توجهات متزايدة لتوظيف «البصمة الرقمية» للتعقّب في العالم الإلكتروني

مراقبة خصائص الأجهزة المتنوعة بهدف رصد وتقفي آثار مستخدميها

توجهات متزايدة لتوظيف «البصمة الرقمية» للتعقّب في العالم الإلكتروني
TT

توجهات متزايدة لتوظيف «البصمة الرقمية» للتعقّب في العالم الإلكتروني

توجهات متزايدة لتوظيف «البصمة الرقمية» للتعقّب في العالم الإلكتروني

إذا كان هناك درس واحد لا بدّ من تعلّمه عن الخصوصية الرقمية، فإنه سيكون... أنه لا يمكننا الشعور بالراحة دائماً، إذ حتى لو أحكمنا أمن بياناتنا، بحيث لا يتمّ تعقبنا إلكترونياً، لن تعجز صناعة الإعلانات الإلكترونية عن التوصل إلى طرق جديدة لمراقبة نشاطنا الرقمي.
وكذلك أيضاً تصاعد ما يعرف بـ«البصمة» الرقمية التي يشير إليها الخبراء على أنّها الجيل المقبل من تقنيات التعقّب.

بصمة إلكترونية
ولكن ما هي «البصمة» fingerprinting؟ تعتمد هذه التقنية على مراقبة الخصائص الكثيرة الموجودة في الأجهزة المحمولة أو الكومبيوتر، كدقة عرض الشاشة والنظام التشغيلي والإصدار، ثم بعد ذلك توضيب هذه المعلومات بهدف رصدكم ومراقبتكم في أثناء تصفّحكم للشبكة واستخدام التطبيقات. وبعد التعرّف على ما يكفي من خصائص الجهاز، تُطبق النظرية، ويصبح بالإمكان جمع البيانات في ملف شخصي يساعد في تحديد هويتكم بالطريقة التي تحدّدها بها بصمة الإصبع.
كشف بيتر دولانجسكي، مسؤول المنتجات في محرّك «موزيلا فايرفوكس» الذي يدرس موضوع «البصمة»، أن «جمع القدر الكافي من هذه الخصائص بعضها مع بعض يؤدي إلى صنع رمز شريطي قابل للتعريف بدقّة، وبشكل متفرد».
أمّا الخبر السيئ، فهو أنّ التقنية تعمل بشكل غير مرئي في خلفية التطبيقات والمواقع الإلكترونية، مما يصعّب رصدها ومكافحتها أكثر من سلفها، أي وجود ملف تعريف الارتباط الموجود في محرّك البحث، الذي يلعب دور المتعقّب المزروع في أجهزتكم. هذا غير أنّ الحلول المستخدمة لحظر البصمة محدودة أيضاً.
واكتشف الباحثون المختصون في المجال الأمني أن تقنية البصمة كانت تستخدم في التعقّب قبل 7 سنوات، ولكن نادراً ما كانوا يناقشونها قبل اليوم. وكشفت شركة «موزيلا» أنّ نحو 3.5 في المائة فقط من المواقع الإلكترونية الشهيرة تستخدم هذه التقنية للتعقّب، مقارنة بـ1.6 في المائة عام 2016. وتجدر الإشارة إلى أنّ عدداً غير معروف من التطبيقات الخلوية تستخدمها أيضاً.

استهداف المستخدمين
ولكن جميع ما ذكر أعلاه ليس سبباً للذعر، بل للقلق. فمع ازدياد شعبية تقنية بصمة للتعقّب، إليكم ما يجب أن تعرفوه عنها، وما يمكنكم أن تفعلوه.
• كيف وصلنا إلى هنا؟ في السنوات القليلة الماضية، قدّمت شركات التقنية العملاقة، كـ«آبل» و«موزيلّا»، وسائل حماية قوية للخصوصية وضعتها داخل محرّكات بحثها. وقد تمّ تزويد محرّكي «سفاري» و«فايرفوكس» بحاجب للمتعقّبات، لمنع المعلنين من تعقّب المستخدمين على شبكة الإنترنت، وخدمة الإعلانات المستهدِفة. وساهم هذا الأمر في إحباط وسائل التعقّب التقليدية، كملفات تعريف الارتباط والبيكسلات المدمجة في أزرار التواصل الاجتماعي.
ولأّن كثيراً من هذه التقنيات تعرّض للحجب بشكل تلقائي، توجّه المعلنون إلى البحث عن طريقة مختلفة لتعقّب الناس.
• كيف تعمل تقنية «البصمة»؟ في اللغة التقنية، تستفيد البصمة من فكرة أساسية، وهي أن التطبيقات والمواقع الإلكترونية تتواصل مع أجهزتنا.
عندما تتصفّحون الفضاء الإلكتروني، يزوّد محرّك بحثكم المواقع الإلكترونية تلقائياً ببعض المعلومات حول أجهزتكم. هذا الأمر يعود بجزء منه إلى حاجة المواقع الإلكترونية لمعرفة تفاصيل، مثل دقة شاشتكم، لتتمكّن من تحميل صفحة معيّنة بحجم النافذة الصحيح.
الأمر نفسه يحصل عندما تحمّلون تطبيقاً ما، إذ يشارك نظام الهاتف التشغيلي بعض المعلومات الخاصة بالجهاز مع التطبيق. وهذا الأمر يعود بجزء منه إلى حاجة الهاتف لمعرفة أي نوع من الهواتف تستخدمون، ليتوافق مع سرعة المعالج وحجم الشاشة.
وتتضمّن الأجهزة بعض الضوابط التي تتحكّم بهذه البيانات التي تحصل عليها التطبيقات والمواقع الإلكترونية. على هواتف «آيفون» و«آندرويد» مثلاً، عليكم منح الإذن لأي تطبيق ليتمكّن من الحصول على بيانات الموقع أو الكاميرا أو الميكروفون. وينطبق هذا الأمر نفسه على كثير من محركات البحث التي تتطلّب بدورها إذنكم قبل تمكين أي موقع إلكتروني من الوصول إلى أجهزة الاستشعار هذه.
ولكنّ البصمة تجمع بهدوء وسلاسة خصائص حميدة عادة ما تتمّ مشاركتها بشكل تلقائي لضمان عمل التطبيقات والمواقع الإلكترونية بالشكل الصحيح.
وبعد جمع الكمّ الكافي من البيانات، تتحوّل البصمة إلى أداة شديدة الفعالية. وفي دراسة أجريت العام الماضي في فرنسا، وجد الباحثون أنّ نحو ثلث البصمات الرقمية التي جمعوها تميّزت بالفرادة، ولهذا السبب تمكّنوا من تحديد هوية أصحابها. وفي عام 2017، اختبر باحثون من جامعتي ليهاي وواشنطن وسيلة للبصمة نجحت في تحديد هوية 99 في المائة من المستخدمين.
ويقول المدافعون عن الخصوصية إنّ البصمة وسيلة فاسدة، لأنها وعلى عكس ملفات تعريف الارتباط التي يستطيع الناس رؤيتها وحذفها، تحرم المستخدمين من فرصة تحديد مكانها، والسيطرة عليها وعلى نشاطها.
من جهتها، اعتبرت كيسي أوبنهايم، الرئيسة التنفيذية لشركة «ديسكونيكت» التي تطوّر أدوات حجب المتعقبات، أنّ «البصمة هي عبارة عن صندوق أسود حقيقي».

