توجهات متزايدة لتوظيف «البصمة الرقمية» للتعقّب في العالم الإلكتروني

مراقبة خصائص الأجهزة المتنوعة بهدف رصد وتقفي آثار مستخدميها

توجهات متزايدة لتوظيف «البصمة الرقمية» للتعقّب في العالم الإلكتروني
TT

توجهات متزايدة لتوظيف «البصمة الرقمية» للتعقّب في العالم الإلكتروني

توجهات متزايدة لتوظيف «البصمة الرقمية» للتعقّب في العالم الإلكتروني

إذا كان هناك درس واحد لا بدّ من تعلّمه عن الخصوصية الرقمية، فإنه سيكون... أنه لا يمكننا الشعور بالراحة دائماً، إذ حتى لو أحكمنا أمن بياناتنا، بحيث لا يتمّ تعقبنا إلكترونياً، لن تعجز صناعة الإعلانات الإلكترونية عن التوصل إلى طرق جديدة لمراقبة نشاطنا الرقمي.
وكذلك أيضاً تصاعد ما يعرف بـ«البصمة» الرقمية التي يشير إليها الخبراء على أنّها الجيل المقبل من تقنيات التعقّب.

بصمة إلكترونية
ولكن ما هي «البصمة» fingerprinting؟ تعتمد هذه التقنية على مراقبة الخصائص الكثيرة الموجودة في الأجهزة المحمولة أو الكومبيوتر، كدقة عرض الشاشة والنظام التشغيلي والإصدار، ثم بعد ذلك توضيب هذه المعلومات بهدف رصدكم ومراقبتكم في أثناء تصفّحكم للشبكة واستخدام التطبيقات. وبعد التعرّف على ما يكفي من خصائص الجهاز، تُطبق النظرية، ويصبح بالإمكان جمع البيانات في ملف شخصي يساعد في تحديد هويتكم بالطريقة التي تحدّدها بها بصمة الإصبع.
كشف بيتر دولانجسكي، مسؤول المنتجات في محرّك «موزيلا فايرفوكس» الذي يدرس موضوع «البصمة»، أن «جمع القدر الكافي من هذه الخصائص بعضها مع بعض يؤدي إلى صنع رمز شريطي قابل للتعريف بدقّة، وبشكل متفرد».
أمّا الخبر السيئ، فهو أنّ التقنية تعمل بشكل غير مرئي في خلفية التطبيقات والمواقع الإلكترونية، مما يصعّب رصدها ومكافحتها أكثر من سلفها، أي وجود ملف تعريف الارتباط الموجود في محرّك البحث، الذي يلعب دور المتعقّب المزروع في أجهزتكم. هذا غير أنّ الحلول المستخدمة لحظر البصمة محدودة أيضاً.
واكتشف الباحثون المختصون في المجال الأمني أن تقنية البصمة كانت تستخدم في التعقّب قبل 7 سنوات، ولكن نادراً ما كانوا يناقشونها قبل اليوم. وكشفت شركة «موزيلا» أنّ نحو 3.5 في المائة فقط من المواقع الإلكترونية الشهيرة تستخدم هذه التقنية للتعقّب، مقارنة بـ1.6 في المائة عام 2016. وتجدر الإشارة إلى أنّ عدداً غير معروف من التطبيقات الخلوية تستخدمها أيضاً.

