قال وزير الخارجية الفلسطيني الدكتور رياض المالكي إن الجانب الفلسطيني لن يقبل بأي شكل من الأشكال مطلب الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية الذي عده من أعصى المشاكل التي من شأنها إجهاض الوصول إلى اتفاق/ إطار وإلى اتفاق سلام لاحقا مع إسرائيل.
وأعرب المالكي في لقاء مطول مع «الشرق الأوسط» في باريس بمناسبة مشاركته في اجتماع لجنة المتابعة العربية مع وزير الخارجية الأميركي إن السلطة الفلسطينية ترى أن جهود كيري «صادقة ونواياه طيبة وهو يحظى بدعم الرئيس باراك أوباما» للتوصل إلى اتفاق سلام.
وأفاد المالكي بأن المفاوضات الفلسطينية/ الإسرائيلية بوساطة أميركية ما زالت تواجه صعوبات كبيرة بحيث يصعب القول إنها حققت اختراقا في ميدان ما، مضيفا أن من بينها مسائل مستعصية على الحل.
ونفى الوزير الفلسطيني أن يكون الجانب الأميركي قد طرح اتفاق/ إطار متكامل، مشيرا إلى أن جل ما هو موجود تبادل لبعض الأفكار والمقترحات، وأن المرحلة الثالثة من المفاوضات «التي سترى مقترحات أميركية منهجية» لم تبدأ بعد.وفيما يلي نص الحديث:
* ما الذي حصل في اجتماع باريس بين الوزير كيري ولجنة المتابعة العربية؟
- كيري أراد أن يضع الوزراء العرب في صورة الجهود التي يبذلها، ويعطيهم نوعا من التأكيدات أنه يعمل بكل ما لديه من إمكانيات من أجل الخروج باتفاق يكون مرضيا للطرفين قدر الإمكان. ولكن في أي عملية تفاوضية، لا تستطيع إرضاء الأطراف المعنية تماما ولا بد لهم من القبول ببعض التنازلات للتوصل إلى صيغة توافقية. ولذا سيكون على القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية أن تمررها للتوصل إلى اتفاق. وطالب الوزراء العرب بتفهم ما يقوم به ودعم جهوده وتوفير الدعم لموقف القيادة الفلسطينية في حال وافقت على اتفاق/ إطار سيعرض عليها خلال فترة زمنية محددة. وكان للوزراء العرب بعض الاستفسارات والاستجوابات وقيل للوزير الأميركي إنه عندما تتوافر لديه صيغة جاهزة، سيطلع الوزراء العرب عليها وسيستمعون لرأي الفلسطينيين وبأي حال ما يقبل به الفلسطينيون يقبلون به وما يرفضه الفلسطينيون سيرفضونه أيضا. وأضيف أننا مرتاحون للموقف العربي. وسبق لي في اجتماع تحضيري أن أوضحت القضايا الخلافية في المفاوضات وموقفنا منها وطلبت من الوزراء المجتمعين إسماع الوزير الأميركي الموقف العربي ليصل إلى قناعة أن الطرف الفلسطيني ليس وحيدا وإنما مدعوم بإسناد عربي كامل وقوي. ولقد عبر الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي عن ذلك بقوة.
* هل يمكن أن نترك العموميات وندخل في بعض تفاصيل المفاوضات؟ ماذا حققتم بعد خمسة أشهر من المفاوضات وعشر زيارات لكيري؟
- الجميع يعرف مواقف الطرفين؟ لكن الجديد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أضاف في هذه الجولة شروطا إضافية عقدت الموضوع مثل يهودية الدولة «وهو موضوع لم يطرح من قبل» والحضور الإسرائيلي الدائم أو طويل المدى في غور الأردن أو قوله للجنة المركزية لحزب الليكود بأنه لن يقبل الإشارة أبدا إلى القدس والخليل وغيرهما.
نحن اليوم على عتبة الدخول في المرحلة الثالثة من المفاوضات بعد الأولى التي جمعت الفلسطينيين والإسرائيليين لوحدهم والثانية التي لعب فيها الجانب الأميركي دور الوسيط وناقل الأفكار والمواقف وشارك فيها بفاعلية أكبر. أما الثالثة، أي تقديم المقترحات وعرض الاتفاق/ الإطار فلن يجري الولوج إليها إلا بعد نضوج القضايا. وحتى الآن، ما زال الجانب الأميركي يقدم أفكارا منفصلة ولم تأخذ بعد شكل الاتفاق/ الإطار أو ملامحه.