مجابهة الرصد
• ماذا يمكنكم أن تفعلوا؟ إن الحلول التي تتيح تعطيل عمل البصمة لا تزال جديدة نسبياً، وبعضها لا يزال في مرحلة التطوير. كما أنّ من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه الوسائل فعالة أم لا، على اعتبار أن البصمة تعمل بشكل غير مرئي. ولكن الاستفادة من هذه الحلول سيمنحكم بعضاً من راحة البال، في حال كنتم تهتمون بخصوصيتكم.
وفيما يلي، ستتعرفون إلى بعض الحلول لتعطيل عمل البصمة في محركات البحث:
- يملك مستخدمو «آبل» بعض الوسائل الحمائية في محرّك «سفاري» للكومبيوتر والأجهزة المحمولة.
ولمستخدمي «آيفون» وأجهزة «ماك»، قدّمت شركة آبل آلية دفاعية ضدّ البصمة، دمجتها في محرّك بحث «سفاري» العام الماضي. وتساعد هذه الآلية على إظهار الهاتف والكومبيوتر على أنّهما جهاز واحد بالنسبة للموقع الإلكتروني، من خلال تزويده بالحدّ الأدنى من المعلومات التي يحتاجها للعمل بشكل صحيح (ففي حال كنتم مثلاً تستخدمون نظام تشغيل MacOS 10.14.5.، سيتلقى الموقع الإلكتروني من محرّك البحث معلومة تقول إنّكم تستخدمون MacOS 10.14).
وللاستفادة من هذا الدفاع، احرصوا على تشغيل إصدار حديث من أنظمة الآيفون والماك التشغيلية.
- محرّك «فايرفوكس» لمستخدمي آندرويد وويندوز. زوّدت شركة «موزيلّا» محرّك بحثها بأداة لتعطيل تقنية البصمة هذا العام، ولكن هذه الميزة، بحسب الشركة، قد تمنع محتوى بعض المواقع من التحميل، أو قد تحول دون إتمام العمليات المالية على مواقع التبضع، أي أنّها لا تعمل بشكل غيابي.
ولكنّ «موزيلّا» أكّدت أنّها تحرز تقدّماً في تطوير هذه الأداة، وتتوقّع حجب البصمة بشكل غيابي في الإصدارات المقبلة. وفي الوقت الحالي، يمكنكم تشغيل الميزة من خلال فتح تفضيلات محرّك البحث، والنقر على صفحة الخصوصية والأمن، واختيار «تخصيص»، ووضع علامة إلى جانب خيار «البصمات».
- أمّا «غوغل»، فقد أعلنت هذا العام أنّها تخطّط لتزويد محرّكها «كروم» بدفاع مضادّ للبصمة، ولكنّها لم تحدّد موعداً لإطلاق الميزة.
- تحميل برامج مساعدة في محركات البحث الأخرى. تقدّم شركة «ديسكونكت» Disconnect حاجباً للمتعقبات لمحركات البحث التي تتضمن وسائل حماية من البصمة. هذا الحاجب هو عبارة عن برنامج مساعد قابل للتحميل يعمل مع عدد من محركات البحث، ومن ضمنها «غوغل كروم». وقد استخدمت هذا البرنامج على محركات البحث على الكومبيوتر لسنوات، ويمكنني القول إنّه يعمل بفعالية كبيرة، ولكنّه لا يخلو من السلبيات طبعاً، إذ إنّه وفي بعض الأحيان يعطّل مواقع الشراء، كما أنّه يجبرني على فصل «ديسكونكت» للقيام ببعض الأشياء، كإضافة سلع جديدة على بطاقة الشرائية.