استهداف المستخدمين
ولكن جميع ما ذكر أعلاه ليس سبباً للذعر، بل للقلق. فمع ازدياد شعبية تقنية بصمة للتعقّب، إليكم ما يجب أن تعرفوه عنها، وما يمكنكم أن تفعلوه.
• كيف وصلنا إلى هنا؟ في السنوات القليلة الماضية، قدّمت شركات التقنية العملاقة، كـ«آبل» و«موزيلّا»، وسائل حماية قوية للخصوصية وضعتها داخل محرّكات بحثها. وقد تمّ تزويد محرّكي «سفاري» و«فايرفوكس» بحاجب للمتعقّبات، لمنع المعلنين من تعقّب المستخدمين على شبكة الإنترنت، وخدمة الإعلانات المستهدِفة. وساهم هذا الأمر في إحباط وسائل التعقّب التقليدية، كملفات تعريف الارتباط والبيكسلات المدمجة في أزرار التواصل الاجتماعي.
ولأّن كثيراً من هذه التقنيات تعرّض للحجب بشكل تلقائي، توجّه المعلنون إلى البحث عن طريقة مختلفة لتعقّب الناس.
• كيف تعمل تقنية «البصمة»؟ في اللغة التقنية، تستفيد البصمة من فكرة أساسية، وهي أن التطبيقات والمواقع الإلكترونية تتواصل مع أجهزتنا.
عندما تتصفّحون الفضاء الإلكتروني، يزوّد محرّك بحثكم المواقع الإلكترونية تلقائياً ببعض المعلومات حول أجهزتكم. هذا الأمر يعود بجزء منه إلى حاجة المواقع الإلكترونية لمعرفة تفاصيل، مثل دقة شاشتكم، لتتمكّن من تحميل صفحة معيّنة بحجم النافذة الصحيح.
الأمر نفسه يحصل عندما تحمّلون تطبيقاً ما، إذ يشارك نظام الهاتف التشغيلي بعض المعلومات الخاصة بالجهاز مع التطبيق. وهذا الأمر يعود بجزء منه إلى حاجة الهاتف لمعرفة أي نوع من الهواتف تستخدمون، ليتوافق مع سرعة المعالج وحجم الشاشة.
وتتضمّن الأجهزة بعض الضوابط التي تتحكّم بهذه البيانات التي تحصل عليها التطبيقات والمواقع الإلكترونية. على هواتف «آيفون» و«آندرويد» مثلاً، عليكم منح الإذن لأي تطبيق ليتمكّن من الحصول على بيانات الموقع أو الكاميرا أو الميكروفون. وينطبق هذا الأمر نفسه على كثير من محركات البحث التي تتطلّب بدورها إذنكم قبل تمكين أي موقع إلكتروني من الوصول إلى أجهزة الاستشعار هذه.
ولكنّ البصمة تجمع بهدوء وسلاسة خصائص حميدة عادة ما تتمّ مشاركتها بشكل تلقائي لضمان عمل التطبيقات والمواقع الإلكترونية بالشكل الصحيح.
وبعد جمع الكمّ الكافي من البيانات، تتحوّل البصمة إلى أداة شديدة الفعالية. وفي دراسة أجريت العام الماضي في فرنسا، وجد الباحثون أنّ نحو ثلث البصمات الرقمية التي جمعوها تميّزت بالفرادة، ولهذا السبب تمكّنوا من تحديد هوية أصحابها. وفي عام 2017، اختبر باحثون من جامعتي ليهاي وواشنطن وسيلة للبصمة نجحت في تحديد هوية 99 في المائة من المستخدمين.
ويقول المدافعون عن الخصوصية إنّ البصمة وسيلة فاسدة، لأنها وعلى عكس ملفات تعريف الارتباط التي يستطيع الناس رؤيتها وحذفها، تحرم المستخدمين من فرصة تحديد مكانها، والسيطرة عليها وعلى نشاطها.
من جهتها، اعتبرت كيسي أوبنهايم، الرئيسة التنفيذية لشركة «ديسكونيكت» التي تطوّر أدوات حجب المتعقبات، أنّ «البصمة هي عبارة عن صندوق أسود حقيقي».

