الرئيس الغواتيمالي يلغي رحلته إلى واشنطن بعد رفض المحكمة الدستورية اتفاقية الهجرة

مهاجرون لدى وصولهم إلى العاصمة غواتيمالا سيتي بعد ترحيلهم من الولايات المتحدة (إ.ب.أ)
مهاجرون لدى وصولهم إلى العاصمة غواتيمالا سيتي بعد ترحيلهم من الولايات المتحدة (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الغواتيمالي يلغي رحلته إلى واشنطن بعد رفض المحكمة الدستورية اتفاقية الهجرة

مهاجرون لدى وصولهم إلى العاصمة غواتيمالا سيتي بعد ترحيلهم من الولايات المتحدة (إ.ب.أ)
مهاجرون لدى وصولهم إلى العاصمة غواتيمالا سيتي بعد ترحيلهم من الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

في العام الماضي، أعادت الولايات المتحدة إلى غواتيمالا ما يزيد على 100 ألف مهاجر غير شرعي، كانوا قد دخلوا الأراضي الأميركية، بعضهم مباشرة والبعض الآخر عن طريق المكسيك. ومنذ مطلع الشهر الماضي، تحطّ في مطار العاصمة الغواتيمالية كل يوم 4 أو 5 طائرات محمّلة بالمهاجرين الذين تلقي القبض عليهم السلطات الأميركية، وترفض طلباتهم للجوء أو الإقامة، وتعيدهم إلى بلادهم. ويوم الاثنين الماضي، كان من المقرر أن يسافر رئيس غواتيمالا، جيمي موراليس، الصديق الحميم للرئيس الأميركي ولرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، للتوقيع على اتفاقية مشتركة تنظّم حركة الهجرة بين البلدين، لكنه اضطر لإلغاء رحلته بعد أن تقدمت مجموعة من النواب المعارضين والحقوقيين بطعن عاجل في شرعيّة الاتفاقية أمام المحكمة الدستورية التي قررت قبوله.
كل ذلك لم يمنع موراليس من الإشادة بـ«العلاقات الممتازة التي تربط حكومة غواتيمالا بالإدارة الأميركية، والتنسيق الدائم الوثيق بين البلدين على كل المستويات، وفي المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية»، في الوقت الذي كان فيه الرئيس الأميركي يقرر المزيد من الإجراءات التي تشدّد شروط الهجرة على الوافدين من أميركا الوسطى، ويرشّ المزيد من الملح على الجرح العرقي المفتوح، بانتقاداته لأربع سيّدات من أصول أجنبية وأعضاء في الكونغرس لوقوفهن ضد إجراءات ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين الذين ينتمون في غالبيتهم الساحقة إلى بلدان أميركا اللاتينية.
وكانت الإدارة الأميركية قد أصدرت مطلع هذا الأسبوع مرسوماً تنفيذياً يمنع المهاجرين الذين يعبرون دولة أخرى قبل الوصول إلى الولايات المتحدة من طلب الحماية والمساعدة، ويُسقِط حقهم في طلب اللجوء من الحكومة الأميركية. ومن شأن هذا المرسوم، الذي سيبدأ تطبيقه فوراً على الحدود الجنوبية مع المكسيك، أن يقطع الطريق على المهاجرين الذين يعبرون الأراضي المكسيكية للوصول إلى الولايات المتحدة، ومعظمهم من غواتيمالا. ويطبَّق هذا المرسوم أيضاً على الأطفال الذين يعبرون الحدود وحدهم، ولا يستثني سوى أولئك الذين تكون قد رُفضت لهم طلبات لجوء في بلدان أخرى، أو الذين يقعون ضحيّة منظمات إجرامية تتاجر بالأطفال.
موضوع الساعة الذي يتداوله الغواتيماليون هنا منذ أسابيع هو الإجراءات التي تتخذها الإدارة الأميركية لمنع دخول المهاجرين، وترحيل الذين يقيمون بصورة غير شرعية، إذ لا تكاد توجد أسرة في غواتيمالا ليس بين أفرادها واحد أو أكثر مرشح للتأثر بهذه الإجراءات. ورغم عدم وجود إحصاءات رسميّة حول هذه الظاهرة، تقدّر منظمة الهجرة العالمية أن نحو 400 ألف مهاجر من غواتيمالا يحاولون الدخول سنوياً إلى الولايات المتحدة، معظمهم عبر المكسيك التي تضاعفت طلبات اللجوء إليها 3 مرات منذ مطلع العام الجاري، إلى أن بلغت 31 ألفاً حتى نهاية الشهر الماضي، 88 في المائة منهم يحملون الجنسية الغواتيمالية، حسب الوكالة المكسيكية لمساعدة اللاجئين.
وتقول غابرييلا آرفيلو، التي تشرف على برنامج مشترك بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحكومة غواتيمالا لمساعدة المهاجرين العائدين، في حديث مع «الشرق الأوسط»: «مشكلة العائدين أو المرحّلين من الولايات المتحدة تحوّلت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية وأمنية، وأصبحت تتصدر اهتمامات الحكومة التي لا تستطيع مواجهتها بمفردها. غواتيمالا من أفقر بلدان أميركا اللاتينية، وأكثرها اضطراباً على الصعيد السياسي، في العقود الأخيرة. ومن النتائج المباشرة لأزمة المهاجرين ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب إلى مستويات غير مسبوقة، بدأت تظهر تداعياتها الخطيرة على الصعيدين الاجتماعي والأمني».
وتقول آرفيلو: «معظم المهاجرين من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و26 سنة يعبرون الأراضي المكسيكية إلى الولايات المتحدة، غالباً بمساعدة منظمات تحقق أرباحاً طائلة، إذ تبلغ تكلفة الرحلة نحو 10 آلاف دولار، تشكّل ثروة كبيرة هنا بالنسبة للعائلات التي يتقاسم أفرادها عادة أعباء تمويل الرحلة»، وتضيف: «تشمل الرحلة 3 محاولات للدخول إلى الأراضي الأميركية، لأن الذين يرحّلون يعيدون الكرّة بأقصى سرعة لتحقيق الحلم الأميركي».
كانت الإدارة الأميركية قد أعلنت أنها تعمل على التقدم في مسعاها لتحويل غواتيمالا إلى «بلد ثالث آمن»، بحيث إن المهاجرين الذين يعبرون أراضيها من السالفادور وهوندوراس باتجاه الولايات المتحدة ينتظرون في الأراضي الغواتيمالية، ريثما تبتّ واشنطن في طلبات لجوئهم. وقد أثار ذلك الإعلان موجة من السخط والاحتجاج في غواتيمالا، وإحالة القضية إلى المحكمة الدستورية، لمنع الرئيس من التوقيع على مثل هذه الاتفاقية مع الولايات المتحدة. وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة لتؤكد أن المهاجرين الذين يعبرون دولة أخرى قبل الوصول إلى الولايات المتحدة عليهم أن يطلبوا اللجوء أولاً في تلك الدولة.
تجدر الإشارة إلى أن للولايات المتحدة اتفاقاً واحداً حول ما يعرف في مصطلحات الهجرة بالبلد الثالث الآمن، وقّعته منذ سنوات مع كندا. وفي مطلع الشهر الماضي، قبلت المكسيك مبدأ التفاوض على اتفاقية مماثلة، ضمن المطالب التي قدمتها واشنطن للحد من تدفق المهاجرين الذين يعبرون الحدود المكسيكية الأميركية، كشرط لعدم فرض رسوم جمركية تصاعدية على صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة.
وفي سياق متصّل، أعلن جيمي موراليس أن بلاده بصدد توقيع اتفاق مع حكومة تل أبيب لمنح الغواتيماليين تأشيرات للعمل بصورة مؤقتة في تل أبيب. ويذكر أن غواتيمالا كانت قد قررت في العام الماضي نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، واحتفلت في شهر مايو (أيار) الفائت بالذكرى السنوية الأولى لنقلها، بحضور زوجة موراليس الذي وجّه رسالة إلى بنيامين نتنياهو، جاء فيها: «أحمد الله على أن علاقات الإخوة التي تربط بين بلدينا تتوطّد باستمرار من خلال التعاون الثنائي».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...