الأجهزة الجوالة
• البصمة على الأجهزة المحمولة موضوع آخر. تحصل البصمة بشكل مباشر داخل التطبيقات دون أن يتمكّن الناس من رؤية البيانات التي يتمّ جمعها في خلفيتها أو عند تشغيلها. قبل عامين، أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» مثالاً على هذا النوع من التعقّب عندما كشفت أنّ «أوبر» استخدمت تقنية البصمة في تطبيقها الخاص بهواتف «الآيفون» لتحديد هوية مستخدميها حتى بعد حذفهم للمحتوى من هواتفهم.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الوسائل الدفاعية المضادة للبصمة على الأجهزة المحمولة لا تزال في بدايات ظهورها، وإليكم مثالاً على إحداها:
- تقدّم شركة «ديسكونكت» تطبيقات خلوية لحجب المتعقبين في تطبيقات أخرى:
يعمل تطبيقا «برايفسي برو» Privacy Pro و«ديسكونكت بريميوم» Disconnect Premium، لهواتف الآيفون والآندرويد، على تحليل نشاطات التطبيقات على جهازكم، لرصد وحجب تقنيات التعقّب، ومن ضمنها البصمة. فور تحميل وتفعيل تطبيقات «ديسكونكت»، يبدأ حاجب المتعقّبات بالعمل بشكل أوتوماتيكي.
ولكنّ المشكلة في هذه التطبيقات هي صعوبة تحديدها للتطبيقات التي تستخدم فعلاً تقنية البصمة كي تتمكنوا من حذفها. وبادرت منذ بعض الوقت إلى فتح تطبيق «برايفسي برو» الذي استخدمه، ولكنّه عجز عن تحديد التطبيقات التي تستخدم تقنية البصمة للتعقّب بسبب الضوابط الموجودة في هندسة الآيفون البرمجية. وقالت «ديسكونكت» أخيراً إنها بصدد العمل على تسهيل استخدام التطبيق.
إذن، ما هي الخطوة العملية التي يمكنكم استخدامها في الهواتف الذكية؟ أبدأوا بحذف التطبيقات التي لا تستخدمونها إلا نادراً، خصوصاً تلك التي تروّج لعلامات تجارية غامضة. وتجدر الإشارة إلى أنّ التطبيقات المجانية تكون مدجّجة بالمتعقّبات، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن بعض التطبيقات المدفوعة تراقبكم أيضاً.
ولا شكّ أن تقنية البصمة معقّدة بعض الشيء، خصوصاً أنها تعمل على التعقّب عبر التطبيقات والمواقع الإلكترونية، ولكن لا تشعروا بالتوتر إنّ لم تبدأوا فوراً بحماية أنفسكم، لأنّ مجرّد معرفتكم بها اليوم يعني أنّكم بدأتم بتحضير أنفسكم لها.
- خدمة «نيويورك تايمز



ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
TT

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

أطلقت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) مهمة «أرتميس ‌2» (Artemis II) في أول رحلة مأهولة ضمن برنامج العودة إلى القمر منذ عقود. ورغم أن الأنظار تتجه عادة إلى الصاروخ الضخم الذي يحمل المركبة إلى الفضاء، فإن جوهر المهمة يكمن في منظومة معقدة من التقنيات التي تعمل خلف الكواليس. تقنيات لا تهدف فقط إلى الوصول، بل تمكين البشر من العيش، والعمل خارج الأرض.

مهمة اختبار... لا مجرد رحلة

لا تستهدف «Artemis II» الهبوط على سطح القمر، بل تمثل رحلة اختبار شاملة للأنظمة التي ستعتمد عليها المهمات المستقبلية. وتشمل هذه الأنظمة الملاحة، والاتصال، ودعم الحياة، وإدارة الطاقة، إضافة إلى التفاعل بين الإنسان والآلة في بيئة الفضاء العميق. هذا التحول يعكس تغييراً في فلسفة الاستكشاف الفضائي. فبدلاً من التركيز على «الوصول»، أصبح التركيز على «الاستمرارية»، أي القدرة على البقاء في الفضاء لفترات طويلة، وهي خطوة أساسية نحو رحلات أبعد، مثل المريخ.

مهمة «أرتميس ‌2» التابعة لوكالة «ناسا» تنطلق من مركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال بفلوريدا (رويترز)

«أوريون»... مركبة أم نظام تشغيل؟

في قلب المهمة تأتي مركبة «أوريون» (Orion) التي يمكن النظر إليها بوصفها منصة متكاملة تجمع بين عدة أنظمة تعمل بتناغم. فهي ليست مجرد كبسولة لنقل الرواد، بل بيئة مغلقة تحاكي قدر الإمكان ظروف الحياة على الأرض. تشمل هذه المنظومة أنظمة دعم الحياة التي تتحكم في الأكسجين، والضغط، والرطوبة، وأنظمة تنقية المياه، وإدارة النفايات، إضافة إلى أنظمة مراقبة صحية تتابع حالة الطاقم بشكل مستمر. كل هذه العناصر تجعل المركبة أقرب إلى «نظام تشغيل» بيئي يدير كل ما يتعلق بحياة الإنسان داخل الفضاء.

وتعتمد «Orion» أيضاً على وحدة الخدمة الأوروبية التي طورتها وكالة الفضاء الأوروبية لتوفير الطاقة، والدفع، والموارد الأساسية. هذا التكامل الدولي يعكس تحول برامج الفضاء من مشاريع وطنية إلى بنى تحتية عالمية مشتركة.

الملاحة خارج الأرض... استقلالية أكبر

في الفضاء العميق، لا يمكن الاعتماد بشكل كامل على الأنظمة الأرضية. فالإشارات تحتاج إلى وقت للوصول، ما يفرض تحدياً في اتخاذ القرارات الفورية.

لهذا، تعتمد «أرتميس ‌2» على مزيج من الملاحة الذاتية، والاتصال الأرضي، ما يمنح المركبة قدراً من الاستقلالية. هذه القدرة ليست تفصيلاً تقنياً، بل ضرورة، خصوصاً مع التفكير في رحلات أبعد، حيث يصبح التأخير الزمني أكبر.

كبسولة «أوريون» جزء من مهمة «أرتميس 2» التابعة لوكالة «ناسا» في فلوريدا (إ.ب.أ)

إدارة الطاقة... والعودة إلى الأرض

تعمل المركبة بالطاقة الشمسية، لكن التحدي لا يكمن فقط في توليد الطاقة، بل في إدارتها بكفاءة. فالأجهزة، وأنظمة الحياة، والاتصالات، كلها تعتمد على توزيع دقيق للطاقة. إلى جانب ذلك، تمثل الحرارة تحدياً أساسياً. ففي الفضاء يمكن أن تتعرض المركبة لدرجات حرارة متطرفة، ما يتطلب أنظمة تحكم حراري دقيقة تحافظ على استقرار البيئة الداخلية.

رغم أن الإطلاق يمثل لحظة حاسمة، فإن العودة إلى الأرض تُعد من أكثر مراحل المهمة تعقيداً. إذ تدخل المركبة الغلاف الجوي بسرعات هائلة، ما يولد حرارة شديدة تتطلب درعاً حرارياً متقدماً.

هذا الدرع لا يحمي المركبة فقط، بل يحدد أيضاً مدى نجاح المهمة في إعادة الطاقم بأمان، وهو عنصر أساسي في أي برنامج فضائي طويل الأمد.

الإنسان كجزء من المنظومة

ليست «أرتميس ‌2» اختباراً للآلات فقط، بل أيضاً للإنسان. سيتم تزويد رواد الفضاء بأجهزة استشعار لمراقبة المؤشرات الحيوية، بهدف فهم تأثير الرحلات الفضائية على الجسم. هذا يعكس تحولاً في النظرة إلى الطاقم، من «مستخدمين» للمركبة إلى عناصر بيانات داخل نظام متكامل. فالقدرة على تحليل هذه البيانات ستكون حاسمة في تصميم المهمات المستقبلية.

تعد أنظمة الاتصال من الجوانب التي لا يمكن إغفالها. فالحفاظ على اتصال مستقر بين المركبة والأرض يتطلب بنية تحتية معقدة، خاصة مع المسافات المتزايدة. هذه الأنظمة لا تضمن فقط التواصل، بل تلعب دوراً في نقل البيانات، وتحديث الأنظمة، ودعم اتخاذ القرار، ما يجعلها جزءاً أساسياً من نجاح المهمة.

بعد 53 عاماً... «ناسا» تعيد البشر إلى عتبة القمر

بين الطموح والتحديات

رغم التقدم التقني، لا تخلو المهمة من تحديات. فتعقيد الأنظمة، وتعدد الجهات المشاركة، والتكاليف المرتفعة، كلها عوامل تضيف ضغوطاً على البرنامج. كما أن بعض الاختبارات والتأخيرات التي سبقت المهمة تعكس طبيعة هذا النوع من المشاريع، حيث لا مجال للخطأ في بيئة عالية المخاطر.