* أفهم أن الأميركيين لا يريدون الكشف عن تفاصيل المفاوضات. ولكن الصحافة الأميركية والإسرائيلية تضج بالكثير من المعلومات التفصيلية ومنها مثلا أن إسرائيل تريد أن تضم 6.85 في المائة من أراضي الضفة، وأن تعطي مقابلها 5.5 في المائة من أراضيها للفلسطينيين. هل هذا صحيح؟
- ليست هناك أي نسب مطروحة على الإطلاق. وما تقوله الصحافة الإسرائيلية ليست أمورا مسلما بها. ولنكن واضحين: عندما قبلنا مبدأ التبادلية ربطناه بمعياري القيمة والمثل وقلنا بأقل نسبة ممكنة. المبدأ أقر ولكن البحث في التفاصيل لم يبدأ بعد ولم يتم تبادل خرائط والأمور متروكة للمرحلة الرابعة. لذا فإن هذه التفاصيل غير صحيحة. وما سمعناه من الأميركيين بكل وضوح هو أن مساحة الضفة الغربية ستعود للفلسطينيين كما كانت ولن يأخذ الفلسطينيون أقل من ذلك على الإطلاق وإنما ستكون لنا مساحة الضفة كاملة. هذا هو المبدأ. أما كيف سيتم تطبيقه، فهذا لم يبدأ البحث فيه.
* قد يقترحون عليكم مناطق في النقب مثلا؟
- ربما. ولكن لن نقبل بذلك. نحن نستطيع أن نرفض وسبق لنا أن قلنا لا 12 مرة للأميركيين ومستعدون للاستمرار في ذلك إذا كان ذلك يتعلق بمبادئنا ومواقفنا الأساسية.
* في أي مجالات أحرزتم تقدما ما ذا معنى خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات؟
- لا أستطيع أن أقول إننا أحرزنا تقدما في أي شيء. ما زالت القضايا الخلافية قائمة والخلاف موجود بصدد كل القضايا المطروحة، ولذا أستطيع القول إننا حققنا إنجازا في أي شيء. كل القضايا ما زالت مفتوحة حتى هذه اللحظة. أنا أحدثك بكل وضوح وصراحة. وأريد أن أضيف أن ثمة قضايا الخلاف فيها أكبر بكثير من أن نكون قادرين على التوصل إلى اتفاق بشأنها.
* مثلا؟
- طلب إسرائيل الاعتراف بيهودية الدولة. أنا لا أرى حلا لهذه المسألة وللطرح الإسرائيلي لأننا لن نقبل ذلك بتاتا وأبدا.
* أين يقع الموقف الأميركي من هذه المسألة بالذات؟ وهل يتباين الموقف الإسرائيلي؟
- لا أعرف. يمكن أن يكون هكذا. لكن حتى الآن، سعى للعب دور الوسيط بأن ينقل لكل طرف مواقف الطرف الآخر. لم يطرح بعد رؤيته لأنه لم يتوصل بعد إلى الاتفاق/ الإطار الذي يريد تقديمه.
* ولكن هناك معلومات عن وجود ورقة أميركية وبعض المسؤولين الإسرائيليين انتقدها صراحة؟
- هذا غير صحيح حتى الآن.
* هل تريد أن تقول إنه ليست هناك حتى الآن ورقة أميركية متكاملة ومنهجية بل بعض الأفكار المطروحة؟
- الجانب الأميركي ما زال يلعب دور الوسيط حتى يضيق نقاط الخلاف. هذا هو دورهم حتى الآن.
* هل تبنيتم في المفاوضات مبدأ أنه ليس هناك أي اتفاق على أي جزئية طالما ليس هناك اتفاق على الكل؟
- نعم. نحن نعمل بالفعل بوحي هذا المبدأ.
* هل الأميركي قابل لذلك؟
- مائة في المائة.
* أذكر أن الرئيس أبو مازن انتقد أكثر من مرة الدور الأميركي وعده متحيزا.. أليس كذلك؟
- أنا لم أسمع كلاما من هذا النوع. نحن نعد أن جهود الوزير كيري صادقة ونواياه طيبة ولديه رغبة حقيقية بالتوصل إلى اتفاق ينهي حالة الصراع القائم منذ عشرات السنين. ومنذ اليوم الأول لتسلمه مسؤولياته، عمل بتركيز كبير لمعالجة هذا الموضوع والمؤشر الأقوى على ذلك أنه زار المنطقة عشر مرات منذ عشرة أشهر. وثمة انتقادات له حتى داخل الولايات المتحدة كونه يركز على الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي على حساب قضايا أخرى. يجب أن نقر بذلك ونحن نعلم تماما أنه يحظى بدعم الرئيس أوباما. والرئيس الأميركي يثق بالوزير كيري وبالجهود التي يقوم بها، وبالتالي نحن نثق وقلنا ذلك ونقوله إننا نقدر دور كيري وأوباما في جهودهما وهما يعملان بنوايا طيبة من أجل الوصول إلى اتفاق. وأعيد وأؤكد أنني لم أسمع أي انتقاد من قبل الرئيس عباس للدور الأميركي إطلاقا منذ أن بدأت العملية التفاوضية الأخيرة. ربما جاءت الانتقادات من شخصيات فلسطينية أخرى وهذا حقها.
* متى تتوقع أن يتقدم كيري بشكل رسمي باقتراح الاتفاق/ الإطار؟
- يعتمد ذلك على تكلل جهوده بالنجاح. هو لديه مهلة حتى نهاية شهر أبريل (نيسان) المقبل. يمكن أن ينجح قبل ذلك وربما سيصل إلى 29 أبريل، ويعترف بأنه قد فشل أو قد يأتي ويطالب بتمديد المفاوضات. ولا نستطيع منذ الآن القول إنه نجح أو أنه سيقدم شيئا نهائيا خلال فترة زمنية محددة. كل ذلك مرتبط بمدى تجاوب الإسرائيليين واستعدادهم للوصول إلى اتفاق.
* لو افترضنا أنه توصل إلى اتفاق/ إطار. هل يعني ذلك مباشرة مفاوضات جديدة للتوصل إلى اتفاق سياسي؟
- الاتفاق/ الإطار سيرسم مبادئ الاتفاق النهائي. وأريد أن أؤكد أن أي اتفاق/ إطار لا يعني إطلاقا أنه اتفاق مؤقت أو مرحلي وإنما هو خطوة تقربنا كثيرا من الاتفاق النهائي. النية عند الأميركيين وعندنا أن ما يقوم به كيري هو الوصل إلى اتفاق نهائي يضع حدا لحالة الصراع بشكل نهائي. نحن نريد الذهاب لاتفاق نهائي.
* لكن هل الآخرون يريدون ذلك أيضا؟
- ما يقوم به كيري هو للوصول إلى ذلك. ولكن من أجل هذا الهدف، فإن الإطار الذي يجري الاتفاق عليه «في حال حصل ذلك» هو لرسم الاتفاق النهائي. الاتفاق الهيكلي هو الذي يحدد الاتفاق النهائي. يبقى أن يترجم كل ذلك إلى التفاصيل وفي أي لحظة يمكن أن تنفجر كل المفاوضات لأن التفاصيل مهمة و«الشيطان يكمن في التفاصيل». نحن لم نتخط مرحلة اللاعودة.
* الاتفاق/ الإطار ليس ضمانة للحل؟
- هو يحدد الشكل الذي منه تنتقل إلى المرحلة النهائية.
* من بين القضايا الخلافية، ما هو الموضوع المستعصي على الحل؟
- هي طرح قضية يهودية الدولة الإسرائيلية. هو مسألة خلافية حادة. خطر الاعتراف أنه يعني إقرارنا بإلغاء تاريخنا وارتباطنا وحقنا بفلسطين التاريخية. وهذا أمر لا يمكن أن نقبل به تحت أي ظرف. وتخوفنا يتناول أيضا مصير 1.8 مليون فلسطيني يعيشون في إسرائيل إذ ماذا سيحصل لهم عندما يجدون أنفسهم خارج المصطلح الجديد. هم اليوم من الدرجة الثانية وما الذي سيصيبهم مع يهودية الدولة؟ وماذا أيضا عن اللاجئين وعودتهم وحقوقهم؟ لذا لا يمكن أن نقبل أمرا كهذا أبدا.
* هل تحظون بدعم وتفهم موقفكم على المستوى الدولي؟
- حتى هذه اللحظة، الإدارة الأميركية التي خرجت للعلن وقالت: إنها تتبنى هذا المفهوم. لا يوجد هناك أي دولة أخرى تتحدث عن تفهم أو دعم الطلب الإسرائيلي حول يهودية الدولة وبالتالي ليست الإشكالية مع الدول الأوروبية أو الأمم المتحدة لأنه في لحظة من اللحظات، إذا وجدنا أنفسنا مضطرين سنطلب الرأي القانوني لإثبات أن الطلب الإسرائيلي متناقض مع القانون الدولي. لذلك نفضل ونأمل ألا يضغط علينا كثيرا في موضوع يهودية الدولة لأنها ستكون النقطة التي ستعيق التوصل إلى اتفاق.