مجابهة الرصد
• ماذا يمكنكم أن تفعلوا؟ إن الحلول التي تتيح تعطيل عمل البصمة لا تزال جديدة نسبياً، وبعضها لا يزال في مرحلة التطوير. كما أنّ من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه الوسائل فعالة أم لا، على اعتبار أن البصمة تعمل بشكل غير مرئي. ولكن الاستفادة من هذه الحلول سيمنحكم بعضاً من راحة البال، في حال كنتم تهتمون بخصوصيتكم.
وفيما يلي، ستتعرفون إلى بعض الحلول لتعطيل عمل البصمة في محركات البحث:
- يملك مستخدمو «آبل» بعض الوسائل الحمائية في محرّك «سفاري» للكومبيوتر والأجهزة المحمولة.
ولمستخدمي «آيفون» وأجهزة «ماك»، قدّمت شركة آبل آلية دفاعية ضدّ البصمة، دمجتها في محرّك بحث «سفاري» العام الماضي. وتساعد هذه الآلية على إظهار الهاتف والكومبيوتر على أنّهما جهاز واحد بالنسبة للموقع الإلكتروني، من خلال تزويده بالحدّ الأدنى من المعلومات التي يحتاجها للعمل بشكل صحيح (ففي حال كنتم مثلاً تستخدمون نظام تشغيل MacOS 10.14.5.، سيتلقى الموقع الإلكتروني من محرّك البحث معلومة تقول إنّكم تستخدمون MacOS 10.14).
وللاستفادة من هذا الدفاع، احرصوا على تشغيل إصدار حديث من أنظمة الآيفون والماك التشغيلية.
- محرّك «فايرفوكس» لمستخدمي آندرويد وويندوز. زوّدت شركة «موزيلّا» محرّك بحثها بأداة لتعطيل تقنية البصمة هذا العام، ولكن هذه الميزة، بحسب الشركة، قد تمنع محتوى بعض المواقع من التحميل، أو قد تحول دون إتمام العمليات المالية على مواقع التبضع، أي أنّها لا تعمل بشكل غيابي.
ولكنّ «موزيلّا» أكّدت أنّها تحرز تقدّماً في تطوير هذه الأداة، وتتوقّع حجب البصمة بشكل غيابي في الإصدارات المقبلة. وفي الوقت الحالي، يمكنكم تشغيل الميزة من خلال فتح تفضيلات محرّك البحث، والنقر على صفحة الخصوصية والأمن، واختيار «تخصيص»، ووضع علامة إلى جانب خيار «البصمات».
- أمّا «غوغل»، فقد أعلنت هذا العام أنّها تخطّط لتزويد محرّكها «كروم» بدفاع مضادّ للبصمة، ولكنّها لم تحدّد موعداً لإطلاق الميزة.
- تحميل برامج مساعدة في محركات البحث الأخرى. تقدّم شركة «ديسكونكت» Disconnect حاجباً للمتعقبات لمحركات البحث التي تتضمن وسائل حماية من البصمة. هذا الحاجب هو عبارة عن برنامج مساعد قابل للتحميل يعمل مع عدد من محركات البحث، ومن ضمنها «غوغل كروم». وقد استخدمت هذا البرنامج على محركات البحث على الكومبيوتر لسنوات، ويمكنني القول إنّه يعمل بفعالية كبيرة، ولكنّه لا يخلو من السلبيات طبعاً، إذ إنّه وفي بعض الأحيان يعطّل مواقع الشراء، كما أنّه يجبرني على فصل «ديسكونكت» للقيام ببعض الأشياء، كإضافة سلع جديدة على بطاقة الشرائية.

الأجهزة الجوالة
• البصمة على الأجهزة المحمولة موضوع آخر. تحصل البصمة بشكل مباشر داخل التطبيقات دون أن يتمكّن الناس من رؤية البيانات التي يتمّ جمعها في خلفيتها أو عند تشغيلها. قبل عامين، أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» مثالاً على هذا النوع من التعقّب عندما كشفت أنّ «أوبر» استخدمت تقنية البصمة في تطبيقها الخاص بهواتف «الآيفون» لتحديد هوية مستخدميها حتى بعد حذفهم للمحتوى من هواتفهم.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الوسائل الدفاعية المضادة للبصمة على الأجهزة المحمولة لا تزال في بدايات ظهورها، وإليكم مثالاً على إحداها:
- تقدّم شركة «ديسكونكت» تطبيقات خلوية لحجب المتعقبين في تطبيقات أخرى:
يعمل تطبيقا «برايفسي برو» Privacy Pro و«ديسكونكت بريميوم» Disconnect Premium، لهواتف الآيفون والآندرويد، على تحليل نشاطات التطبيقات على جهازكم، لرصد وحجب تقنيات التعقّب، ومن ضمنها البصمة. فور تحميل وتفعيل تطبيقات «ديسكونكت»، يبدأ حاجب المتعقّبات بالعمل بشكل أوتوماتيكي.
ولكنّ المشكلة في هذه التطبيقات هي صعوبة تحديدها للتطبيقات التي تستخدم فعلاً تقنية البصمة كي تتمكنوا من حذفها. وبادرت منذ بعض الوقت إلى فتح تطبيق «برايفسي برو» الذي استخدمه، ولكنّه عجز عن تحديد التطبيقات التي تستخدم تقنية البصمة للتعقّب بسبب الضوابط الموجودة في هندسة الآيفون البرمجية. وقالت «ديسكونكت» أخيراً إنها بصدد العمل على تسهيل استخدام التطبيق.
إذن، ما هي الخطوة العملية التي يمكنكم استخدامها في الهواتف الذكية؟ أبدأوا بحذف التطبيقات التي لا تستخدمونها إلا نادراً، خصوصاً تلك التي تروّج لعلامات تجارية غامضة. وتجدر الإشارة إلى أنّ التطبيقات المجانية تكون مدجّجة بالمتعقّبات، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن بعض التطبيقات المدفوعة تراقبكم أيضاً.
ولا شكّ أن تقنية البصمة معقّدة بعض الشيء، خصوصاً أنها تعمل على التعقّب عبر التطبيقات والمواقع الإلكترونية، ولكن لا تشعروا بالتوتر إنّ لم تبدأوا فوراً بحماية أنفسكم، لأنّ مجرّد معرفتكم بها اليوم يعني أنّكم بدأتم بتحضير أنفسكم لها.
- خدمة «نيويورك تايمز



روبوتات تفكر وتتحرك: ما الذي يميّز «Rho-Alpha» من «مايكروسوفت»؟

نموذج «Rho-Alpha» يدمج الرؤية واللغة والفعل في إطار تعلم واحد ما يمكّن الروبوتات من التفاعل مع العالم المادي بمرونة أعلى (مايكروسوفت)
نموذج «Rho-Alpha» يدمج الرؤية واللغة والفعل في إطار تعلم واحد ما يمكّن الروبوتات من التفاعل مع العالم المادي بمرونة أعلى (مايكروسوفت)
TT

روبوتات تفكر وتتحرك: ما الذي يميّز «Rho-Alpha» من «مايكروسوفت»؟

نموذج «Rho-Alpha» يدمج الرؤية واللغة والفعل في إطار تعلم واحد ما يمكّن الروبوتات من التفاعل مع العالم المادي بمرونة أعلى (مايكروسوفت)
نموذج «Rho-Alpha» يدمج الرؤية واللغة والفعل في إطار تعلم واحد ما يمكّن الروبوتات من التفاعل مع العالم المادي بمرونة أعلى (مايكروسوفت)

يشهد الذكاء الاصطناعي تقدماً سريعاً في فهم اللغة والصور، إلا أن تحويل هذا الذكاء إلى أفعال ملموسة في العالم الحقيقي لا يزال أحد أكثر التحديات تعقيداً في مجال الحوسبة. وفي هذا السياق، تخطو أبحاث «مايكروسوفت» خطوة مهمة نحو سد هذه الفجوة، من خلال الكشف عن أعمال جديدة تهدف إلى تمكين الروبوتات من الإدراك والتفكير والتنفيذ بفاعلية أكبر داخل البيئات المادية الديناميكية.

وفي صميم هذا التوجه يأتي نموذج جديد يُعرف باسم «Rho-Alpha»، وهو نموذج يجمع بين الرؤية واللغة والفعل، ويهدف إلى مساعدة الروبوتات على تجاوز السلوكيات المبرمجة مسبقاً، والعمل بدرجة أعلى من الاستقلالية. ويعكس هذا النموذج طموح «مايكروسوفت» الأوسع في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لا تكتفي بفهم المعلومات الرقمية، بل قادرة أيضاً على التفاعل مع العالم الفيزيائي بطرق أكثر مرونة وواقعية.

دمج الإدراك والفعل

على عكس الأنظمة الروبوتية التقليدية التي تعتمد على سلاسل هندسية منفصلة حيث تُعالج الرؤية والتخطيط والتحكم كوحدات مستقلة، يدمج نموذج «Rho-Alpha» هذه القدرات ضمن إطار تعلم واحد. ويتم تدريب النموذج على تحليل المدخلات البصرية، وفهم التعليمات باللغة الطبيعية، وتوليد أفعال جسدية مناسبة، ما يسمح للروبوتات بالاستجابة بسلاسة أكبر للمهام المعقدة.

ويعالج هذا النهج أحد التحديات المزمنة في عالم الروبوتات، المعروف بمشكلة «الميل الأخير». فعلى الرغم من قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على التعرف على الأشياء أو تنفيذ أوامر محددة، فإنها غالباً ما تفشل عند حدوث تغييرات غير متوقعة في البيئة. فاختلاف بسيط في الإضاءة أو موقع الأجسام أو سلوك البشر قد يؤدي إلى تعطل الأنظمة التقليدية. وتسعى أبحاث «مايكروسوفت» إلى جعل الروبوتات أكثر قدرة على التكيف من خلال ربط قراراتها بالسياق الواقعي بدلاً من القواعد الجامدة.

تعلم يتجاوز المختبر

يستند نموذج «Rho-Alpha» إلى التطورات الحديثة في النماذج التأسيسية، مستفيداً من مفاهيم النماذج اللغوية الضخمة والأنظمة متعددة الوسائط، مع تكييفها لمتطلبات التفاعل المادي. وبدلاً من تعلم المهام بشكل منفصل، يستطيع النموذج التعميم عبر سيناريوهات مختلفة، ما يمكّن الروبوتات من التعامل مع أشياء أو تعليمات لم تُصادفها صراحة أثناء التدريب. وتُعد هذه القدرة أساسية لنشر الروبوتات خارج المختبرات والبيئات الخاضعة للتحكم. وتصف أبحاث «مايكروسوفت» هذا العمل بأنه جزء من رؤية أوسع لما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المتجسد»، حيث يتشكل الذكاء ليس فقط من البيانات، بل من التفاعل المباشر مع العالم المادي. وفي هذا الإطار، تصبح الرؤية والفعل عنصرين متلازمين، ما يسمح للآلات بالتعلم من التجربة بأسلوب أقرب إلى السلوك البشري.

آفاق التطبيق العملي

تتعدد التطبيقات المحتملة لهذه التقنيات عبر قطاعات مختلفة. ففي البيئات الصناعية، يمكن للروبوتات الأكثر مرونة دعم مهام التصنيع والخدمات اللوجيستية التي تتطلب إعادة تهيئة مستمرة. أما في مجالات الرعاية الصحية والخدمات، فقد تساعد هذه الأنظمة في تنفيذ أنشطة يومية تتطلب تفاعلاً مباشراً مع البشر وبيئات غير متوقعة. ورغم أن «مايكروسوفت» لم تعلن عن منتجات تجارية قائمة على «Rho-Alpha»، فإن هذا البحث يسلط الضوء على قدرات أساسية قد تُمهّد لتطبيقات مستقبلية.

تؤكد «مايكروسوفت» أن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي للعالم المادي لا يقتصر على الأداء التقني فحسب، بل يشمل أيضاً اعتبارات السلامة والموثوقية ومواءمة الأنظمة مع النيات البشرية. فالروبوتات ذاتية التشغيل يجب أن تكون قادرة على فهم التعليمات بدقة، والتعامل مع الحالات الاستثنائية، خصوصاً في البيئات المشتركة مع البشر. لذلك، لا تركز الأبحاث على تعزيز القدرات فقط، بل أيضاً على المتانة والتصميم المسؤول.

يعتمد النموذج على مفهوم الذكاء الاصطناعي المتجسّد حيث يتعلم الروبوت من التجربة المباشرة والتفاعل مع البيئة كما يفعل البشر (مايكروسوفت)

من الذكاء إلى الفعل

يعكس إطلاق نموذج «Rho-Alpha» تحولاً أوسع في صناعة التكنولوجيا. فمع تزايد قدرات الذكاء الاصطناعي في السياقات الرقمية، يتجه الاهتمام تدريجياً نحو كيفية تجسيد هذه القدرات في آلات تعمل في العالم الحقيقي. ويطرح هذا التحول أسئلة جديدة حول جمع البيانات والمحاكاة وطرق التقييم، نظراً لأن البيئات المادية أقل قابلية للتنبؤ مقارنة بالبيئات الافتراضية.

وتشير أبحاث «مايكروسوفت» إلى أن المرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي لن تُقاس فقط بذكاء النماذج، بل بقدرتها على تحويل هذا الذكاء إلى أفعال ملموسة. ومن خلال توحيد الرؤية واللغة والتحكم ضمن إطار واحد، يمثل نموذج «Rho-Alpha» محطة بحثية مهمة في مسار جعل الذكاء الاصطناعي أكثر حضوراً وفاعلية خارج نطاق الشاشات والخوادم.

ومع تلاشي الحدود بين الذكاء الرقمي والأنظمة المادية، قد تُسهم مثل هذه التطورات في إعادة تشكيل طريقة تعاون الروبوتات مع البشر عبر مختلف القطاعات، في تحول تدريجي من آلات مبرمجة إلى شركاء أكثر وعياً بالسياق وقدرة على التكيف مع العالم الحقيقي.


تقارير: هل سيعتمد أول جهاز استهلاكي من «أوبن إيه آي» على الصوت؟

الجهاز المرتقب قد يعمل بلا شاشة معتمداً على الحوار الصوتي باعتباره نموذجاً جديداً للحوسبة اليومية (شاترستوك)
الجهاز المرتقب قد يعمل بلا شاشة معتمداً على الحوار الصوتي باعتباره نموذجاً جديداً للحوسبة اليومية (شاترستوك)
TT

تقارير: هل سيعتمد أول جهاز استهلاكي من «أوبن إيه آي» على الصوت؟

الجهاز المرتقب قد يعمل بلا شاشة معتمداً على الحوار الصوتي باعتباره نموذجاً جديداً للحوسبة اليومية (شاترستوك)
الجهاز المرتقب قد يعمل بلا شاشة معتمداً على الحوار الصوتي باعتباره نموذجاً جديداً للحوسبة اليومية (شاترستوك)

قد تكون شركة «أوبن إيه آي» بصدد الاستعداد لدخول سوق الأجهزة الاستهلاكية للمرة الأولى، وفقاً لتقرير يشير إلى أن الشركة تعمل على تطوير جهاز جديد مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مع تركيز واضح على التفاعل الصوتي. ورغم محدودية التفاصيل المتاحة حتى الآن، يوصف المشروع بأنه خروج عن النماذج التقليدية المعتمدة على الشاشات والهواتف الذكية، لصالح نموذج حوسبة قائم على الصوت.

ويُقال إن الجهاز، الذي لا يزال غير رسمي ويُوصف بأنه «غامض»، يتم تطويره بالتعاون مع جوني آيف، الرئيس السابق للتصميم في شركة «أبل». ويُنظر إلى هذه الشراكة، التي جرى الإعلان عنها سابقاً، على أنها محاولة لإعادة التفكير في كيفية تفاعل المستخدمين مع الذكاء الاصطناعي خارج إطار التطبيقات والأجهزة التقليدية.

الصوت أولاً

بدلاً من أن يشبه هاتفاً ذكياً أو جهازاً لوحياً، يُعتقد أن المنتج يعتمد على الصوت بوصفه واجهة التفاعل الأساسية، وقد يأتي على شكل جهاز قابل للارتداء أو أداة محمولة باليد، وذلك وفقاً لتقرير نشره موقع «ITHome» نقلاً عن صحيفة «إيكونوميك ديلي نيوز» التايوانية، في حين لم تؤكد «أوبن إيه آي» بعد الشكل النهائي للجهاز، كما لم تعلن عن موعد لإطلاقه.

ويبدو أن الطموح الأساسي وراء هذا المشروع يتمثل في ابتكار جهاز يتيح للمستخدمين التفاعل مع الذكاء الاصطناعي بطريقة أكثر طبيعية، من خلال الحوار والمحادثة، بدلاً من الاعتماد على الشاشات أو لوحات المفاتيح أو الواجهات اللمسية. ويتماشى هذا التوجه مع سعي «أوبن إيه آي» الأوسع لجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر بساطة واندماجاً في الحياة اليومية.

ويمثل هذا الجهاز المحتمل أول خطوة كبيرة لـ«أوبن إيه آي» خارج نطاق البرمجيات والخدمات السحابية. فحتى الآن، ركزت الشركة على تطوير نماذج لغوية ضخمة، وإتاحتها عبر منصات مثل «تشات جي بي تي» وواجهات برمجية يستخدمها المطورون والشركات. أما الانتقال إلى مجال الأجهزة، فسيعني توسيعاً ملحوظاً لدورها داخل منظومة الذكاء الاصطناعي.

وقد شهدت الأجهزة المعتمدة على التفاعل الصوتي اهتماماً متزايداً في قطاع التكنولوجيا، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات التعرف على الصوت، ومعالجة اللغة الطبيعية، والاستدلال الفوري. ورغم الانتشار الواسع للمساعدات الصوتية، فإن معظمها لا يزال مرتبطاً بالهواتف الذكية أو السماعات الذكية. وقد يتيح جهاز مخصص للذكاء الاصطناعي تجربة أكثر استمرارية وتخصيصاً، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات تتعلق بالخصوصية والدقة وثقة المستخدمين.

المشروع يُعد رهاناً طويل الأمد على «الحوسبة المحيطة» حيث تصبح التقنية غير مرئية لكنها حاضرة دائماً (شاترستوك)

رهان طويل الأمد

كما أسهمت مشاركة جوني آيف في تسليط مزيد من الضوء على المشروع؛ نظراً لتاريخه في تصميم منتجات استهلاكية مؤثرة وواسعة الانتشار. ويُذكر أن شركته للتصميم تعمل مع «أوبن إيه آي» على تصورات لأجهزة جديدة تهدف إلى تجاوز الفئات التقليدية، مع تأكيد الطرفين أن العمل لا يزال في مرحلة استكشافية.

وبحسب التقرير، وصف مسؤولو «أوبن إيه آي» هذا الجهاز داخلياً بأنه مبادرة طويلة الأمد، وليس منتجاً وشيك الإطلاق. ويشير ذلك إلى أن الشركة لا تزال تختبر كيفية عمل الأجهزة المصممة أساساً للذكاء الاصطناعي، ومدى جاهزية المستهلكين لتبني نموذج جديد من التفاعل.

وفي حال تحقق هذا المشروع، فقد يضع «أوبن إيه آي» ضمن اتجاه أوسع نحو ما يُعرف بالحوسبة المحيطة، حيث تعمل التكنولوجيا في الخلفية وتستجيب للمستخدم عبر الصوت والسياق. ومع ذلك، يبقى نجاح مثل هذا الجهاز على نطاق واسع أمراً غير محسوم، خاصة في سوق مزدحمة بالأجهزة الذكية التي لم تحقق جميعها توقعات المستخدمين.

وفي الوقت الراهن، تعكس مساعي «أوبن إيه آي» في مجال الأجهزة اتجاهاً أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي. فمع ازدياد قدرات النماذج الذكية، قد لا تكون المنافسة المستقبلية محصورة في مستوى الذكاء فحسب، بل في الأجهزة والواجهات التي يختبر المستخدمون من خلالها هذه التقنيات.


«أدوبي» تتيح تحويل ملفات «PDF» إلى عروض تقديمية وبودكاست صوتي

التحول نحو المستندات متعددة الوسائط يعكس تغير توقعات المستخدمين في بيئات العمل والتعليم (شاترستوك)
التحول نحو المستندات متعددة الوسائط يعكس تغير توقعات المستخدمين في بيئات العمل والتعليم (شاترستوك)
TT

«أدوبي» تتيح تحويل ملفات «PDF» إلى عروض تقديمية وبودكاست صوتي

التحول نحو المستندات متعددة الوسائط يعكس تغير توقعات المستخدمين في بيئات العمل والتعليم (شاترستوك)
التحول نحو المستندات متعددة الوسائط يعكس تغير توقعات المستخدمين في بيئات العمل والتعليم (شاترستوك)

لطالما ارتبطت ملفات «PDF» على مدى عقود بالمحتوى الثابت، أي مستندات تُقرأ أو تُؤرشف أو تُعدّل بشكل محدود. لكن «أدوبي» تسعى اليوم إلى تغيير هذا التصور، بعد أن أضافت ميزات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي إلى برنامج «أكروبات» (Acrobat) يتيح ذلك للمستخدمين تحويل ملفات «PDF» إلى عروض تقديمية وبودكاست صوتي، في خطوة تعكس تحولاً أوسع في طريقة استهلاك المستندات وإعادة استخدامها. يأتي هذا التوجه استجابة لتغير أنماط العمل حيث يُتوقع من المعلومات أن تتكيف مع سياقات متعددة من الاجتماعات إلى التنقل اليومي دون الحاجة إلى إعادة تنسيق يدوية.

من مستند إلى عرض تقديمي

من أبرز الإضافات الجديدة إمكانية إنشاء عروض تقديمية مباشرة من ملفات «PDF». فباستخدام قدرات الذكاء الاصطناعي في «Acrobat» يمكن للمستخدمين تحويل المستندات الطويلة أو المعقدة إلى مخططات عروض منظمة، تستخرج الأفكار الرئيسية وتعيد ترتيبها في صيغة مناسبة للعرض.

ولا تقتصر هذه العملية على تحويل الصفحات إلى شرائح، بل تعتمد على تحليل بنية المحتوى وتحديد الموضوعات والأقسام الأساسية، ثم إعادة تقديمها بتسلسل أكثر اختصاراً ووضوحاً. ويعكس هذا النهج توجهاً متزايداً لاستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة للتلخيص والتركيب، وليس مجرد أداة تحويل شكلي.

إنشاء بودكاست صوتي من ملفات «PDF» يعكس تزايد أهمية الصوت كوسيلة لاستهلاك المعرفة والمحتوى (أدوبي)

تحويل ملفات «PDF» إلى بودكاست

إلى جانب العروض التقديمية، أضافت «أدوبي» ميزة إنشاء بودكاست صوتي مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتيح تحويل النصوص المكتوبة إلى محتوى مسموع بأسلوب أقرب إلى الحوار، بدل القراءة الآلية الرتيبة.

ووفقاً لتوثيق «أدوبي»، تهدف هذه الميزة إلى مساعدة المستخدمين على استيعاب المحتوى في الأوقات التي يصعب فيها القراءة، مثل أثناء التنقل أو أداء مهام أخرى. سيقوم النظام بتلخيص المحتوى وسرده صوتياً، ما يسمح بفهم الأفكار الأساسية دون الحاجة إلى تصفح الصفحات.

ويأتي ذلك في ظل تنامي الاعتماد على الصوت كوسيلة لاستهلاك المحتوى، ولا سيما المواد الطويلة أو التقنية، حيث لا تحل هذه الميزة محل القراءة، بل تقدم بديلاً مكملاً لها.

المستندات متعددة الوسائط تصبح القاعدة

تندرج تحديثات «Acrobat» الجديدة ضمن تحول أوسع في صناعة البرمجيات نحو المحتوى متعدد الوسائط. إذ بات يُتوقع من أدوات الإنتاجية أن تنتقل بسلاسة بين النص والصوت والمرئيات. ولم تعد قيمة المستند تُقاس بشكل عرضه فقط، بل بقدرته على التكيف مع احتياجات مختلفة.

وتشير تقارير تقنية إلى أن «أكروبات» بات جزءاً من هذا التوجه، لكن من زاوية مختلفة، إذ يعمل على مستوى المستندات نفسها، ولا سيما ملفات «PDF» التي غالباً ما تحتوي على محتوى رسمي أو نهائي، مثل التقارير والعقود والأبحاث.

هذه الميزات قد تعزز الإنتاجية وإمكانية الوصول خاصة لذوي الإعاقات البصرية أو صعوبات القراءة (أدوبي)

تأثيرات على بيئة العمل

قد يكون لهذه الميزات أثر ملموس على طبيعة العمل المعرفي. فغالباً ما يقضي الموظفون ساعات في تحويل التقارير المكتوبة إلى عروض تقديمية أو ملخصات للاجتماعات. ومن شأن أتمتة جزء من هذه العملية أن تقلل من الجهد والوقت، خصوصاً في المؤسسات الكبيرة.

كما تحمل هذه الخطوة بعداً مهماً في مجال سهولة الوصول. إذ يمكن للنسخ الصوتية أن تدعم المستخدمين من ذوي الإعاقات البصرية أو صعوبات القراءة، بينما تساعد الملخصات في استيعاب المحتوى الكثيف بسرعة أكبر. وإدماج هذه القدرات مباشرة داخل «Acrobat» يجعلها متاحة في المكان الذي توجد فيه المستندات أصلاً.

ليست مجرد مسألة سرعة

ورغم أن تحسين الإنتاجية يعد فائدة واضحة، فإن هذه التحديثات تشير أيضاً إلى تحول أعمق في طريقة إعداد المستندات. فمع إدراك أن ملف «PDF» قد يتحول لاحقاً إلى عرض تقديمي أو مادة صوتية، قد يميل الكُتّاب إلى تنظيم المحتوى منذ البداية بأسلوب أوضح، مع عناوين أقوى وبنية أكثر إحكاماً.

في المقابل، تثير المخرجات التي ينشئها الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول الدقة والسياق. فالملخصات والسرد الصوتي يعتمدان على تفسير النظام للمحتوى، ما يجعل المراجعة البشرية ضرورية، خاصة عند التعامل مع وثائق حساسة أو دقيقة.

إعادة التفكير في ملف «PDF»

على مدى السنوات الماضية، وسّعت «أدوبي» دور «Acrobat» ليشمل ميزات مثل التلخيص الذكي والبحث القائم على الذكاء الاصطناعي. وتأتي إمكانية إنشاء عروض تقديمية وبودكاست امتداداً لهذا المسار، في إشارة إلى أن الشركة لم تعد ترى «PDF» صيغة جامدة، بل حاوية مرنة للمعرفة.

ومع تعمق استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوات الإنتاجية، توضح هذه الخطوة فكرة أن قيمة المستند لم تعد تكمن في محتواه فقط، بل في مدى سهولة إعادة تشكيل هذا المحتوى ومشاركته وفهمه بطرق متعددة.