لا يمكن النظر إلى «أرتميس ‌2» بوصفها مهمة منفصلة، بل هي جزء من مسار طويل. فالقمر هنا ليس الهدف النهائي، بل محطة اختبار. الهدف الأكبر هو تطوير تقنيات تتيح للبشر السفر إلى المريخ، والبقاء هناك. وفي هذا السياق، تصبح «أرتميس ‌2» أقل ارتباطاً بالوجهة، وأكثر ارتباطاً بالأنظمة التي تختبرها.

فما يجري اليوم ليس مجرد إطلاق جديد، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والفضاء عبر تقنيات قد تجعل الوجود خارج الأرض أمراً قابلاً للاستمرار، لا مجرد تجربة مؤقتة.


دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
TT

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

تزداد أهمية حماية البيانات الشخصية، خصوصاً المالية، مع توسع الأنظمة الرقمية التي باتت تدير جانباً كبيراً من الحياة اليومية. دراسة حديثة منشورة في «Electronic Government: An International Journal» تسلط الضوء على التحديات المتزايدة في هذا المجال، مشيرة إلى أن تعقيد البيئة الرقمية يجعل من الصعب الاعتماد على حل واحد لضمان الأمان.

توضح الدراسة أن الأنظمة المالية الرقمية لم تعد تعتمد فقط على البنية التقنية، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تشمل المستخدمين والمؤسسات والتشريعات. وفي هذا السياق، لم يعد الاختراق نتيجة ثغرة واحدة، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه، ما يجعل الحماية أكثر تعقيداً.

تركّز الدراسة على ثلاثة عناصر أساسية تشكل أساس أي نظام آمن وهي السرية وسلامة البيانات وإمكانية الوصول. فالسرية تعني حماية المعلومات الحساسة بحيث لا يتم الوصول إليها إلا من قبل المستخدمين المصرح لهم. أما سلامة البيانات تتعلق بالحفاظ على دقة المعلومات ومنع التلاعب بها. كما أن إمكانية الوصول تضمن أن يتمكن المستخدم الشرعي من الوصول إلى بياناته دون عوائق.

وتشير الدراسة إلى أن أي خلل في أحد هذه العناصر يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية مباشرة، أو إلى تراجع الثقة في الأنظمة الرقمية بشكل عام.

تهديدات تتطور بسرعة

تواجه الأنظمة المالية اليوم مجموعة متزايدة من التهديدات، أبرزها «التصيد الاحتيالي» (Phishing)، الذي يعتمد على خداع المستخدم للحصول على بياناته، إضافة إلى البرمجيات الخبيثة التي تستهدف الأجهزة بشكل مباشر. كما تشير الدراسة إلى خطر «التهديدات الداخلية» حيث قد يأتي الاختراق من داخل المؤسسات نفسها، سواء بشكل متعمد أو نتيجة سوء استخدام الصلاحيات. وتضيف أن الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف قواعد بيانات كاملة، أصبحت أكثر شيوعاً، مع وجود أسواق سوداء لبيع البيانات المسروقة. هذه التهديدات لم تعد تقليدية، بل تتطور باستمرار لتتجاوز أنظمة الحماية المعروفة، ما يجعل من الصعب الاعتماد على أساليب الدفاع التقليدية فقط.

تتطور التهديدات السيبرانية بسرعة وتشمل التصيد الاحتيالي والبرمجيات الخبيثة والاختراقات واسعة النطاق (شاتوستوك)

الأنظمة التنظيمية... ضرورة وليست كافية

في مواجهة هذه المخاطر، تعمل المؤسسات المالية ضمن أطر تنظيمية صارمة تشمل التشفير والمصادقة متعددة العوامل والتدقيق المستمر. لكن الدراسة تشير إلى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا توفر حماية كاملة.

فالقوانين والتقنيات يمكن أن تقلل من المخاطر، لكنها لا تلغيها. إذ تبقى هناك فجوة بين ما يمكن للنظام التقني تحقيقه، وما يمكن أن يحدث نتيجة سلوك المستخدم أو تطور الهجمات.

العامل البشري... الحلقة الأضعف

من أبرز ما تؤكد عليه الدراسة أن المستخدم نفسه يمثل أحد أهم نقاط الضعف في النظام. فحتى مع وجود أنظمة حماية متقدمة، يمكن لخطأ بسيط مثل الضغط على رابط مزيف أو استخدام كلمة مرور ضعيفة أن يؤدي إلى اختراق كامل. وتشير النتائج إلى أن التوعية تلعب دوراً محورياً في تقليل هذه المخاطر. فتعليم المستخدمين كيفية التعرف على محاولات الاحتيال، واستخدام كلمات مرور قوية، وعدم إعادة استخدامها عبر منصات مختلفة، يمكن أن يكون له تأثير كبير على مستوى الأمان.

بناءً على ذلك، تقترح الدراسة أن حماية البيانات المالية يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة تجمع بين التكنولوجيا، والتنظيم، والسلوك البشري.

فبدلاً من التركيز على أداة واحدة، يجب بناء نظام متكامل يأخذ في الاعتبار جميع نقاط الضعف المحتملة. وهذا يشمل تطوير تقنيات أكثر ذكاءً، وتحديث التشريعات بشكل مستمر، وتعزيز وعي المستخدمين.

الثقة عامل حاسم

لا تتعلق المسألة فقط بحماية البيانات، بل بالحفاظ على الثقة في النظام الرقمي ككل. فكل اختراق لا يؤثر فقط على المستخدم المتضرر، بل ينعكس على ثقة المستخدمين الآخرين في الخدمات الرقمية.

وتحذر الدراسة من أن فقدان هذه الثقة قد يكون له تأثير أوسع على الاقتصاد الرقمي، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط الاقتصادي اليوم على التعاملات الإلكترونية.

تشير الدراسة إلى أن التحدي الحقيقي في حماية البيانات المالية لا يكمن في تطوير تقنيات جديدة فقط، بل في القدرة على دمج هذه التقنيات ضمن منظومة أوسع تشمل الإنسان والتنظيم.


«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
TT

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

أصبح بالإمكان استخدام «شات جي بي تي» (ChatGPT) داخل نظام «كاربلاي» (CarPlay) من «أبل»، في خطوة تعكس توسع حضور الذكاء الاصطناعي خارج الهاتف نحو بيئات الاستخدام اليومية مثل السيارة. ومع تحديثات «26.4 iOS » الأخيرة، فتحت «أبل» المجال أمام تطبيقات المحادثة الصوتية للعمل داخل «CarPlay»؛ ما يتيح للمستخدمين التفاعل مع أنظمة، مثل «تشات جي بي تي»، أثناء القيادة.

هذه الخطوة تبدو للوهلة الأولى امتداداً طبيعياً لانتشار الذكاء الاصطناعي، لكنها في الواقع تمثل تحولاً أوسع في كيفية استخدام هذه التقنيات، من واجهات تعتمد على الشاشة إلى تفاعل صوتي مستمر ومندمج في السياق اليومي.

تجربة صوتية بالكامل

على عكس استخدام «شات جي بي تي» على الهاتف أو الحاسوب، تقتصر التجربة داخل «كار بلاي» على الصوت. لا توجد واجهة نصية، ولا إمكانية لعرض الإجابات على الشاشة. بدلاً من ذلك، يعتمد التفاعل على طرح الأسئلة واستقبال الإجابات صوتياً، بما يتماشى مع متطلبات السلامة أثناء القيادة.

هذا القيد ليس تقنياً فقط، بل تصميمي أيضاً؛ فبيئة السيارة تفرض نمط استخدام مختلفاً، حيث يجب أن تكون التجربة بسيطة وسريعة ولا تتطلب انتباهاً بصرياً مستمراً. وفي هذا السياق، يصبح الصوت هو الوسيط الأساسي، وليس مجرد خيار إضافي.

لا يزال «سيري» المساعد الأساسي بينما يعمل «شات جي بي تي» بوصفه خياراً مكملاً وليس بديلاً (شاترستوك)

كسر احتكار «سيري»... جزئياً

لفترة طويلة، كان «سيري» المساعد الصوتي الوحيد داخل «كار بلاي». لكن التحديثات الأخيرة تشير إلى بداية انفتاح النظام على خدمات ذكاء اصطناعي خارجية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن «ChatGPT» حل محل «سيري»؛ فلا يزال «سيري» المساعد الافتراضي، ولا يمكن استبداله بالكامل. كما أن استخدام «شات جي بي تي» يتطلب فتح التطبيق بشكل يدوي، ولا يدعم أوامر تنشيط مباشرة مثل «Hey Siri». وهذا يضعه حالياً في موقع مكمل، وليس بديلاً.

رغم أن إدخال «شات جي بي تي» إلى «كاربلاي» يمثل خطوة لافتة، فإن قدراته داخل السيارة لا تزال محدودة. فهو لا يستطيع التحكم بوظائف السيارة، ولا الوصول إلى إعدادات النظام، ولا التفاعل العميق مع تطبيقات أخرى. بمعنى آخر، ما نراه اليوم هو وصول الذكاء الاصطناعي إلى السيارة، وليس اندماجه الكامل فيها.

لكن الأهمية لا تكمن في الوظائف الحالية بقدر ما تكمن في الاتجاه الذي تشير إليه؛ فوجود «ChatGPT» داخل «CarPlay» يعكس تحول السيارة إلى مساحة جديدة للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الهاتف والحاسوب.

تظل قدرات «شات جي بي تي» داخل السيارة محدودة دون تكامل عميق مع النظام أو وظائف السيارة (أ.ف.ب)

السيارة بوصفها واجهة جديدة للذكاء الاصطناعي

ما يتغير هنا ليس فقط مكان استخدام الذكاء الاصطناعي، بل طبيعته أيضاً. ففي السيارة، لا يكون المستخدم جالساً أمام شاشة، وإنما يصبح منخرطاً في القيادة. وهذا يفرض نمطاً جديداً من التفاعل، يعتمد على الصوت والسياق والاختصار. في هذا النموذج، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه «مرافقاً رقمياً» يمكنه الإجابة عن الأسئلة، وتقديم معلومات، أو حتى المساعدة في مهام بسيطة أثناء التنقل.

وهذا يفتح الباب أمام استخدامات محتملة تتجاوز ما هو متاح حالياً، مثل التفاعل مع أنظمة الملاحة، أو تقديم توصيات سياقية، أو إدارة بعض جوانب الرحلة.

ورغم هذه الإمكانات، لا تزال التجربة في مراحلها الأولى. فغياب التكامل العميق، والاعتماد الكامل على الصوت، وضرورة تشغيل التطبيق يدوياً، كلها عوامل تحد من سهولة الاستخدام.

كما أن هناك تساؤلات أوسع تتعلق بمدى الحاجة الفعلية لمثل هذه الخدمات داخل السيارة. فكثير من المستخدمين يعتمدون بالفعل على أنظمة قائمة مثل «سيري» أو مساعدات الملاحة؛ ما يطرح سؤالاً حول القيمة المضافة التي يقدمها «شات جي بي تي» في هذا السياق.

من الصعب النظر إلى هذه الخطوة بوصفها ميزة منفصلة فقط. فهي تشير إلى تحول تدريجي في دور الذكاء الاصطناعي، من أداة تُستخدم عند الحاجة، إلى جزء من البيئة المحيطة بالمستخدم.

في هذا الإطار، تصبح السيارة واحدة من عدة نقاط اتصال مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنزل والمكتب والهاتف. ومع استمرار تطور هذه الأنظمة، قد يتحول هذا التفاعل من تجربة محدودة إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية.