الحوثيون يعيدون ظاهرة العبودية إلى اليمن بعد عقود من تراجعها

يمنيون في سوق بالبلدة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون في سوق بالبلدة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يعيدون ظاهرة العبودية إلى اليمن بعد عقود من تراجعها

يمنيون في سوق بالبلدة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون في سوق بالبلدة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة صنعاء ومناطق أخرى تابعة لسيطرة الانقلابيين الحوثيين توسعاً كبيراً لما يسمى بظاهرة العبودية الحديثة، التي ترتكبها قيادات الميليشيات وتسعى لتوسيعها منذ انقلابها وعلى أوسع نطاق.
وكشفت مصادر مقربة من جماعة الحوثي بصنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود أعداد كبيرة من المواطنين تستعبدهم قيادات بارزة تتبع الأسرة الحوثية. وتحدثت المصادر عن وجود أكثر من 1800 مواطن يمني يعودون إلى تهامة ومحافظات صنعاء وحجة وإب وغيرها يعملون حالياً خدماً وعبيداً في منازل ومقرات بعض قيادات الميليشيات الحوثية العليا.
ومن بين تلك القيادات، وفق المصادر، زعيم الميليشيات عبد الملك الحوثي، وشقيقه عبد الخالق الحوثي، وأقاربه محمد علي الحوثي، وحمزة الحوثي، وعبد الكريم الحوثي، ومحمد عبد الكريم الحوثي، ويحيى بدر الدين الحوثي، والشيخ أشرف الكبسي، وعبد الرب صالح جرفان، وحسن عامر وعزي المراني، وعبد الرزاق محمد المروني، وحسين وأحمد المؤيد، وغيرهم من قادة الميليشيات الحوثية.
وتأتي جهود الميليشيات وسعيها الدؤوب لإنعاش ظاهرة العبودية من جديد، عقب مرور 69 عاماً على إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومُضِي أكثر من نصف قرن على الثورة اليمنية 1962 التي نادت بالتحرر من الطغيان وكل أشكال الظلم والقهر والعبودية. ووفق مهتمين ومتابعين لهذا الأمر، تحولت معظم مناطق سيطرة الانقلابيين نتيجة لآيدولوجيتها السلالية، إلى وكر كبير لحالات العبودية والاستعباد بمختلف أشكالها وصورها.
وفي حين أكدت تقارير محلية عدة أن ظاهرة العبودية انتشرت في اليمن بشكل كبير خلال الأعوام الأربعة الماضية، أي عقب الانقلاب الحوثي على الشرعية، تشير التقارير إلى أن الجرائم التي خلفتها الميليشيات والمتعلقة بالعبودية الحديثة تتنوع ما بين استعباد المواطنين واستغلال فقرهم وجوعهم، والزواج القسري، والاتجار بالبشر، وتجنيد الأطفال والنساء واللاجئين الأفارقة قسرياً.
ويؤكد ناشطون يمنيون أن أبناء اليمن وقعوا منذ الانقلاب أمام فكرة كهنوتية حقيقية تعتمد على تقسم المجتمع اليمني إلى حكام ورعايا وسادة وعبيد، حيث اعتبروا أن هذه الفكرة التي وصفوها بالمقيتة، كثيراً ما عانى منها اليمنيون طيلة العقود الماضية. وقدم الناشطون في أحاديث لـ«الشرق الأوسط» أمثلة عدة تؤكد سعي الميليشيات لترسيخ مثل تلك الأفكار في عقول المجتمع، ولفتوا إلى أن من بينها سيطرة الأسرة الحوثية عقب انقلابها على مفاصل الدولة كافة، وتقاسمها دون غيرها لمعظم المناصب القيادية الحساسة.
وقالوا «نحن لا نستغرب من ذلك التقسيم لأنه تطبيق حرفي للفكرة السلالية الفردية القائمة على فكرة العبودية الحديثة والحق الإلهي بالحكم والمال وإدارة شؤون الناس».
من جانبه، كشف عضو بنقابة المحاميين اليمنيين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود مشايخ وشخصيات اجتماعية تابعة للميليشيات ما زالت تمارس استعباد الفقراء وتقييد حرياتهم وتسخرهم إما للعمل لديها عبيداً دون مقابل أو للزج بهم في جبهات القتال بصفوف الميليشيات. وأوضح أن التمايز العنصري الذي تمارسه الميليشيات الحوثية حالياً يقوم على عناصر اللون والعرق والنسب. وقال: «إنه ومن خلال تلك العناصر تصنف الجماعة السلالية الناس إلى طبقات ومستويات عدة».
وأشار المحامي، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، إلى أن فئة السادة وهم من أسموا أنفسهم «الهاشميين» باتوا يتصدرون الطبقة الأعلى؛ كونهم من وجهة نظرهم الفئة الأرفع نسباً وجاهاً والتي لها الحق بأن تنفرد بامتيازات في الحكم والسيطرة والنفوذ المالي، تليها طبقتا القبائل والمواطنين البسطاء من العمال والفلاحين. وهاتان الفئتان، بحسب المحامي اليمني، كثيراً ما تواجه نظرات دونية وازدراء وعنصرية من قبل الجماعة الحوثية.
وتحدث المحامي عن أن القانون اليمني كان وما زال يجرّم كل أشكال العبودية، بموجب المادة 248 من قانون العقوبات والجرائم رقم 12، التي تنص على أن «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على عشر سنوات كل من باع أو اشترى أو تصرف أي تصرف بإنسان». وتسعى الميليشيات ومنذ اجتياحها صنعاء ومناطق أخرى، إلى إعادة المجتمع اليمني برمته إلى ما كان عليه في عهد الإمامة الباغية، أي قبل أكثر من خمسين عاماً التي انتشرت فيها حالات الفقر والجوع والمرض والقهر وكل أنواع وأشكال العبودية.
ويقول مواطن من تهامة يعمل لدى شيخ قبلي من صعدة موالٍ للميليشيات، إلى «الشرق الأوسط»: «منذ سنوات وأنا أعمل بمنزل الشيخ دون أجرة، ولا أستطيع العودة لأهلي أو التصرف بأي أمر يخصني من تلقاء نفسي». ويضيف «أنا هنا لا أعرف معنى الحرية، وأعتبر نفسي مسلوب الشخصية والإرادة». ويؤكد المواطن أن عمله بمنزل الشيخ الحوثي لا يقتصر على واجبات محددة، فهو يقوم بكل الأعمال سواء المنزلية أو الخارجية وحتى المهام الزراعية. ويشير إلى أن عدد الخدم والعبيد ارتفع بشكل كبير هذه الأيام. ويعزي ذلك إلى اتساع رقعة الفقر والبطالة وانتشار الجوع التي خلفها انقلاب الميليشيات الحوثية.
ومن لا تستخدمهم قيادات الميليشيات خدماً وعبيداً بمنازلها وأماكن تواجدها، تجبرهم على الانصياع لأوامرها والمشاركة بكل فعالياتها الطائفية مقابل إما أسطوانة غاز منزلي أو مساعدات غذائية أو تحت تهديد بالتسريح القسري من الوظيفة العامة. ويروى (م.ن س) وهو من سكان صنعاء، أنه اضطر وكثير من جيرانه أكثر من مرة إلى المشاركة مجبرين بفعاليات الميليشيات بميدان السبعين وباب اليمن.
ويقول: «بالنسبة لي... فأنا لا أطيق هذه الميليشيات ولا أميل لها وليس هناك أي تقارب بين ثقافتي المجتمعية اليمنية الأصيلة وثقافتها الطائفية الخمينية، لكني اضطر إلى المشاركة بمهرجاناتها للحصول إما على أسطوانة غاز أو سلة غذائية من المساعدات الدولية التي غالباً ما تصرف بنظرها».
ويصف أسلوب الميليشيات بـ«بالاستعباد البشع» الذي تستغل من خلاله معاناة الناس وحاجتهم في الجمع والتحشيد للجبهات والمهرجانات الطائفية. ويقول: إن الميليشيات الانقلابية تلزم عقال الحارات والمشرفين بالحشد لفعالياتها أو جبهاتها من الحارات مقابل الغاز والمساعدات الغذائية وأدوات ابتزازية أخرى. ويضيف «إذا لم يرني المشرف الحوثي وأبناء الحي الذي نقطن فيه موجودين بالفعالية فلن نحصل على شيء، وقد نموت وأسرنا جوعاً، خصوصاً مع استمرار نهبهم الرواتب وقلة فرص العمل وانتشار الفقر والبطالة».
وبحسب ما يؤكده مختصون، فإن أعداداً كبيرة من اليمنيين بمناطق سيطرة الانقلابيين تجبرهم أدوات القمع والتجويع والاستغلال الحوثية الممنهجة في الوقوع تحت وطأة الاستعباد والعبودية. ويشدد وزير الأوقاف والإرشاد بحكومة الشرعية في تصريحات سابقة على ضرورة أن يكشف الجميع عن التضليل الزائف الذي يمارسه إعلام الميليشيات والمتعلق بتقسيم الناس إلى طبقات سادة وعبيد محكومين، وكذا على أهمية توعية الناس بمخاطر الفكر الإمامي السلالي الذي يدعي الحق الإلهي في الولاية اقتداءً بملالي طهران.
ويقدر تقرير دولي ضحايا العبودية على مستوى العالم بأكثر من 40 مليون شخص، منهم 85 ألف حالة في اليمن. في حين يرى مختصون أن هذا الرقم يقل كثيراً في اليمن عما هو عليه فعلياً منذ الانقلاب الحوثي. ووفقاً للتقرير المشترك، الذي أعدته ثلاث منظمات دولية العام الماضي، ينتشر العبيد في 11 دولة عربية، من بينها اليمن. وقال التقرير، إن الدول التي تعاني من حروب ونزاعات مثل اليمن، وسوريا، والعراق، تحتضن ما معدله نحو 76 في المائة من إجمالي أعداد العبيد بالدول العربية. وكان تقرير آخر صادر عن الخارجية الأميركية اتهم الميليشيات الحوثية وعناصر القاعدة بتكريس ظاهرة العبودية، والاتجار بالبشر واستغلال الأطفال والنساء واللاجئين والزج بهم مرغمين بمعارك قتالية. واعتبر التقرير، الذي صدر العام قبل الماضي، أن الاستغلال الجنسي والعبودية وتجنيد الأطفال من أبرز مظاهر الاتجار بالبشر في اليمن. وتحدث التقرير عن وجود حالات كثيرة في اليمن كالاستعباد المنزلي للأطفال والنساء والتجنيد والعمل الإجباري والاستغلال للمهاجرين الأفارقة.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
TT

لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)

مرّ نحو 3 أشهر منذ تشكيل «لجنة إدارة قطاع غزة» من القاهرة، دون أن يستطيع أعضاؤها عبور معبر رفح الحدودي بين مصر والقطاع لبدء عملهم، وتسلم المسؤولية من حركة «حماس»، كما ينصّ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بالرغم من فتح معبر رفح خلال تلك الفترة.

وبحسب مصادر فلسطينية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن هناك 4 أسباب رئيسية تعرقل وصولها إلى القطاع، في مقدمتها المنع الإسرائيلي المتواصل حتى الآن، وعدم وجود آلية نهائية مع «حماس» بشأن التسليم، وعدم وجود موازنة مالية لدعم عمل اللجنة، أو وجود قوات دولية خارج القطاع أو شرطية داخله تدعم عمل اللجنة.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عقب تشكيل «لجنة إدارة غزة»، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصادر، أن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض السماح لأعضائها بدخول قطاع غزة، لافتة إلى أنهم يواصلون اجتماعاتهم في القاهرة، ويعمل ممثلو الوسطاء، وخاصة مصر، مع الولايات المتحدة للموافقة على دخول اللجنة إلى غزة بحلول نهاية الشهر ذاته.

اجتماع للجنة إدارة غزة في القاهرة (أرشيفية - هيئة الاستعلامات المصرية)

ولم تتغير قاعدة المنع الإسرائيلية بحق اللجنة، واتهمت وسائل إعلام فلسطينية، الممثل الأعلى للقطاع في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، بالوقوف خلف عرقلة دخول اللجنة التي يرأسها الدكتور علي شعث إلى قطاع غزة، ومنعها من أداء مهامها الإنسانية، بحسب تقرير نقلته وكالة «شهاب»، الخميس.

وعقب زيارة للقاهرة، كشفت «حماس» قبل نحو أسبوع، أن وفد الحركة والفصائل الفلسطينية عقد لقاءً مع ميلادنوف بحضور الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، في إطار جهود استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وفقاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومواصلة معالجة تداعيات الحرب على القطاع.

«المشكلة في الإسرائيليين»

وشرح مصدران فلسطينيان لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، أن الاجتماعات في القاهرة عادة ما تشهد نقاشات بشأن واقع اللجنة ومساعي تسلمها مهامها، وستكون المحادثات المرتقبة بالقاهرة تحمل قدراً هاماً من الأهمية، خاصة أنها تأتي في فترة هدنة حرب طهران وواشنطن، وقد تعزز مساعي حلحلة بعض أزمات اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها عمل اللجنة.

وأوضح أحد المصدرين أن المشكلة الرئيسية في الإسرائيليين، وليس ملادينوف كما يثار، ويواصلون رفض مرورهم حتى الآن، مؤكداً أن نتنياهو لا يعنيه «مجلس السلام» ولا خطة ترمب، متوقعاً أنه «حال تم تشكيل الشرطة الفلسطينية في القطاع قد تسمح إسرائيل تحت ضغوط أميركية بدخول اللجنة، خاصة أن اللجنة لن تنجح دون ذراع على الأرض تنفذ قراراتها وتضمن نجاحها».

ومع تشكيل اللجنة مطلع هذا العام، قالت «حماس»، في بيان، إن الجهات الحكومية في غزة شرعت باتخاذ إجراءات لتسهيل عمل اللجنة الوطنية وتسليمها مقاليد الأمور، مؤكدة أنها لا تضع أي اشتراطات مسبقة لضمان بدء عملها.

«لجنة إدارة غزة» ما زالت في القاهرة بعد 3 أشهر على قرار تشكيلها (الخارجية المصرية)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن هناك 3 أسباب رئيسية في تأخر تسلم اللجنة مهامها، الأول أنه لم يتم الحسم مع «حماس» بآليات التسليم ومهام تسليم السلاح وترتيب العمل، والثاني يتمثل في عدم وجود موازنات مالية، خاصة أنه مطلوب منها تقديم إغاثة وخطط طوارئ إنسانية، وبالتالي لا يمكن للجنة أن تتحمل المسؤولية في غزة دون أن تكون لديها الأدوات اللازمة للعمل.

ويعتقد مطاوع أن عدم دخول قوات دولية يمكن عدّه سبباً ثالثاً في تأخر دخول اللجنة للقطاع، باعتبار أن اللجنة ترى في هذه القوات عاملاً مساعداً للاستقرار ومنع إسرائيل من أي خروقات.

ولا يحمّل مطاوع إسرائيل مسؤولية تأخير عمل اللجنة وحدها، بل يحمّل «حماس» أيضاً المسؤولية، وقال: «رغم ما تعلنه (حماس) باستمرار من أنها مستعدة لتسليم اللجنة مهامها، فإنها في الواقع لم تتخذ إجراءات تتوافق مع ذلك، بل نرى أن الحركة تعيد السيطرة على مفاصل القطاع بطريقة غير مباشرة، بما يجعل قبضتها هي الأقوى، وتحول اللجنة إلى جهة تعمل لدى الحركة».

ويؤكد مطاوع على «أهمية اجتماع القاهرة المرتقب، خاصة أنه يمكن أن يسهم في حلحلة أزمة لجنة إدارة قطاع غزة حال كانت هناك إرادة أميركية، وتوفر أموال لعمل اللجنة، واقتنعت (حماس) أن مسار الحل يجب أن تقدمه في تنازلات حقيقية».


رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
TT

رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)

تشهد جيبوتي، الجمعة، انتخابات رئاسية يتصدرها الرئيس الحالي مرشح حزب «التجمع الشعبي من أجل التقدم»، إسماعيل غيله، في مواجهة محمد فرح سماتر من حزب «المركز الديمقراطي الموحد»، المرشح الوحيد المنافس في السباق وسط غياب أصوات معارضة بارزة.

ويرأس غيله (78عاماً) البلاد منذ 1999، وقد ألغى تحديد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وكذلك الحد الأقصى للفترتين.

وحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإنه الأوفر حظاً للفوز بولاية سادسة في ظل غياب المنافسة القوية والمعارضة البارزة، غير أنه يواجه تحديات متعلقة بسنّه وتحديد خليفته.

تتمتع جيبوتي، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، بموقع استراتيجي مطل على البحر الأحمر وخليج عدن، يُعد بالغ الأهمية في منطقة القرن الأفريقي، إضافةً إلى استضافة قواعد عسكرية أجنبية.

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع أنصاره في منطقة بلبالا (وكالة الأنباء الجيبوتية)

حراك انتخابي

وقبيل انطلاق السباق الرئاسي، استقبل غيله، الأربعاء، في قصر الجمهورية رؤساء وفود المراقبين الدوليين للانتخابات الرئاسية، وبحث معهم قدرة الانتخابات في جيبوتي على الامتثال لمعايير التصويت الدولية، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية.

ومن المتوقع مشاركة 67 مراقباً منتدبين من أربع منظمات، هي: الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، ومنظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية.

وفي آخر تجمع انتخابي له، الأربعاء، أعرب غيله عن ثقته بنجاحه، لافتاً إلى الجهود التي بذلها خلال فتراته الرئاسية الخمس.

أما منافسه سماتر، فقد تعهد في مؤتمر انتخابي قبل أيام بإعطاء الأولوية لتعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية، واتخاذ تدابير لتعزيز توظيف الشباب.

يبلغ عدد الناخبين المسجلين 256467 ناخباً، حسب وكالة الأنباء الرسمية، وتضم مدينة جيبوتي الجزء الأكبر من الناخبين بواقع 162833 ناخباً مسجلاً، فيما تُجرى الانتخابات في 712 مركز اقتراع في أنحاء البلاد.

ويرجح الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أن يفوز غيله «ليس من خلال توافق ديمقراطي واسع النطاق، بل من خلال استخدام سردية قوية للأمن والاستقرار، مدعومة من حزبه الحاكم، اتحاد الأغلبية الرئاسية، ومن خلال السيطرة الصارمة على أجهزة الدولة، مع مقاطعة قطاعات من المعارضة».

بلا منازع منذ 1999

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن غيله ترشحه لولاية سادسة في الانتخابات، وفقاً لبيان صادر عن الرئاسة.

وجاء ترشحه بعد أيام من تصويت البرلمان على إلغاء البند الدستوري الذي يحدد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وذلك بعد 15 عاماً من تعديل الدستور في 2010 بإلغاء الحد الأقصى للفترتين.

وفاز غيله في آخر انتخابات رئاسية، التي أُجريت في أبريل (نيسان) 2021، بنسبة تزيد على 97 في المائة من الأصوات. ويحتل ائتلافه السياسي موقعاً مهيمناً في البرلمان.

وقبل غيله، كان يتولى الرئاسة حسن جوليد أبتيدون، مؤسس استقلال جيبوتي. وفي عام 1999، خَلَفه غيله بعد أن شغل منصب رئيس ديوانه لمدة 22 عاماً.

ويقاطع حزبا المعارضة الرئيسيان، «حركة التجديد الديمقراطي والتنمية» و«التحالف الجمهوري من أجل الديمقراطية»، الانتخابات منذ عام 2016 اعتراضاً على مسار الانتخابات.

ويعتقد إبراهيم أن «العمر وإعداد خليفة هما أبرز التحديات التي تواجه غيله، خصوصاً أنه يتردد أنه يُعد ابن زوجته، الأمين العام لمكتب رئيس الوزراء نجيب عبد الله كامل (61 عاماً) لتولي مناصب قيادية».

وأشار إلى أن نجيب، وهو ابن رئيس الوزراء السابق عبد الله كامل، ينتمى إلى قومية الدناكل عفر، وهذا يثير تحديات من قومية الصومال التي ينتمي إليها غيله، «مما يُثير تكهنات حول أزمة خلافة محتملة».

ويخلص إبراهيم إلى أن الانتخابات ما هي إلا «توطيد للسلطة أكثر من كونها منافسة حقيقية، لكنها تُخفي مستقبلاً غير مستقر في ضوء عدم حسم تلك التحديات».


غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
TT

غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)

اختتم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة المؤقتة عدن، ركزت على بحث مسارَي السلام والاستقرار في ظل تعقيدات المشهدَين الإقليمي والداخلي، حيث شدد على ضرورة تجنيب اليمن الانجرار إلى دوامة التصعيد الإقليمي، والحفاظ على زخم العملية السياسية، بالتوازي مع دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فرص التعافي، بما يهيئ الأرضية لحل شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وشكّلت هذه الزيارة محطة جديدة ضمن مساعي الأمم المتحدة للحفاظ على زخم الوساطة، في ظل بيئة إقليمية متوترة تلقي بظلالها على المشهد اليمني، وتفرض على مختلف الأطراف ضرورة تجنب الانزلاق إلى تصعيد جديد قد يقوض ما تحقق من هدوء نسبي خلال الفترة الماضية.

ووفق بيانات أممية ويمنية، فقد ناقش المبعوث غروندبرغ مع عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، ورئيس الوزراء وزير الخارجية الدكتور شائع الزنداني، تطورات الأوضاع على الساحة الوطنية، والتداعيات المباشرة للتصعيد الإقليمي على فرص السلام في اليمن. وجرى التأكيد على أهمية تحييد الملف اليمني عن التوترات الإقليمية، والعمل على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين مختلف الأطراف.

واستعرض غروندبرغ نتائج تحركاته الأخيرة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى استئناف العملية السياسية، والتقدم المحرز في ملف تبادل المحتجزين، الذي يُعدّ من أبرز الملفات الإنسانية المرتبطة بالنزاع.

من جهته، جدد الفريق الصبيحي دعم مجلس القيادة الرئاسي الكامل جهود الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة تحقيق سلام عادل ودائم يستند إلى المرجعيات المتفق عليها، وفي مقدمتها «المبادرة الخليجية»، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار «2216».

كما عبّر المسؤولون اليمنيون عن تقديرهم الدور الإقليمي والدولي، خصوصاً من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، مؤكدين أهمية استمرار هذا الدور في مختلف المسارات، بما يعزز فرص الاستقرار ويهيئ الأرضية لحل سياسي شامل.

أولوية الاستقرار الاقتصادي

اقتصادياً، حظيت ملفات الاستقرار المالي والنقدي بحيز واسع من نقاشات المبعوث الأممي مع المسؤولين اليمنيين، حيث التقى وزير المالية، مروان بن غانم، ووزير النفط والمعادن، محمد بامقاء، إلى جانب محافظ «البنك المركزي»، أحمد غالب. وتركزت المباحثات على التحديات التي تواجه المالية العامة، وأولويات الحكومة بشأن إقرار ميزانية عام 2026، وتحسين الإيرادات، وتعزيز كفاءة الإنفاق.

غروندبرغ التقى في عدن رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

كما ناقش الجانبان أهمية استئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز، بصفتهما ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، وتوفير موارد مستدامة تسهم في تخفيف الأزمة الإنسانية. وجرى التطرق كذلك إلى فرص تنفيذ إصلاحات اقتصادية أوسع، من شأنها تعزيز ثقة المجتمع الدولي، وجذب الدعم اللازم لعملية التعافي.

وأكد رئيس الوزراء اليمني، شائع الزنداني، حرص الحكومة على «مواصلة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، بما يعالج اختلالات المالية العامة، ويعزز الاستقرار النقدي، ويفتح المجال أمام شراكات دولية أوسع لدعم الاقتصاد اليمني».

تعزيز الشمولية

في سياق دعم الشمولية، التقى المبعوث الأممي وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، حيث جرى التأكيد على «أهمية تعزيز مشاركة المرأة في عمليات صنع القرار السياسي والعام، بوصفها عنصراً أساسياً في تحقيق سلام مستدام». كما ناقش اللقاء «سبل التمكين الاقتصادي للمرأة، وتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية لها في ظل التحديات الراهنة».

وامتدت لقاءات غروندبرغ لتشمل محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، حيث «جرى بحث الديناميكيات المحلية، والجهود المبذولة لتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الاستقرار في المدينة، التي تمثل مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً».

المبعوث الأممي إلى اليمن لدى وصوله لمطار عدن (الأمم المتحدة)

كما حرص المبعوث الأممي على لقاء ممثلين عن المجتمع المدني ووسائل الإعلام، «في إطار توجه الأمم المتحدة إلى تعزيز الشمولية وإشراك مختلف الفاعلين في جهود السلام، بما يعكس تنوع الرؤى ويعزز فرص الوصول إلى حلول توافقية».

وفي ختام زيارته، شدد غروندبرغ على «ضرورة الحفاظ على مساحة للعملية السياسية، وتكثيف الجهود لتجنيب اليمن تداعيات التصعيد الإقليمي»، مؤكداً أن تحقيق السلام يتطلب تضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، والعمل على مسارات متوازية تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية.