خلال الفترة من 29 مارس (آذار) الحالي حتى 4 أبريل (نيسان) المقبل بعرض نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للمخرج الراحل يوسف شاهين الذي يحتفي المهرجان بمئوية ميلاده عبر فعاليات عدة؛ حيث تحمل هذه الدورة اسمه، وتقام تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية».

«النيل والحياة» هو فيلم درامي تاريخي من بطولة صلاح ذو الفقار، وعماد حمدي، ومديحة سالم، وسيف عبد الرحمن، إلى جانب الممثلين السوفياتيين إيجور فلاديميروف وفلاديمير إيفاشوف. وضع موسيقاه آرام خاتشاتوريان، وهو إنتاج مشترك بين «المؤسسة العامة للسينما في مصر» والاتحاد السوفياتي آنذاك، فيما أُسندت مهمة الإخراج إلى يوسف شاهين.

ويطرح الفيلم صورة للمجتمع المصري وتفاعله مع مشروع بناء السد العالي، كما يعكس صورة للتعاون الذي جرى بين العمال المصريين والسوفياتيين مع بدء بناء السد.

وكانت المؤسسة العامة قد رفضت الفيلم بعد تصويره كما لاقى اعتراضاً من الجانب السوفياتي، وطلب شاهين إخراج فيلم آخر عن الموضوع نفسه، وهو فيلم «الناس والنيل» الذي صدر 1972.

وأكد المنتج جابي خوري، نجل شقيقة المخرج الراحل يوسف شاهين، أن الفيلم لم يسبق عرضه في مصر، وكشف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن أن نسخة فيلم «النيل والحياة» كانت أول نسخة من الفيلم، وقد احتفظ بها يوسف شاهين على مدى 30 سنة، وتم حفظها لاحقاً بـ«السينماتيك الفرنسي» الذي صنع نسخة «نيغاتيف 35 مللي» منها، وأضاف خوري أن «فيلم (الناس والنيل) كان عن الموضوع نفسه لكن بشكل مختلف، وهو ما يمنح جمهور المهرجان فرصة لمشاهدة فيلم نادر ليوسف شاهين يُعرض للمرة الأولى في مصر».

شاهين على ملصق المهرجان (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

وأشاد خوري بالاحتفاء الكبير الذي يقيمه مهرجان الأقصر لمئوية ميلاد يوسف شاهين التي تتم بالتعاون مع «أفلام مصر العالمية»، مؤكداً أن الاحتفال يُقام على مدى أيام المهرجان؛ حيث يعرض فيلم «النيل والحياة» في حفل الافتتاح، إلى جانب فقرة فيلمية عن يوسف شاهين، كما يتم تكريم 4 من أبطال أفلام يوسف شاهين، وهم نجوى إبراهيم عن فيلم «الأرض»، وسهير المرشدي عن «عودة الابن الضال»، وسيف عبد الرحمن عن «الاختيار»، ومحسن محيي الدين عن «إسكندرية ليه». إذ تعرض هذه الأفلام الأربعة خلال المهرجان.

ويلفت خوري إلى ندوة يقيمها المهرجان للناقد اللبناني إبراهيم العريس الذي ألّف كتاباً عن المخرج الكبير، بعنوان «يوسف شاهين... نظرة الطفل وقبضة المتمرد» الذي يُعد «من أفضل الكتب التي تناولت مسيرته»، على حد تعبير خوري، مشيراً إلى أن هناك اتفاقاً مع مكتبة «الشروق» لتوزيع 150 نسخة من الكتاب خلال الندوة.

ويحمل ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية صورة يوسف شاهين وهو يتحرك في فضاء بصري يجمع معالم القارة الأفريقية، عاكساً شخصية المخرج الراحل التي اتسمت بالحركة والحرية والفكر المتمرد الذي عبّر عنه في أفلامه، كما يُقيم المهرجان معرضاً لملصقات وصور أفلامه.

الفنانة سهير المرشدي وتكريم عن دورها في «عودة الابن الضال» (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

ويُعقد المهرجان برئاسة السيناريست سيد فؤاد ومديرة المهرجان عزة الحسيني، فيما يترأسه شرفياً الفنان محمود حميدة، ويقام بالتعاون مع محافظة الأقصر وبرعاية وزارات الثقافة والسياحة والآثار والخارجية ونقابة المهن السينمائية.

ويشارك في الدورة الجديدة 55 فيلماً، من بينها 11 فيلماً بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و20 فيلماً بمسابقة الأفلام الروائية القصيرة، و6 أفلام بمسابقة الدياسبورا، و 8 أفلام بمسابقة أفلام الصعيد، ويخصص المهرجان لجنة تحكيم لكل مسابقة على حدة، بالإضافة إلى 4 أفلام بمسابقة بانوراما التحريك، كما تُعرض 6 أفلام بالقسم الرسمي «خارج المسابقة»، ويحتفي المهرجان بسينما جنوب أفريقيا التي تُعد ضيف شرف هذه الدورة؛ حيث يعرض أفلاماً تعبر عن مراحل تطورها ويقيم ندوة موسعة عنها، ويعيد طبع كتاب عنها للناقد مارتن بوتا.

كما تشهد هذه الدورة تكريم اسم المخرج الكبير داود عبد السيد، ويقدم رفيق رحلته فنان الديكور أنسي أبو سيف ندوة حول عالم داود عبد السيد، ويكرم اسم المخرج الجزائري الكبير محمد الأخضر حامينا، واسم المؤلف والناقد فاروق عبد الخالق، واسم الفنانة الجزائرية بيونة.

وإلى جانب ذلك، يكرم المهرجان خلال حفل الافتتاح كلاً من الفنانة ريهام عبد الغفور والفنان خالد الصاوي، والمخرج الجنوب أفريقي نتشافيني والريلي، والمخرج المنتج جمال سويسي من المغرب، والمخرج المصري محمد أمين.


واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها. وبينما اتخذت وزارة السياحة والآثار المصرية إجراءات فورية ضد المتورطين في الواقعة، واستبعدتهم من مواقع عملهم وأحالتهم للتحقيق طالب خبراء ومتخصصون بتشديد إجراءات التأمين للمواقع الأثرية، وتشديد عقوبات التعدي على الآثار.

وأصدرت وزارة السياحة والآثار بياناً، الأربعاء، أشارت خلاله إلى تداول صور على بعض مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر قيام سائحتين بتسلق أحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية، ما عدّته الوزارة «مخالفة صريحة لكافة القوانين واللوائح المنظمة للزيارة داخل المواقع الأثرية»، مؤكدة أنه «تم على الفور استبعاد المسؤولين المتورطين في هذه الواقعة من أماكن عملهم، وإحالتهم إلى التحقيق، مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة».

وأكدت الوزارة التزامها الكامل بـ«الحفاظ على المواقع الأثرية والسياحية واحترام قواعد زيارتها، والتصدي بكل حزم لأي تجاوزات من شأنها الإخلال بالضوابط والقواعد المعمول بها، بما يضمن صون التراث الحضاري والأثري المصري».

والسيرابيوم هو سرداب يضم دفنات للعجل المقدس «أبيس» الذي ارتبط بالمعبود بتاح معبود مدينة منف، ويؤدي طريق على جانبيه تماثيل أبو الهول إلى السيرابيوم الذي يتألف من ممرين طويلين كانا يحويان بقايا العجول المحنطة. وقد بدأ استخدام السيرابيوم منذ عهد أمنحتب الثالث بالدولة الحديثة حتى العصر البطلمي، وفق وزارة السياحة والآثار. وتضم ممرات السيرابيوم 24 تابوتاً حجرياً ضخماً، مصنوعة من أحجار صلبة، ويصل وزن كل تابوت إلى نحو 60 طناً، وفق تقديرات أثرية.

ووصف الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، هذه الواقعة بأنها «سلوك فردي وحالات فردية لا ترتقي لمستوى الظاهرة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يجب مراعاة كل الاحتياطات اللازمة في التعامل مع الآثار لضمان حمايتها وحفظها من العبث بها حتى لو كانت حالات فردية»، ودعا عبد المقصود إلى «تشديد الرقابة عبر استخدام المزيد من الكاميرات؛ لأنه لن نستطيع تخصيص عنصر بشري لكل أثر، وهذا يحدث في بعض المواقع، لكن يجب أن يمتد لكل المواقع»، وعدّ الإجراء الذي اتخذته وزارة السياحة «حاسماً ومن شأنه أن يحد ويوقف هذه التصرفات الفردية، ويضع كل شخص أمام مسؤولياته».

وشهدت منطقة سقّارة الأثرية واقعة مشابهة في فبراير (شباط) الماضي؛ إذ تم توقيف مرشد سياحي لقيامه بالرسم على أحد الآثار أثناء الشرح لمجموعة سياحية. وبمواجهته بمقطع فيديو متداول، أقر بارتكاب الواقعة، وبرر تصرفه برغبته في تبسيط المعلومات التاريخية للسائحين، دون تقديره لخطورة الفعل أو تبعاته القانونية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده، وإزالة الرسوم بمعرفة متخصصين.

ممرات السيرابيوم بسقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن معاقبة المتورطين في واقعة السماح لسائحتين بتسلق «تابوت السيرابيوم» بسقّارة، هي إجراء قانوني وفقاً لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته؛ إذ إن القانون يجرم لمس الآثار والتسلق، بالإضافة إلى أن ذلك يدخل في دور الإهمال، مما يستدعي التعامل وفقاً للقوانين.

وقال عامر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الواقعة ليست الأولى في منطقة آثار سقّارة؛ فقد سبقها قبل ذلك كحت بآلة حادة في مقبرة (مريروكا)، وكذلك سرقة جدارية من مقبرة (خنتي_كا)، مما يستوجب إعادة تقييم المنظومة الأمنية بهذه المنطقة المهمة، بالإضافة إلى التفتيش والمتابعة الدورية، ولا بد من وضع كاميرات مراقبة داخل هذه الأماكن المهمة».

وتحدد المادة 45 من قانون حماية الآثار المصرية رقم 117 لسنة 1983 عقوبة من يتسلق أثراً دون ترخيص له بذلك؛ إذ تصل إلى الحبس شهراً وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (الدولار يساوي نحو 52.85 جنيه مصري)، ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، أن البيان الذي أصدرته وزارة السياحة والآثار حول الواقعة «يعكس قدراً عالياً من المسؤولية المؤسسية في التعامل مع واقعة (تابوت السيرابيوم) في سقّارة بسرعة وحسم؛ إذ بادرت بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتورطين، في خطوة تؤكد التزامها الصارم بحماية التراث الأثري وصونه».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التحرك السريع يؤكد الوعي بأهمية المواقع الأثرية، ليس فقط بوصفها شواهد تاريخية، بل باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية المصرية وإرثاً إنسانياً عالمياً. كما يعكس حرص الوزارة على تطبيق معايير الانضباط والرقابة داخل المنظومة الأثرية، بما يضمن الحفاظ على هذه الكنوز الفريدة.

وعدّت أن «الحفاظ على الآثار يأتي في صدارة الأولويات. كما يعكس ذلك نهجاً إدارياً يسعى إلى التطوير المستمر، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المواقع الأثرية كدليل على جدية الدولة في صون تراثها الحضاري، وقدرتها على التعامل باحترافية مع التحديات، بما يدعم مكانة مصر كوجهة ثقافية وسياحية تحظى بالاحترام والتقدير على المستويين الإقليمي والدولي».


«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
TT

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

لا يكتفي الفنان السوداني الهميم الماحي باستحضار صورة الأم بمعناها المباشر، بل يذهب إلى ما هو أبعد، حيث تتحوَّل الأمومة إلى استعارة للأرض والوطن في معرضه الأحدث «أمومة» الذي يستضيفه غاليري «أكسيس آرت سبيس» بوسط القاهرة.

ويقول الفنان إنه المعرض الفردي هو الثاني له في غاليري «أكسيس»، إذ سبقه معرض «طبقات من الجنوب» عام 2022، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم اختلاف الثيمة، فإنّ المعرض الجديد يُعدّ امتداداً للمعرض الأول، فالأمومة أساس الحياة، وهي رمز وحدة الوطن وتماسكه ودفئه، مثلما هي الحال في الأسرة؛ وهو ما تناولته في معرضي السابق الذي احتفى بالوطن في الأساس».

سردية ممتدَّة عن السودان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «معظم لوحاتي تنبع من الخيال أو مستمدة من البيئة السودانية؛ ولذلك فهي تتجاوز صورة الأم في دورها داخل الأسرة لتغدو العمود الفقري الذي تستند إليه الحياة اليومية بكل تفاصيلها»، مؤكداً أنّ «المرأة السودانية، أدَّت، كما هي الحال في كثير من المجتمعات، خصوصاً التي تواجه تحديات وصراعات، أدواراً مُتشعِّبة، امتدَّت من تدبير شؤون البيت إلى الإسهام في المجال العام، لتكون شريكاً أصيلاً في صياغة ملامح المجتمع وهويته».

ويوضح أنها «في لحظات الطمأنينة كانت ملاذاً للحنان والاحتواء، أما في أوقات الشدَّة، فقد برزت على هيئة قوة صلبة تحيط أسرتها بالرعاية والحماية والصمود».

يظلُّ الوطن حاضراً في تفاصيل العمل (الشرق الأوسط)

وعلى المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية، وتردّد الأشعار والأمثال التي تختزن خبرات الأجيال، وإنما هذه الصورة المضيئة تواجه اليوم، في تلك المجتمعات، في ظلّ الحروب والأهوال العالمية، واقعاً بالغ القسوة، وفق ما تُبينه لوحات الماحي.

وفي عيد الأم، تتجدَّد مكانتها رمزاً للحياة والصبر، وتتجدَّد معه مظاهر الاحتفاء والتقدير؛ ومن هنا أراد الفنان تكريمها من خلال هذا المعرض، وجاءت معالجته لقضية الأمومة، ليس فقط من خلال الوجوه لأمهات أو امرأة وطفلها، إنما جاءت وسط حشود ومَشاهد درامية تسرد كثيراً عن المجتمع العالمي.

ويكشف المعرض، المستمرّ حتى نهاية مارس (آذار) الحالي، عن ارتباط وثيق بين تجربة الفنان وبيئته الأولى من جهة، والعالم المحيط من جهة أخرى، مستخدماً في ذلك المعالجة التجريدية، وهي مرحلة فنّية جديدة تشكَّلت عبر مسار طويل من التجريب.

ففي بداياته، تنقَّل الفنان بين مدارس وأساليب متعدّدة، من رسم البورتريه إلى الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية، في محاولة لاكتشاف أدواته الخاصة.

حضور المرأة وسط الحشود ضمن فلسفة المعرض (الشرق الأوسط)

ويضمّ المعرض نحو 30 عملاً، تتنوَّع في أحجامها وتكويناتها، وتعتمد على الألوان الزيتية والأكريليك، مع ميل واضح إلى الاختزال في الشكل والتركيز على الجوهر.

من اللافت أنه يطرح في مضمونه أسئلة تتّصل بالهوية والانتماء، مثل: «كيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف ذاته بعيداً عن أرضه؟ وهل يصبح الفن بديلاً مؤقتاً عن الوطن أم وسيلة للعودة إليه؟»، هذه التساؤلات تتسلَّل عبر الأعمال بسلاسة، من خلال حشده للشخوص واستحضاره رموزاً ومفردات من بيئته، ممّا يجعل المتلقي جزءاً من التجربة ذاتها.

وفي بعض الأعمال، تتجلَّى الروح الصوفية في تقاطع لافت مع فكرة الأمومة، إذ تتجاور مفاهيم الحبّ والاحتواء مع التجربة الروحية التي تحتفي بالصفاء الداخلي.

ولا يمكن فصل هذا الحضور عن السياق الأوسع للتصوّف، الذي لعبت فيه الأم دوراً مهماً عبر التاريخ، سواء من خلال الممارسة الروحية أو الإسهام في تشكيل الوعي الجمعي، فيقول الماحي: «في بعض الأوساط الصوفية، اندمجت النساء مع الرجال في الطقوس».

المرأة في لوحات المعرض رمز للصمود (الشرق الأوسط)

ويتابع: «وفي طرق صوفية أخرى، اجتمعت النساء في حلقات خاصة بهن للتأمُّل والعبادة بمعزل عن الرجال، بل كرَّست بعض النساء أنفسهن للروحانية زهداً، بينما اختارت أخريات دور المُحسنات ورعين حلقات العبادة والدراسة».

وفي هذا الإطار، تبدو بعض الأعمال كأنها تستعيد هذا الامتداد، عبر رموز وإشارات تفتح المجال لتأويلات متعدّدة.

ينتمي الهميم الماحي إبراهيم إلى جيل من الفنانين الذين تشكَّلت تجربتهم عبر التراكم والمعرفة، إذ تعكس أعماله قدرة واضحة على استيعاب الفنّ وإعادة صياغته برؤية خاصة.

وتعود جذوره إلى قرية «قريب» بولاية القضارف شرق السودان، فهناك تشكَّلت ملامح وعيه الأول، ومنذ بداياته سعى إلى تطوير أدواته؛ فالتحق بمعهد «قصر الشباب والأطفال» قبل أن يشارك في ورشات فنّية مع اتحاد التشكيليين السودانيين، ثم في معارض جماعية، من بينها معرض في «المركز الثقافي الفرنسي» عام 2013، إضافةً إلى مشاركاته في فعاليات تُعنى بحماية التراث والفنون تحت مظلة «المجلس القومي للآداب والفنون».